logo

كيف تصبح "مجدد الأمة" في خمسة أيام؟

اعلَم أنّ التجديد عند بعضهم قد يبدأ من الاستخفاف بابن خلدون أو ازدراء ابن تيمية أو الإجهاز على صلاح الدين أو التحامل على البخاري أو مطاردة الصحابة والتابعين، شَرْطَ أن تُبدي في هذا المسعى تقديراً لهيغل أو تبجيلاً لكانط أو تعظيماً لفولتير أو تفخيماً لنيتشه أو توقيراً لأينشتاين، وأن تَحشر مصطلحاتٍ مُستلّة من ألسنةٍ أوروبيّة في مرافعاتك المرئية؛ لتتجلّى مفرداتُكَ برهاناً على مسايرتك العصر وكنايةً عن ارتقائك المرتقى.

 

أو قد يبدأ التجديد عندك بما هو أيسر، كأن ينطلق من ازدراء العمامة واحتقار العباءة وامتهان اللِّحية، شرط ألا يَقرب نقدُك ما يُمليه سدنةُ الأزياء على أجيالِ الحاضر بأن تُعفيَ لِحاها وتمزِّق ثيابها. قد تبزغ في عيونهم مجدِّداً إن أظهرتَ احتراماً زائداً لربطةٍ مغلولة إلى عنقك، وتوقيراً ظاهراً لملابس أوروبيّة تقليدية تعود أصولها إلى قرونٍ خَلَت، تحرص على أناقتك فيها كلّ الحرص؛ وإنْ لم تُستَشر وقوْمك في ملائمتها لكم زمناً بعد زمن.

 

وإن اقتضى التجديدُ النّقْدَ أساساً؛ فإنّ عليك الإتيان به لاذعاً وتسديد سهامك في اتجاهات محسوبة، دون أن تَلحَظ أنّ ثائرتك ستثور كلّما قُوبِلْتَ بنَقْدٍ جادّ أو مراجعةٍ رصينة. ها أنت تُحَرِّض على استعمالِ النّقد الصّارم في اتجاهاتٍ شتى؛ وتتحوّط من ارتدادِ النّقْدِ عليك، وقد تطوِّق ذاتَكَ بإيحاءِ تمجيدٍ أو هالةِ قداسة بما تستدعيه من افتعالٍ في العبارة وإيحاءٍ في الإشارة لتكتسب بهذا حصانةً معنوية متعالية على التمحيص.

 

تذكّر أنّ ما يحفظونه عن العظماء هي عبارات وجيزة فابدأ من حيث انتهوا بها. أطلِق شعاراتٍ مكثّفة ومقولاتٍ مُختزَلة ومصطلحاتٍ رنّانة ولا تسترسل في شرح بعضها وإن بدت مُبهَمة، بل اجعلهم ينشغلون بتأويلها وينهمكون بتمريرها وينصرفون إلى نحتها في الألواح، وإن لم تأخذ بها في واقعك ولم تمتثل لمقتضاها في مواقفك.

 

    

اخرُج عليهم بما ستراه العيون اكتشافاتٍ أخّاذة وفتوحاً متجدِّدة، كي تختطف أبصارَهم وتستولي على ألبابهم إلى ما ستُهيل الترابَ عليه في قابلات الأيام. استخلص مفاجآتك من آراء جاء بها بعض السابقين أو اللاحقين واستحضرها كأنك مَن استقلّ بالنّظر وتفرّد بالتّأويل. بادِر إلى تأليف باقَتِك من بساتينَ متفرِّقة، وانظُمها في هيئة تَشي بالتّفرّد وتوْحي بالامتياز، ولا تدع مجالاً للشكِّ بأنها من عندِ غيْرك. ستشقّ على العلماء والحكماء مطاردة الشظايا التي تنثرها في طريقك، ولن يجدوا من أنفسهم عزماً على الانكباب على كلٍّ منها بالنّظر والتّمحيص.

    

وهل يكون التّجديد بلا مبادئ إليها يُحتَكم؟ قُم إذن بتنزيل المبادئ والأحكام بصفة انتقائيّة، وسدِّد سهامك في اتِّجاهات محدّدة، على أنْ تَقِي منها أهدافاً تنتقيها بحصافة، حسب مصالحك وبما يُراعي حلفاءك. ولكَ أن تُخضِع الشِّعاراتِ السّامية والقيَمَ النّبيلة التي ترفعها ونصوص الدِّين ومقولات الفكر التي تستدعيها؛ لِحِيَل التّأويل والاجتزاء والنقض لأجل مصالحك المتوارية أو مقاصد السُّلطة التي قد تحاول توجيهك من وراء ستار – علمتَ ذلك أم لم تعلم – أو تبعاً لمآرب أصحاب النُّفوذ والمال الذين يمكِّنونك في منابرهم وشاشاتهم ما استَقَمْتَ لهم في خطابِك ولم تقرب مصالحهم بدعاوى الإصلاح ومطالب التغيير. يَسَعُك، مثلاً، أن تُمعِن في تَعَقُّب رواياتٍ تاريخيّة دون غيرها واستلالِ حكاياتٍ وأقاصيص من سياقها لتتحدّث عن طغيان وظُلم وقصور يُزعَم وقوعُه في أزمان خَلَت، دون أن يرمش لك جفنٌ عندما تعتلي منابر الطغاة وتفترش شاشاتهم وتقتات من موائدهم.

  

وإن صِرتَ مجدِّداً من هذا اللّوْن فإنّ عليك أن تجْلِد ظهرَ أمّتك بدعوى إصلاحها، وأن تُشْهِر سيْفَ التّقويض في وجهها، بالإسراف في تحطيم تاريخها عن آخِرِه ومطاردة رموزه بلا هوادة، مع تعظيم أفكارٍ محسوبةٍ على أقوام في شمال الكوكب دون جنوبه؛ تستدعيها بلا تمحيص كافٍ أو حسّ نقديٍّ يَقِظ. ولعلّك تُدرِك أنّك أقدمتَ على مثل هذا مسايرةً لزمن "سقوط السّرديّات الكبرى"، وأنّ ما تنادي به يتملّقّ نزعاتٍ نسبيّة ترفض التّحديد؛ وينساح مع سيولة طاغية تأنف الثّبات؛ ويواكب "ما بعد الحداثة" في منحاها التقويضيِّ بمآلاته العدميّة التي لا تلوي على شيء. فما ينبغي أن يشغلك أساساً هو التّقويض دون البناء، وإحداث الفراغ دون الاجتهاد بمَلْئِه، وزادُك في هذا شعاراتٌ فضفاضة تتمسّح بها حسب كلّ موسم، كأنْ تحتكم إلى "العقْل" في غموض دلالته أو إلى "العصر" في عموم معناه أو إلى "العِلْم" بهالته الأخّاذة. احْمِِل مِعْوَلَك إذن، وباشِر هَدْم ما حولك لتبقى وحدكَ فارسَ الفُرسان وسيِِّدَ الميْدان ومجِّدد الأزمان. توسّع في تحطيم ما يعدّونها قاماتٍ أو يَرَوْنَها هاماتٍ من ماضيهم وحاضرهم، ليَبْزُغَ بريقُك مُجدِّداً للأمّة وسط الحطام. لا تتوانَ في هزِّ ثقة الأجيال بما في أذهانها، لتظهر لها في الشبكات والشاشات فارساً موعوداً يُغويها بالانقياد لركْبه فراراً من حيْرةٍ أذكيْتها وملاذاً من اضطرابٍ أجّجْتَه.

 

كُنْ فارسَ المراحل، ولا تتوانَ عن التنصُّل ممّا جئتَ به في أمْسِك، وقل في يومك ما ستخالفه في غدك، وستتبعك جمهرة المُعجَبين في ارتحالك المُتقلِّب من قوْلٍ إلى نقيضه، وسيلتمس لك مُحبّوكَ أعذاراً في كلِّ ما تأتي به. تَجَلّ لهم ثوريّاً وقتَ الثّورة، راكباً بحنجرتك المجلجلة غضبةَ الجماهير، ثم انْقلِب عليها إنْ أُطيح بوعودها، مستعملاً مقولاتِ الحكمة والرُّشد ودعاوى التعقّل والتدبُّر بوقار زائد تتحلّى به، ويَسَعُك تبريرُ مواقفك جميعاً على تقلُّبها وتجميل تناقضاتِها بذرائع تحبكها وحجج تنسجها، كأنْ تزعُمَ الميْل مع الحقّ الذي استبانَ لك من بعد، وأنه لا يصحّ في النِّهاية إلاّ الصّحيح.

   

  

لا حرَج عبر مسعاك هذا في أن تتلوّن فكريّاً وفقَ كلِّ موجة، وأن تتقلّب سياسيّاً حسبَ كلِّ مرحلة، فهذا من مقتضيات صعودِكَ فوْق أمواجٍ متلاطمة وتصدُّرِك عبر مراحل متعارضة. بوسْعِك أن تُناقِض ما جِئْتَ به في أمْسِك، أو أنْ تتبنّى في يَومِك ما ستُخالفه في غَدِك، لأنّك تركن في هذا إلى ذاكرةٍ قصيرة لدى جماهير استحوَذَتْ عليها هالتُك فتنازَلَتْ عن حِسِّها النّقديّ في زمن الشّاشات والشّبكات، وقد لا تقتدر على مراجعة ما تأتي به مقاطِعُك المبثوثةُ ونُتَفُكَ المنثورةُ التي لا ينظمها ناظم.

 

واحرِص في هذا المسعى على التملُّص من قابليّة التّدقيق في أقوالك والتّمحيص في مزاعمك، فاستَبِق إلى تحصينها بحججٍ محبوكة وذرائع منسوجة لدفع المساءلة عنها ونَفْضِ الشّكوك المُحتمَلة من حولها. ولا يفوتنّك، مثلاً، وَصمُ ناقديك المُحتَمَلين جميعاً بالانغلاق والظّلاميّة والتّطرّف، أو بالتّحجُّر الثقافيّ والجمود الفكريّ، أو بمناهضة العقل ومناقضة العلم والمروق من العصر. ستضطرّ بهذه الحيلة مَن يحاول تشغيلَ عقلِه خارجَ سَطْوَتِك الوجدانية ومَن يهمّ بمراجعة أقوالِك أو نَقْدِ مزاعمِك؛ إلى توطئةٍ دفاعيّة ومرافعةٍ تبريريّة، كي يبرأ أحدُهم من وَصمةٍ مُغلّظة رَمَيْته بها مسبقاً، قبل أن ينبس ببنت شفة.

 

ثمّ إنّ عليك في أوّل الأمْر وآخره أن تُكَثِّف انطباعاتٍ وإيحاءاتٍ في وَعي جمهورِك عن رسوخِ علمِكَ وعميقِ فَهمِكَ ودِقّةِ نظركَ وموثوقيّةِ معرفَتِك ونُبْلِ مَقصدِكَ وصِدقِ إخلاصِك، كي تستولي حَضْرتُك البهيّةُ – المشفوعةُ بمساحيق الشّاشة ووهج الأضواء وتلاعبات التّصوير ومعالجات البَثّ – على وجدانِ الجمهرة، فتستلب أذهاناً تنازلت عن تمحيصِ الفحوى وإدراكِ المغزى. لكَ في مسعاكَ هذا أنْ تتمسّح بالعِلْم وأن تحتجّ بالعقل وأن تستغلّ العاطفة وأن تتذرّع بالقيَم؛ لترويج ما يُناقِض العِلمَ ويتصادَم مع العقل ويهوي بالعاطفة وينتهك القيَم. ستكتشف بهذه الحِيَلِ أو غيرِها اقتدارَك على استغلال نفسيّاتِ الحيارى بعد إدراكِ مداخلهم، فتلامِس مكامِنَ ضعفهم بتعبيراتٍ محسوبة للإمساك بخطامهم، ثم تسوقهم طائعين إلى حيث تَرغَب.

 

لكَ أن تُناوِر في إطلالاتك عبر المراحل وأن تتذاكى في لحن القوْل وفنون الأداء، وأن تُسايِر ظواهر تعلو مِن حولك لأجل توظيفها لغاياتك ومراميك، وأن تُدغدِغَ مشاعرَ الجماهير لكسْب ثقتِها واستلابِ مُدرَكاتِها. ولِمَ لا تغترف من فنون التّلاعب بالعواطف للهيْمنةِ على الوجدان واستلابِ العقول، أو أنْ تلجأ إلى شيء من فنون غسيلِ الأدمغة والتأثيرِ على الإدراك بحيَل شتى يَطلُبها أمثالُك من خلاصات العلوم الإنسانيّة أو يَستَقونها من عصارة الدّراسات المختصّة، أو يُدركونها عمليّاً كما هي بالسليقة؟! لك أن تستغلّ حاجاتِ القوم النفسيّة والمعنوية أو عواطفهم الدينيّة والطائفية أو نوازعهم الوطنية والقومية أو دواعي قلقهم وبواعث فزَعِهم؛ لأجل الهيمنة على وجدانهم واجتياح أذهانهم. ومِن شأنِك من بَعدُ أن تُشيد بجماهير استلبْتَ وَعيَها وصادرتَ إرادَتَها، وأن تُثنيَ على "ما تتّسم به من وَعيٍ وبصيرة"، وقد تصفها بالذّكاء والنّباهة ويقظة الضّمير وحرية الإرادة، كي تُحمَل مُجَدِّداً فوق القامات ويُرتَفَع بك صنَماً وَسط الحطام .. إلى أن يَأفُل بريقُك وينكشِف أمْرُك في عاجل الأمرِ أو آجلِه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة