في نهاية المطاف.. ستَغلب نيتك الصافية‎

لكل عاقل مختار قصد معين وراء أقواله وأفعاله وكل ما يصدر منه، بمعنى أن ما نقوم به في مختلف مجالات الحياة يكون لغرض ما؛ قد يكون ظاهرا للعيان في تصرفات جوارحنا أو خفيا عنهم لضموره في سرائرنا، وهذا الأمر بالذات مسؤول فعلي عن ما نلقاه في حياتنا من خير وشر، فكما أن لجوارحنا الظاهرة أعمال، فكذلك لدواخلنا أعمال؛ أهمها النية، والتي يراد بها الغرض الخفي من القول أو القصد المستبطن من الفعل، أي أن النية أمر باطني أو قلبي إلا أن لها آثار ملموسة خارجيا سواء كانت آنية أو تتطلب مهلة زمنية لتطفو على السلوك، والبشر يتصرفون وفق ما يحملونه من نوايا، منها ما يكون صافيا دالا على صدق القول وحسن العمل ورقي الأخلاق، ومنها ما يكون ملوثا معبرا عن تلطخ القلب بالنفاق وفساد ما يصدر من النفس.

  

ولا شك في أن الحديث عن النية بصفة عامة يطول إن لم نخصصه، لذلك سيقتصر القول في هذه المناسبة على النية الصافية بهدف إيضاح ما يمكن أن يترتب عليها، وكذا إظهار مكامن غلبتها، على اعتبارها قوة نابعة من نقاء الداخل، وأثرا جميلا للتربية القائمة على كثير من الفضائل والقيم النبيلة. ويجدر بنا أن نشير إلى أن النية الصافية هي أساس الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة والأقوال الصادقة، وهي قوة هامة للوصول إلى النجاح بشرف وعزة، وترجمة الخطط بلا لف ودوران، وتحقيق الأهداف المنشودة من دون استخدام طرق التحايل الملتوية، وتحويل الرغبات إلى أعمال ملموسة وإنجازات محققة بعيدا عن المحاباة والتملق لأي كان، فصاحب النية الصافية مبرمج في تعاملاته على التصرف بصدق وأمانة وإخلاص بغض النظر عن عواقب ذلك.

   

من المستحيل أن يكون البشر على وتيرة واحدة ووفق نفس الشاكلة؛ فمنهم الطيب ومنهم السيء، لهذا نجد أن صاحب النية الصافية يعيش في هذه الحياة بمنطق‏: عامل الناس جميعا بالصدق قلبا وقالبا؛ سواء كانوا من الذين يستحقون تلك المعاملة أو كانوا ممن ليسوا أهلا للتعامل معهم بشفافية تامة، ويظل كذلك رغم كثرة الذين يظهرون له عكس ما تخفيه نواياهم؛ فتجدهم مثلا: يتصنعون بإظهارهم الجانب الإيجابي، لكن في باطنهم نقيض ذلك حيث أنهم لا يتوانون ولو للحظة حين تتاح لهم الفرصة لطعنه بكل قوة، أي أنهم يظهرون له الخير وهم يتصيدون له الشر، ويحملون في قلوبهم غلا ويحقدون عليه، لا لشيء إلا لأن جوهرهم الخبيث يأبى التعايش مع نقاء صاحب النية الصافية.

 

أنت الغالب بنيتك الصافية إن طال الزمن أو قصر، فعالم النواميس الكونية الذي وضعه الله عز في علاه محكم جدا، فمن حرص على صفاء نيته رزق من الخير فوق ما يتمنى

هناك عدة مغالطات سائدة تحتاج للتصحيح، كاعتبار صفاء النية ضعفا، والحامل لها ساذجا وعلى شفا جرف البلادة، أو كاد أن يكون مغفلا بالفعل! فالأمر ليس كذلك، لأنه ثمة خيط رفيع بين النية الصافية والسذاجة، فالأولى تعني نقاء الجوهر والتصرف بشفافية، أما السذاجة فإنها تشير إلى الغباء والوقوع صيدا سهلا للخداع والمكر، وأن تكون صاحب نية صافية يعني أنك تحمل مبدأ إنسانيا راقيا تترفع به عن التمويه والخداع، فبنيتك الصافية تعطي الناس من بين يديها لا من خلفها، وتعامل الناس بنزاهة معاملة طيبة وإن قابلها السوء ستظل تتصرف بالمسامحة لا بالمقايضة، وهذا درب الأفاضل الذين لا تجد بين داخلهم وخارجهم أي تباين، ولن يكون عطاؤك في هذه الحياة خالص وفق مراد الله من دون صفاء النية، ولتعلم أن قوتك الحقيقية تكمن في مطابقة نقاء ما تخبئه في عمقك مع ما تظهره على سطحك.

  

فمهما كان داخلك شفافا إلا أن هناك من لا يرون سوى الغبش وما تدنس ولم يعد طاهرا ويتغاضون عن كل ما هو نقي، لهذا تجدهم لا يستوعبون النية الصافية أبدا، وإن اقتربت من القداسة فإنك ستجد ثمة من يصنع لك قرون الشيطان، وخير مثال على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أصفى الناس نية إلا أنه تعرض لأبشع صنوف الإيذاء، فسلامة القول والفعل النابع من الداخل دون تجمل أو مبالغة مصدر لمضايقة وإساءة الآخرين؛ من خلال أقوالهم التي يتفوهون بها أو أفعالهم التي يقمون بها والتي من شأنها أن تسبب تلك الشرور. ثمة نقط أكثر عمقا تتعلق بالنية الصافية؛ بحيث أنه لا يكتمل إدراكها إلا بسمو المرء على الغرض الشخصي المادي الذي يشكل جزءا غريزيا منه، ولا ترتبط بالجانب التعبدي فقط بل تشمل ميادين الحياة كلها، والنية الصافية لا يمكن أن تتحول إلى منظومة قيم حاكمة من دون ما أن تكون ملاصقة لكل تصرف مهما كبر أو صغر، وهذه النية عندما تأخد مكانا عاليا في فضاء حياتنا اليومي تكون لها الغلبة التامة.

 

أنت الغالب بنيتك الصافية إن طال الزمن أو قصر، فعالم النواميس الكونية الذي وضعه الله عز في علاه محكم جدا، فمن حرص على صفاء نيته رزق من الخير فوق ما يتمنى؛ بصيانة داخله بشكل دوري، وتفقد جوهره باستمرار، وحماية قلبه من كل ما يمكن أن يفسده، فبنيتك الصافية في تعاملك مع الناس لن يضيعك الله أبدا، حتى ولو ابتليت في بداية الأمر ببعض المنغصات، إذ سيجعل الله مآلك السلامة حتما من كل مكروه وسوء، وسوف يظهر الحق ويعلي قدرك في أعين الخلق. نجد في كثير من قصص النجاح الرائعة والعطاء الإنساني المتميز أن للنية الصافية التي لا تغيب أبدا مهما كانت الظروف والمتغيرات والإغراءات دور بارز، بل وتكون من أهم مقومات وأسرار الإنجاز الناجح والمتميز، وتكمن غلبة النية الصافية في تسهيل الكثير من الأشياء وتجاوز العديد من العقبات، فتجد أن الذين يرزقون السعادة الحقة بالأساس هم من أصحاب النوايا الصافية، فلها الفضل الكبير في نجاحهم على مستويات مختلفة، ومن هنا نريد القول بأن للنية الصافية طاقة مؤثرة في عالمنا الخاص ومحيطنا العام.

 

صاحب النية الصافية لا يثبطه ولا يكبحه ما يتعرض له من سوء، بل إن ذلك مما يسهم في دفع عجلة الإنجاز عنده إلى أفضل المواقع وأعلى المنازل، حيث تصير نيته الصافية فكرة عملية مركزية حاكمة لسلوكه ومسيطرة على عقله وصناعة قراره، مما يزيد من توفيق جهوده وتسخير العناصر البشرية والطبيعية لخدمته وتقديم العون له، فيسهل عليه تجاوز التحديات والصعوبات، بل وأكثر من ذلك فهي تهيئ له الفرص وتمكنه مما يطمح إليه ويبتغيه بنزاهة ومصداقية. وتظل النية الصافية ذات شفافية جميلة وإن لقي الفرد الكثير من الأذى في البداية جراء تمسكه بها، فإنها لا تجر معها في الأخير إلا الخير، فكن كما أنت بصفاء نيتك وطهارة جوهرك، وإياك أن تتأثر سلبا بما يصيبك من شر في بادئ الأمر، ففي نهاية المطاف على صفاء نيتك تنل، وترتب لشخصك أجمل الأقدار، وتسخر لك أطيب الأحداث، وتزرع الورد في دروبك، وتصنع الأفراح في أيامك، فكم من أبواب عظيمة فتحت بمفتاح النية الصافية، وكم من إنسان رُزق بفضلها أكثر مما يرجوه، لهذا كن على يقين بأنك تملك كنزا لا يقدر بثمن؛ فالنية الصافية لا يمكن شراؤها، ولا تستطيع أن تنبع إلا من القلوب الطاهرة فقط.

    

في النهاية يجب الإشارة إلى أنه بالإضافة لكون صفاء نيتك جلابة للخير، فأنت أيضا مأجور ومثاب عليها، وعلى قدر صفاء النوايا تكون العطايا، لذا ضع نيتك الصافية أساس أقوالك وأفعالك، وسيتولى الله كل أمرك وسيرضيك حتما، ويمنحك أكثر مما كنت تتمناه، وتمسك بأصحاب النوايا الصافية لأنهم عملة نادرة، فالعالم مكتظ بأهل النوايا السيئة التي تمتلئ بالنفاق والزيف، الذين تكون لهم خلفيات خبيثة وراء كل تصرف، ودع الأمر للمواقف فهي كفيلة بأن توضح لك أقوال وأفعال ومشاعر الآخرين تجاهك، وستدرك ولو بعد حين بأنه ليس كل قريب يتعامل معك بصدق، وليس كل كلام منمق يقال لك صادق من القلب، وليس كل من تصرف بالطيبة معك فهو يعبر على نصاعة نيته.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة