لعبة "الهابي ميل" التي لم تعجب أطفال أفغانستان

تمثل اللعبة التي تعطى للأطفال مع الـ Happy meal، وجها من وجوه العولمة في أبسط صورها وأكثرها حميمية وبراءة، في حين تمثل سلسلة مطاعم ماكدونالدز الشهيرة رمزاً صارخا من رموز العولمة الأمريكية وطغيانها وتجذرها في كافة مناحي حياتنا حتى أضحت تلك العولمة أمرا بديهيا ومستساغا وطبيعيا لا يُلتفت إليه أصلا، تمثل لعبة الأطفال أيضا الكيفية التي تتغلغل بها العولمة في حياتنا من المهد إلى اللحد، إذا ما أخذنا بالاعتبار أننا نسمي العولمة بألطف أسمائها والتي قد تعطيها معنى إيجابياً، في حين يفضل البعض تسميتها بالإمبريالية وبالغزو الثقافي واختراق الهوية الثقافية، تلك الهوية التي أضحت بالية ممزقة لا ينفع معها ترقيع ولا إصلاح.

 

تعاني مجتمعاتنا بالترافق مع تلك الإشكالية التي تعاني منها أغلب شعوب العالم من غير الأمريكان ومن تبعهم بإحسان، من أزمة الهوية في عصر ما بعد الحداثة، وما يترافق مع تلك الإشكالية من صعوبة الإجابة على سؤال من نحن؟ ومن هم؟ فالجميع يشبه الجميع إلا شذر يسير من بقايا اختلاف وتمايز وخصوصية ثقافية، ناهيك عن الفروق الواهية والمصطنعة بين الشعب الواحد، فالدولة القُطرية ذات الحدود المرسومة باليد، خلقت ضرورة لتعدد الهويات، وأصبحنا نواجه صعوبة في تعريف ذواتنا وتحديد الهوية ذاتها، ذلك المفهوم المعقد وغير المتفق عليه.

 

إن الثمن الذي ندفعه نظير اللعبة المجانية أو القهوة الأمريكية التي نرشفها في كوب ورقي أكبر مما نتصور، فبالرغم من بساطة تلك المنتجات وتعودنا عليها، وأهميتها في حياتنا بجانب الإيجابيات التي قد نجنيها منها، إلا أن خلف الستار ما هو أشد وأنكى. فلو أن الطفل رفض أخذ اللعبة لتحول المهرج الوديع في المطعم إلى سفاح متسلسل يقضي على ضحاياه واحداً تلو الآخر كما تصوره الأفلام الهوليودية.

 

تعطينا حادثة الصلح بين أمريكا وحركة طالبان دروساً وعبرا في الصمود والقوة والاعتزاز بالنفس وبالثقافة، وبالحفاظ على الثوابت

لقد رفض الأفغان متمثلين في حركة طالبان اللعبة الأمريكية، ما حوّل المهرج الوديع والمضحك إلى وحش ضاري خاض حربا استمرت قرابة التسعة عشر عاماً، يطارد سرابا في كهوف تورا بورا، وبعد كل ما خلفته تلك الحرب من ويلات ومآسي، وأمام صمود وصلابة الأفغان رضخ القوي والمسيطر ووافق على الجلوس على طاولة الحوار نداً لند مع الحركة التي كان ينعتها بالتطرف والإرهاب. وتخلى عن التبشير بالديمقراطية الأمريكية ونشرها في كافة أقطار العالم وفق المقاس الأمريكي، فالمقاس واحد أما أن تلبسه وتبدو كالمهرج في ثياب فضفاضة، وقد يصدف أن يناسبك المقاس وتظهر بالمظهر الحضاري المتقدم.. أو أن تستعد لحرب ضروس لا تبقي ولا تذر.

 

تعطينا حادثة الصلح بين أمريكا وحركة طالبان دروساً وعبرا في الصمود والقوة والاعتزاز بالنفس وبالثقافة، وبالحفاظ على الثوابت، بالرغم من عدم الاتفاق على تلك الثوابت إلا أن التمسك بالحد الأدنى من المتفق عليه من الثوابت أمر في غاية الأهمية، في حين أن الصلح يكشف من جهة أخرى بعض الأساطير المتعلقة بالقوة الأمريكية التي ليس لها مثيل، ناسين أو متناسين أن الأيام دول، في كل الأحوال فإنه لا يمكننا إسقاط التجربة الأفغانية على واقعنا المعاش، ولا التجربة الصينية كذلك والتي رفضت هي الأخرى اللعبة الأمريكية، ومع ذلك وبالرغم مما يواجه الصين حاليا من تفشي لفيروس كورونا، إلا انها لم تغفل التنديد بالتدخل الأمريكي في شؤونها الداخلية. التدخل الذي لم يعرف قيمة تقرير المصير إلا في هونكونغ وضواحيها!

 

إن الوعي هو اللبنة الأولى في طريق النجاة، فالوعي بواقعنا وما نواجهه من تحديات تهدد كياننا كفيل بزرع بذرة المعرفة، التي يعد وجودها أساسا لكل تغيير، فالفهم ولو بشكل بسيط لما يدور حولنا، وعدم الانسياق والتصديق والانبهار بعروض خفة اليد والفانتازيا التي يمارسها الغرب علينا، وان ندرك ان ماهي إلا أضغاث أحلام وزيف ومتاع الغرور، لو تأملنا الواقع لوجدنا أن ما يمارس علينا عبر وسائل الإعلام والإعلان والترويج والتسويق جعل منا وبإرادتنا شعوبا مسلوبة الإرادة، وحتى نظرية المؤامرة والترويج لهذا المصطلح، قد يكون جزءا من المؤامرة هو الآخر.

 

أصبحنا اليوم كمن يعاني من متلازمة ستوكهولم ندافع ونذود عمّن يمارس علينا التعذيب المعنوي ويحط من ثقافتنا ويحاول صهرنا في بوتقة الزيف والبهرجة والسوق الحرة، ولم نعد ندرك أن النمط الاستهلاكي المبذر والمبتذل ليس نمطاً قياسياً، معتقدين أنه أمر طبيعي في حياتنا، وأن الواقع المعاش حتمي الحدوث، وأن اللعبة المجانية، مجانية بالكامل!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة