"حزب الله" وسؤال القوة الناعمة

لا يخفى على متابع أن إيران قد أحكمت سيطرتها على أربع عواصم عربية، هي بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد. طبعا، لإيران في كل سياق من هذه السياقات شركاء داخليين يشاركونها الرؤية الاستراتيجية في الصراعات الإقليمية الدائرة، أو بالحد الأدنى يتفقون معها على سلة من المصالح، أو المكتسبات التاريخية، التي يرون أنه لا بد من صونها لمنع أي تغيير جذري في علاقات القوة الإستيتيكية فيما بينها. ولكن، مع هذا، تبقى لطهران الكلمة الفصل في كل ما يتصل بشؤون تلك العواصم الداخلية والخارجية، ودعك هنا من الكلام التبريري لبعض رموزها في المنطقة، من قبيل القول "إن إيران تؤازرنا وتدعمنا ولا تأمرنا أو حتى تشير علينا" أو "إن الإيرانيين حلفاء وأصدقاء ولا تشبه علاقتنا بهم علاقة التبعية التي تربط دول الخليج العربي بالولايات المتحدة".

يُمثِّل لبنان على وجه التحديد مثالا صارخا لمدى عمق التوغل الإيراني في المنطقة العربية، على الصعيدين الرسمي والشعبي. فلا مندوحة عندي، كما عند العديد من الباحثين، في أن "حزب الله"، الذي أنشأه الحرس الثوري الإيراني في لبنان عام ١٩٨٢، والذي نما تنظيميا واكتمل نفوذه السياسي بعد حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، بات ممسكا بكل مفاصل الدولة. فالحزب الذي يحتكر مع "حركة أمل"، عدوه اللدود بالأمس، التمثيل السياسي للطائفة الشيعية لم يعد تلك "الدويلة ضمن الدولة" التي أثارت حفيظة بعض النخب الفكرية والحزبية النافذة ذات التوجهات النيو-ليبرالية والنزعات الحمائية اليمينية، خاصة تلك منها المتعلقة بإشكالية "سيادة الدولة" مفهوما وممارسة. بل هو اليوم، وبلا منازع، الحزب القائد للدولة والمجتمع، شاء من شاء وأبى من أبى، شأنه في ذلك شأن العديد من الأحزاب الشمولية التي سادت في المنطقة العربية خلال القرن العشرين وتمكنت بقوة السلاح والاستبداد السلطوي معا من فرض مشاريعها التوسعية.

مع علمي المسبق بأن كلامي قد يُؤخذ على محمل التنظير اليوتوبي، أدعو الحزب إلى العمل على مراجعة ذاتية جريئة لطبيعة نشاطه الإقليمي، لا لأجل نزع سلاحه، كما يطالب بعض اللبنانيين، بل بهدف البحث الجدّي في إمكانية تطبيق سياسة "النأي بالنفس"، فعلا لا قولا

شواهدي على هذه التوتاليتارية كثيرة ولا تنحصر فقط في الأساليب التي انتهجها "حزب الله" لمعالجة بعض الملفات الخلافية الداخلية، كملف شبكة الإتصالات اللاسلكية عام 2008، أو في المشاريع الإنقلابية التي روَّج لها، كدعوته مثلا لمؤتمر وطني تأسيسي يعيد بناء النظام السياسي على أساس محاصصة ثلاثية، مسيحية-سنية-شيعية. فمع اندلاع الإنتفاضة الشعبية العارمة في السابع عشر من تشرين الأول المنصرم، تبين للعديد من اللبنانيين أن هذه التوتاليتارية ليست "عملية محدودة"، وقائية، وظيفية، يلجأ إليها الحزب على سبيل الإضطرار فقط، من باب حقه المشروع في الدفاع عن أمنه الذاتي وسلامة بناه التحتية، بل هي توتاليتارية عضوية، قطعية الدلالة، من حيث رجوعه إلى إيران أولا وأخيرا واستفتائه إياها في كل صغيرة وكبيرة، خاصة بما يتعلق بتشكيل الحكومات، فصل السلطات، رسم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية وحتى وضع ألبرامج الإصلاحية لحل الأزمة المالية، كما برز مؤخرا في النقاش المتعلق بحتمية الإستعانة بمؤسسة "صندوق النقد الدولي" من عدمها.

ولكن، إلى متى ستدوم هذه التوتاليتارية؟ هل باستطاعة الحزب، كما يعتقد قادته، أن يصمد طويلا في تجاهله للخصوصيتين الماديتين التاريخيتين اللتين لطالما ميَّزَتا الصيغة اللبنانية، ألا وهما إرثٌ إجتماعي معقّد قائم على تعددية التكوين الهوياتي – طائفيا ومذهبيا وحضاريا، بين شرق وغرب – وقلقٌ أنطولوجي (هنا، بمعنى وجودي) دائم من عواقب الجيو-إستراتيجيا؟ فحقيقةُ كونِ لبنان، بحسب تصنيفات روبرت ل. روثشتاين، الباحث الأميركي الذي قَدَّم لنظرية "أمن الدول الصغيرة" في كتابه ذائع الصيت Alliances and Small Powers (1968)، دولة صغرى ذات تعداد سكاني ضئيل يحدُّ من فرص نموها الإقتصادي وموقعٍ جغرافي حساس يعرِّضُ سيادتَها وأمنَها القومي لضغوطٍ تمارسُها عليها دول أكبرَ حجما – هنا، سوريا (وتباعا إيران) وإسرائيل (وتباعا الولايات المتحدة) – لا تعني أبدا حتميةَ التسليمِ العَدَميّ بهامشية الدولة وارتهانها لقوى النظام السياسي الإقليمي. بل إنه بإمكان هذه الحقيقة، على عكس ترجماتها الكارثية على مر العقود، منذ الحرب الأهلية (1975-1989) وإلى يومنا هذا، أن تشكل النواةَ الصلبة لإعادةِ نظرٍ شاملة في تَمَوقُع لبنان ودوره السياسي.

لذلك، ومع علمي المسبق بأن كلامي قد يُؤخذ على محمل التنظير اليوتوبي، أدعو الحزب إلى العمل على مراجعة ذاتية جريئة لطبيعة نشاطه الإقليمي، لا لأجل نزع سلاحه، كما يطالب بعض اللبنانيين، بل بهدف البحث الجدّي في إمكانية تطبيق سياسة "النأي بالنفس"، فعلا لا قولا، عن صراعات المنطقة. فلأنني، وبعكس النقد الشائع، أرى أن هذه السياسةً صائبةٌ من حيث محاكاتها للخصوصيتين الآنف ذكرهما، أريد أن أحاجج أن الأزمة السياسية والاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد تستلزم من قادة الحزب، ومن موقع المسؤولية الوطنية، أن يبادروا إلى مفاتحة شركائهم الإيرانيين بضرورة الملاءمة بين مصالحهم الاستراتيجية من جهة وبين متطلبات الحفاظ على الأمن والإستقرار من جهة أخرى، حيث ينبغي معالجة التضاد البنيوي المتنامي بين الميول الليبرالية التاريخية للكيان اللبناني والممارسات التوتاليتارية المتزايدة للحزب. قد يعني هذا الأمر، من جملة ما يعنيه، الحاجة المُلحَّة إلى الدمج بين القوتين الصلبة، أي العسكرية، والناعمة، أي الدبلوماسية، عبر الإستعانة بتجارب تلك الدول التي نجحت بفضل سياساتها الخارجية، وإن لم يكن نجاحا كاملا، في التحَوُّل من "بريد إقليمي" تابع، منزوع السيادة، إلى محطة "حياد إيجابي" تقفُ على مسافة واحدة من كل القوى الإقليمية، التي بدورها تحترم سيادتها وتقر بصوتها ووساطتها في القضايا العالقة.

عربيا، أذكر من هذه الدول الكويت، والتي برزت قوًّتُها الناعمة مؤخرا في القدرة على تحييد نفسها عن تداعيات الحصار الإماراتي-السعودي المفروض على قطر، حيث لعبت ولا تزال دورا مهما، وإن لم يُكتب له السداد حتى الآن، في الحد من شدة التناقض بين رؤى وأولويات الأطراف المتنازعة. أذكر كذلك سلطنة عُمان، والتي لطالما شكَّلت قوَّتُها الناعمة، المتأتية من القدرة على تسخير التاريخ والجغرافيا معا لخدمة أهداف الأمن القومي، أساسا متينا اتكأت عليه دول مثل إيران والولايات المتحدة للتوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة، كالإتفاق النووي عام 2015، مع العلم بأن فرص الإحتفاظ بهذه القوة بدأت تتضاءل مع ازدياد تحديات السلطنة داخليا وخارجيا (خالد، 2020). تخلُصُ العديد من الدراسات الأكاديمية المتوفرة حول هذين النموذجين المرجعيين بالتحديد، الكويتي والعُماني، إلى أن إيران تعترف بالفعل بجدوى المفاوضات والحوار الدبلوماسي، فهي تدرك جيّدا أن أهدافها بعيدة المدى -بغض النظر عن أسئلة الأخلاق السياسية وعما إذا كان المجتمع الدولي يقر أو لا يقر بشرعية هذه الأهداف- لن تتحقق بالإعتماد حصرا على الخيارات العسكرية.

فلماذا إذا، والحال كذلك، لا تُصَدِّر إيران، عبر "حزب الله"، تجربةَ النعومةِ هذه، نعومة الوساطات بدل خشونة ودموية التصادمات، إلى لبنان؟ ألا يستحق هذا البلِد، حرصا على أبنائه، وفي مُقَدِّمَتِهم جمهور الحزب، أن يكون أكثر من مجرّد ساحة تجاذبات؟ ألا يستحق منا جميعا، نحن اللبنانيين، أن نحوِّلَه، مثلا، إلى سلطنة عمان ثانية في المنطقة؟ ولكن السؤال الحقيقي، كما أراه، ليس سؤالَ نيةٍ أو رغبة. أخشى ما أخشاه أنه في خضم ما نشهده اليوم من انهيارات متتالية ومتسارعة للجمهورية اللبنانية الثانية (1989-2019)، جمهورية "السياسة بالتراضي" والإدارة الزبائنية للاقتصاد والمجتمع، لن يكون هناك خيارٌ آخر أمام الحزب سوى تحويل فائض القوة الطائفي لديه إلى قوة ناعمة. إما أن يقبل هذا التحدي، مهما كانت الصعوبات، أو فليُواجِه، وحيدا، سخطَ الثوابتِ الجيو-استراتيجية عليه، القادم لا محالة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة