كفاك خضوعا أيتها الأنثى

BLOGS مرأة

لا عجب أن نعترف بشكل نسبي أن المرأة وسط مجتمعنا المغربي لا يتم التعامل معها انطلاقا من إنسانيتها، ولعلها من منظور هذا المجتمع أقل دائما من الرجل، والأسوأ من ذلك أن تجد بعض الإناث يعتنقن هذه النظرة، مما يجعل قضية مساواتها مع الرجل بين قوسين، لا هي إنسان يمارس إنسانيته بحرية ومسؤولية، ولا هي أدركت أنه حان الوقت لكي تستفيق من غيبوبتها، اللهم بعض النساء اللواتي استفقن من هذا السبات، وفي انتظار استفاقة جماعية يُعجّل بها هذا العصر، لا تزال الأغلبية الساحقة تؤمن أن مكانها الطبيعي هو المنزل، وأنها وُجدت لخدمة الرجل، من العيب أن يكون وضع المرأة في المجتمعات المتخلفة مثيرا للشفقة إلى هذا الحد، لم يكن من الحكمة أن تكون مكانة المرأة أقل من الرجل، وإذا كان هناك استثناءات فرضن وجودهن وإنسانيتهن بكل ما ملكن من إرادة، فإن الأغلبية منهن لا يزلن حبيسات أفكار متوارثة، وهي الأفكار التي تطرح العديد من الإشكالات في كل مرة نُقرر فيها بشكل مخجل أن نحتفل بالمرأة.

 

لابد أن النظرة إلى المرأة – ليس في المغرب فحسب، بل في جل المجتمعات المتخلفة – لا تجعل من المرأة كائنا متساويا مع الرجل، إنها دائما أقل منه، وغالبا ينبغي أن تخضع له، وإذا كان الدين قد ترك جزء من هذا الانطباع، ودفع بالمرأة لكي تشعر بوجود غير مكتمل إلا في حضرة رجل يأمنها ويمتلكها، فإن الثقافة المجتمعية سايرت هذا الأفكار، وباتت تتعامل مع المرأة على أنها تحتاج دوما لرجل يسعفهما ويُشعرها بالآمان، هذه النظرة التي تظل في أساسها غير سليمة ولا تليق بما حققته المرأة من إنجازات، وهذا الأمر يبرز أن كل من اعتنق هذه الفكرة كان مخطئا إلى حد كبير، ذلك أن المرأة تمكنت من الانفلات من كل ما يقلل من شأنها، واستطاعت أن تحقق ذاتها وأن تكتفي بنفسها بعيدا عن الرجل، وصارت تُضاهي الرجل حتى في المجالات التي ظل العالم يتمثل أنها حكر على الرجال فقط.

 

الاحتفال هو احتفال بالمرأة واحتفال لها ومن أجلها، لكن ذلك لا يكفي إذا لم نؤسس له انطلاقا من عقلياتنا، حتى نُغير من نظرتنا إلى المرأة، ومن أجل أن تصير نظرتنا أكثر إيجابية تؤمن بالمرأة وتحترمها وتُقدرها

من المؤسف أن تختزل الأنثى جزء كبيرا من أحلامها في الزواج، وإذا كان هذا هو حال الأغلبية من الإناث اللواتي دفعهن الواقع والمجتمع للخضوع لأفكار متوارثة تُقلّل من شأن المرأة وتجعل مداركها العقلية غير ناضجة، فإن هذا الأمر يختزل طموحات المرأة في الزواج، بمبرر أنها لا تقدر على تأمين مستقبلها، كما أن مكانها لا ينفك يكون غير ذي أهمية بمقارنتها مع الرجل، أما إذا استثنينا القلة القليلة من الإناث اللواتي حققن ذواتهن وطموحاتهن كما ينبغي دون الحاجة للرجل، فإن طموح الغالبية منهن يتمثل في الحصول على رجل يلبي احتياجاتهن العاطفية والمادية، وليس عيبا أن يسعى المرء للحصول على شريك ملائم يتشارك معه حياته العاطفية، لكن أن يصير ذلك بمثابة حلم أو طموح فإن ذلك يؤكد على أن ثقافة مجتمعنا تدفع بالمرأة إلى الهامش، وأن العقليات اللواتي يفكرن بهذا المنطق انتهت مدة صلاحيتهن.

 

الهامش لا يليق بك أيتها الأنثى، إلا عندما تختارينه وتستلمي لكل ما يدفعك إليه، وتخضعي لكل ما يجعل منك أقل مما تقدرين عليه، وكل ما يجعل من دورك في الحكاية ثانويا، والحق أنك أنت من يقرر ما يريد، لكن بمجرد ما تتنازلي عن ذلك، لصالح أي كان ولأي سبب كان، فإنك تحكمين على نفسك بالهامش، وتجعلين دورك فرعيا، مهما كانت الظروف التي تدفعك إلى الهامش، ومهما انتشرت الأفكار التي لا تؤمن بك، وكيفما كانت الثقافة التي تبخس من قيمتك، لا تكترثي لكل ذلك، ولا تستسلمي أبدا، وحاولي بكل ما ملكت من إرادة ورغبة في التحرر أن تصنعي من نفسك ما تشائين، وأن تخلقي بقدراتك شخصية تناسب طموحك وشغفك.

 

هذا الاحتفال بعيد المرأة، بقدر ما هو تذكير واحتفاء بالمرأة، بقدر ما يرسخ بشكل غير مباشر نظرة تمييزية ضد المرأة، ذلك أن تخصيص يوم للمرأة دون فعل نفس الشيء بالنسبة للرجل يؤكد من الناحية الإيجابية أن هذا الاحتفال قد يبدو بمثابة إنصاف لها، لكن ما دام ذلك أبعد من أن نلمسه في سلوك المجتمع، فمهما تعددت الاحتفالات، وكيفما كان هذا الإنصاف فإن موقع المرأة يظل أقل من الرجل، لأن الاحتفال بالأساس يتأسس في العقل، ومن خلاله سيصير بمثابة سلوك يدفعنا لنتعامل مع الأنثى كإنسان.

 

لعل هذا الاحتفال هو احتفال بالمرأة واحتفال لها ومن أجلها، لكن ذلك لا يكفي إذا لم نؤسس له انطلاقا من عقلياتنا، حتى نُغير من نظرتنا إلى المرأة، ومن أجل أن تصير نظرتنا أكثر إيجابية تؤمن بالمرأة وتحترمها وتُقدرها، ووسط المجتمعات الذكورية تصير مثل هذه الأمور بمثابة حلم أبعد من التحقيق، وتصير الاحتفالات خالية من المعنى، لأن كل ما نشيده من أجل المرأة ليس له أي معنى إذا لم نقدر على أن نتعامل مع المرأة كإنسان، وأن نستبدل النظرة الشبقية إلى جسدها بنظرة يحكمها العقل ومحكومة بالاحترام والتقدير.



حول هذه القصة

blogs مرأة

الغالبية الساحقة تعمل وفق النظام الوظيفي العبودي، وإذا اشتركت في فعل شيء ما ستسعى جاهدة لطمأنة نفسها من خلال اعتبار أن ماهي عليه هو الصواب وكل دعوى تخالفه فهي الضلال.

blogs مرأة

نحاول جاهدين مطابقة تصورات المجتمع وأن نحقق رؤية الفتاة اللطيفة، تلك التي لا تعترض، تتكلم بصوت منخفض، تلتزم الصمت عن حديث الرجال ولا تمتهن سوى المهن التي تحافظ على انوثتها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة