هل يكره العرب أوطانهم؟

بيدان ترتعشان من البرد، أمسك بالشريط الشائك وحاول تمزيقه غير آبه للدماء بين أصابعه، فلم تعد آلام الجسد تجدي أمام آلام أرواح تبحث عن الحياة. أبعد الشريط عن طريقه ليمر نحو اليونان، استقبلته في أولى خطواته نحو أوروبا قنبلة الغاز والأسلحة الرشاشة رافضة وجوده. "إما العودة أو الموت" رسالة واضحة من حرس الحدود اليونانية، ولكن لا تتحدى من خسر كل شيء، فحتى الموت لا يهابه، فالاجىء اليوم يخاطر بروحه من أجل "فرصة"، هي فرصة تفصله بين الحياة والموت.

هو "مسلسل الهجرة" مسلسل طويل بدأ مع بداية الإنسانية، ولن ينتهي طالما يوجد بشر على هذه الأرض.. ولكن دعونا نطلق لخيالنا العنان لثواني فقط.. ماذا لو اختفى خفر السواحل؟ سقطت الشرائط الشائكة وتهدمت الجدران الفاصلة، ماذا لو ألغيت الحدود بين جميع الدول واختفى حرس الحدود من الوجود؟ ولكي يكتمل المشهد لم نعد نحتاج إلى جواز سفر وتأشيرة، ولا حتى أوراقا ولا تذكرة سفر، ماذا لو حصل هذا فعلا؟ في هذا العالم المشبع بالحرمان الطواق إلى الأمن والأمان!

في مشهد سريالي عجيب سنرى شوارع بغداد تسكنها الطيور مع بقايا أوراق أشجار السرو في الشوارع، ويصفر الهواء بين أزقة الموصل إنها تماما كمدينة أشباح.. ويصدح صوت فيروز في دمشق القديمة ولكن من دون مستمعين ويسير نهر بردى في اقنيته باحثا عن أي أثر للبشر ولكن دون جدوى، أما في لبنان ستسطع الشمس على الجبال والسهول وحيدة. وكما اعتاد اللبنانيون القول ساخرين "لو فتحت أبواب الهجرة لن تجد حتى تمثال رياض الصلح صامدا في بيروت".. وفي مصر حكاية أخرى يرويها النيل خالياً من عشاقه هو صامد مع كهوله، الذين يناجون أبناءً قد رحلوا بلا عودة. فلا زحمة على المحور ولا الدائري، لقد باتت مصر اليوم فارغة من أبنائها تشتكي وحدتها.

الهجرة هي أقرب للعقيدة، فيها تضحية، وفداء، وكفاح، وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة. إنه لولا الهجرة لم تكن المدينة، ولولا المدينة لم تكن دمشق، ولولا دمشق لم تكن بغداد ولا قرطبة

المشهد يتكرر في اليمن وفلسطين وحتى المغرب العربي، الجميع دون استثناء سوف يفترشون حديقة برج إيفل ويتكدسون أمام الساحة المركزية في بروكسل. سوف يقفون أمام قصر الحمراء في غرناطة تائهين حالمين، وسيلتقطون الصور أمام كتدرائية نوتردام وكتدرائية ميلانو الإيطالية مندهشين، أتخيل شوارع لندن تعج ببائعي الترمس والبطاطا المشوية والذرة، وربما يحاول البعض الدخول إلى قلعة هايدلبرغ الألمانية للنظر إليها والاستمتاع، "لم نكن نعيش على الأرض إنه العالم الآخر" سوف يردد البعض. وربما يصل أناس إلى ما وراء البحار والجبال نحو نيوزيلاندا وأستراليا وأمريكا. سيصنعون قواربهم، وقوافلهم حاملين بقايا طعام والكثير من الأحلام والفرح.

إنه الواقع الذي سيحصل فعلاً دون مبالغة، فمن منا لا يحلم بفرصة للخروج من بلاد العذاب والحروب؟ ويسأل بعض الأجانب لماذا لا تحبون بلدانكم؟ لماذا تحقدون عليها! هل فعلاً بتنا اليوم نكره بلداننا العربية؟ ربما كرهناها عندما لم نجد عملاً بعد التخرج! وشهدنا أبناء رؤساء يتقلدون المراكز. كرهنا فسادا ألمّ بنا، عدلاً مفقوداً، وكرامةً ضائعةً، وأحلاماً ميتة والكثير من اليأس.. ولكن هل كل من غادر بلاده اليوم يكرهها فعلاً؟ يرحل الحبيب عن محبوبته أحياناً مضطراً مغلوباً على أمره بعد أن تكالبت عليه الدنيا وأهلكته!

يختصر البعض الجواب بقول "كل أرض أكرمتك وطن وكل وطن أهانك هو غربة"، رغبة الأكثرية الساحقة منا بالرحيل هي حاجة إنسانية طبيعية لا تنبع عن كراهية وطن ولا عن خيانة. هذا ما أكده "ماسلو" ففي نظرة سريعة إلى هرم الاحتياجات الإنسانية الذي وضعه ماسلو سنة 1948م، نرى أولا: حاجات فيسيولوجية مثل الأكل والشرب والزواج، ثانياً: الحاجة إلى السلامة والأمان، ثالثاً: الحاجة إلى الحب والانتماء، إلى أسرة وصداقات، رابعاً: الحاجة إلى الاحترام والتقدير، والحصول على مكانة اجتماعية، خامساً: الحاجة إلى إدراك وتحقيق الذات من عملٍ وأهداف.

إذا تمعنا بهذه الاحتياجات الأساسية للإنسان، نلاحظ أنها غير متوفرة في معظم الدول العربية. ربما لو كان "ماسلو" على قيد الحياة لخرج بنظريات تبرر موجة الهجرة وتشرعنها، وربما انتقد حرس الحدود اليونانية وأثبت أنهم أبناء مهاجرين أيضاً. في ظل وجود دول تنعدم فيها هذه الاحتياجات ويسودها الظلم والفقر، تبقى الهجرة سلوكاً طبيعياً لم ولن ينتهي، فالتاريخ البشري حافل بحملات الهجرة حتى الديانات انتشرت مع الهجرة. جميع الأنبياء أحبوا أوطانهم ولكن شاء القدر أن يغادروها عندما جاء أمر الله، فسيدنا موسى عليه السلام هاجر من مصر ومن معه هربا من فرعون إلى فلسطين. واجه البحر فانشق له بامر الله وأغرق فرعون. كما هاجر سيدنا عيسى إلى مصر فرارًا من بطش الرومان.

وأخيراً سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هاجر من محبوبته مكة إلى المدينة فراراً من قريش. الجميع كان مهاجراً ولا عيب ولا خجل، إن المسلمين اعتبروا الهجرة بداية تاريخهم في الحياة.. فالله خلق هذه الارض للبشر والملك لله وحده، وربما كان جدودنا مهاجرين أيضاً، سوف نعاود لقاء البحر في كل عصر، وسوف نحل ببلد جديد وحقوق وأمل وأحلام نركض خلفها. يخاطر الجميع بحياتهم لأجل الهجرة فليس الوطن ما نكره بل نبحث عن عيشة إنسانية وأرض آمنة سليمة. لقد عجزت بلداننا اليوم عن تقديم احتياجاتنا الأساسية فكيف نبقى؟ إنه ضرب من الجنون كيف لي أن أحبس نفسي في قمقم وأقول هذا قدري؟ حتى وإن غادرت أرض الوطن سوف تبقى دمشق الياسمين، ويبقى عراق الحضارة ولبنان الجمال ولعل القدر يحملنا إلى أرضنا من جديد أو نختار أرض احبتنا مثلما أحبت المدينة رسولنا الكريم، وأحب ابراهيم فلسطين بعد أن غادر بلاد الرافدين هاربا من النمرود، نعم نحن نحب أوطاننا، جمال حضارتنا، وكل زقاق ومبنى وشجرة، ولكن شاء الرحيل أن يبعدنا لنزرع أحلاماً جديدةً، ووطناً جديداً،ع لنعيش ونكبر.

الهجرة هي أقرب للعقيدة، فيها تضحية، وفداء، وكفاح، وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة. إنه لولا الهجرة لم تكن المدينة، ولولا المدينة لم تكن دمشق، ولولا دمشق لم تكن بغداد ولا قرطبة، ولولا قرطبة وطليطلة لم تكن باريس ولا لندن ولا نيويورك؛ يقول البعض.. زمن المبادئ مضى، وهذا زمن الهجرة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة