لماذا تستمر الصواريخ الفضائية الإيرانية بالسقوط؟

BLOGS صوواريخ فضاء

مساء يوم الأحد ٩ فبراير /شباط ٢٠٢٠، أعلنت إيران عن أن قمرها الصناعي ظفر "لم يصل للسرعة المحددة التي تمكنه من الاستقرار في المدار المخصص له حول الأرض"، وذلك بعد إتمام عملية إطلاقه بنجاح. وحقيقة الأمر هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها إيران عن فشلها في إيصال أقمارها الصناعية لمداراتها المخصصة حول الأرض، ففي وقت سابق في ١٦ يناير /كانون الثاني من عام ٢٠١٩، أعلنت إيران أيضاً عن فشلها في إيصال القمر الصناعي بيام المحمول على صاروخ سيمرغ للمدار المخصص له، وتوقف الدافع في مرحلته الثالثة ( قبل ٣٠ ثانية من الوقت المحدد).

الفشل الأخير يعتبر الحالة الرابعة من سلسلة إخفاقات البرنامج الفضائي الإيراني في إيصال قمر صناعي نحو الفضاء. في ثلاث حالات سابقة تم إطلاق الصاروخ بنجاح لكنه فشل في الوصول للمدار المخصص، وفي حالة واحدة انفجر الصاروخ الفضائي على منصة الإطلاق خلال مراحل التحضير الأولية. النقطة المهمة هي أنه بغض النظر عن الدعايات الواسعة التي يروج لها النظام الإيراني قبل وبعد إطلاق أي صاروخ فضائي، إلا أن جميع حالات الإطلاق الناجحة (الحالات الثلاث السابقة) كان الدافع الصاروخي يتوقف في مرحلته الثالثة ( قبل ٣٠ ثانية من الوقت المحدد)، الأمر الذي يثير الشكوك حول ما يتحدث عنه المسؤولون الإيرانيون عن حدوث "عطل فني"، أو "إخفاق تقليدي للتجربة الصاروخية".

لذلك سيكون من المهم أن ننظر إلى البرنامج الفضائي الإيراني والبرنامج الصواريخ الإيراني جنباً إلى جنب، لأن كلا البرنامجين كان له عملية تطور وتقدم مختلفة. الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة عين العرب الأمريكية في العراق كان هجوماً مقعداً، حيث تم خلاله استخدام صواريخ دقيقة نسبياً، في حين شهد البرنامج الفضائي الإيراني سلسلة من الإنجازات الموفقة في عمليات الإطلاق الأولية، والفشل النهائي في إيصال القمر الصناعي لمداره المحدد.

السمات المشتركة للصواريخ البالستية الإيرانية:
النظام الإيراني لن يتوانى عن التباهي أمام العالم بإيصال أقماره الصناعية إلى الفضاء، إلا أن سلسلة الاخفاقات المتتالية لبرنامجه الفضائي شكلت نجاحاً نسبياً من وجهة نظر فنية، الأمر الذي سيزيد من خبرات الحرس الثوري الإيراني في تطوير تقنيات الصواريخ بعيدة المدى

سعت إيران خلال الأعوام الماضية لفصل أسماء الصواريخ العسكرية الإيرانية، مثل ( شهاب، ذو الفقار، زلزال) عن الصواريخ التي تستخدمها في اختبارات حمل الأقمار الصناعية، واستخدام أسماء ذات صبغة دينية أقل مثل ( كاوش، سفير، سيمرغ)، للإظهار للعالم بأن هناك اختلاف بنيوي بين هذه الصواريخ، وتفاوت جذري في طبيعة اختباراتها الصاروخية. ولكن أمريكا والدول الأوروبية اعتبرت أن هذا الالتفاف الإيراني، ما هو إلا عملية لتغطية إنتاج الصواريخ البالستية بعيدة المدى أو العابرة للقارات، مصرحة أن هذه الاختبارات مخالفة للقرار رقم ٢٢٣١ في مجلس الأمن الدولي.

بدايةً شكلت سلسلة عمليات إنتاج صواريخ شهاب ٣ الإيرانية بالاستفادة من المساعدات الفنية الروسية والكورية الشمالية المرحلة الأولى من مشروع صاروخي إيراني طويل الأمد. أما بالنسبة للحصول على تكنولوجيا تصميم الهيكل، وإنتاج محرك صاروخي يعمل على الوقود الصلب بهدف زيادة مدى الصاروخ، كان المرحلة الثانية من برنامج تطوير الصواريخ الإيرانية. وهذ الأمر كان ملقى على عاتق حسن طهراني مقدم الملقب بأبو الصواريخ الإيرانية، الذي سعى للحصول على الوقود الصلب، وإنتاج صواريخ بالستية بعيدة المدى مثل "صاروخ عماد".

وعلى الرغم من أن إنتاج إيران لصاروخ شهاب ٣ اعتبر تهديدا إقليمياً محدوداً حينها، إلا أن خلق قدرات دفاعية رادعة في مواجهة التهديدات الدولية، دفع إيران لتطوير مدى صواريخها القادرة على حمل رؤوس ثقيلة، وكذلك تطوير تكنولوجيا عودة الصاروخ للغلاف الجوي والأرض ليصيب هدفه المحدد. هناك تكمن نقطة التقاء البرنامجين الإيرانيين (الفضائي والصاروخي). فالصواريخ البالستية سواءً كانت عسكرية أو صواريخ للاستخدامات الفضائية، تتمتع جميعها بسمات وميزات مشتركة. فللحصول على المدى البعيد يجب على الصاروخ البالستي الوصول لارتفاع ١٦٠ حتى ٢٠٠ كيلو متر عن سطح الأرض على الأقل، والسمات المتشابهة بين الصواريخ العسكرية والفضائية هي:

– الوصول للارتفاع المطلوب عن سطح الأرض.
– إمكانية حمل رأس ثقيل (قمر صناعي أو قنبلة).
-عودة الرأس الصاروخي (أو القنبلة) للغلاف الجوي.

أي أنه في حال الحصول على قدرة إيصال صاروخ فضائي لارتفاع عامودي ٢٠٠ كيلو متر، يمكن الحصول حينها على صاروخ بالستي عابر للقارات طويل المدى من خلال تغيير زاوية إطلاق الصاروخ ( زاوية أكبر تعطينا مدى أطول).

على درب حسن طهراني مقدم:

قبل مقتله في عام ٢٠١١، كان حسن طهراني مقدم يعمل على إنتاج محركات الوقود الصلب وتطويرها، حيث كان من الواضح أنه برنامج للحصول على تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات، لكن تحت غطاء البرنامج الفضائي. وعلى ما يبدو فإن عملية تطوير محركات الوقود الصلب يتم تنفيذها الآن تحت إشراف فريق من الحرس الثوري الإيراني داخل هياكل المؤسسات التي تنشط عادة في مجال الفضاء. وما يؤكد هذا الأمر أنه في يوم الأحد، وقبل الإطلاق الفاشل للقمر الصناعي ظفر، عرض الحرس الثوري الإيراني صاروخاً قصير المدى، وقال أمير علي حجي زاده، قائد القوات الجيوفضائية الإيرانية، في إشارة إلى مسألة الوقود الصلب: "طور الباحثون تقنية جديدة لاستخدامها في صواريخ أرض – أرض وصواريخ الدفاع الجوي، والتي يمكنها أن توفر أيضاً "التحكم في صواريخ الوقود الصلب خارج الغلاف الجوي وفي المركبات الفضائية والأقمار الصناعية".

هذا النوع من التكنولوجيا التي أشار إليها قائد القوات الجيوفضائية الإيرانية هي تقنية لتسريع محركات الصواريخ. صحيح أن النظام الإيراني لن يتوانى عن التباهي أمام العالم بإيصال أقماره الصناعية إلى الفضاء، إلا أن سلسلة الاخفاقات المتتالية لبرنامجه الفضائي شكلت نجاحاً نسبياً من وجهة نظر فنية، الأمر الذي سيزيد من خبرات الحرس الثوري الإيراني في تطوير تقنيات الصواريخ بعيدة المدى أو العابرة للقارات ربما. أي أن النجاح بإطلاق الصاروخ الفضائي ظفر في مراحله الأولى والثانية وفشله في المرحلة الثالثة، وإن لم يكن نجاحاً كاملاً، إلا أنه يقرب النظام الإيراني من تحقيق حلمه خطوة أخرى.