عذراً حزب الله.. لا تعاطف مع قتلاك في سوريا

على بعد قرابة 400 كلم عن الضاحية الجنوبية لبيروت حيث معقل حزب الله، توجه مقاتلو الحزب لمواجهة الجيش التركي في منطقة إدلب المتاخمة للحدود السورية التركية. في هذه المنطقة لا يوجد مدنيون لبنانيون يمكن للحزب الادّعاء أنه ذهب لحمايتهم، كما أنه لا يوجد مقام السيدة زينب ولا عتبات مقدسة للطائفة الشيعية الكريمة حتى يرفع الحزب شعار "لن تُسبى زينب مرتين" مبرراً لوجوده كما فعل في دمشق، كما أن مواجهة التنظيمات الإرهابية ومنعها من الوصول إلى لبنان ذريعة تخالف المنطق.

فالمنطقة التي تدور فيها المواجهات تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود اللبنانية، والمناطق التي تفصل لبنان عنها تخضع لسيطرة النظام والميليشيات المتحالفة معه. علاوة على كل ما سبق، فإن التنظيمات التي يواجهها حزب الله في تلك المنطقة إضافة للجيش التركي بمعظمها تنظيمات سورية مدعومة من تركيا، إضافة لبعض الجيوب لهيئة تحرير الشام وتنظيم داعش.

 

كل هذه المقدمة للانطلاق من حقيقة بديهية لا تحتاج لكثير تفصيل، مفادها أن قتال حزب الله للجيش التركي في إدلب لا علاقة له لا بلبنان ولا باللبنانيين، وهو يرتبط فقط بمساندة النظام السوري ضمن الدعم الذي تقدمه إيران لهذا النظام. خاصة أن حزب الله يقاتل إلى جانب مليشيات طائفية أخرى جاءت من أفغانستان (لواء فاطميون)، وباكستان (لواء زينبيون) وأماكن أخرى، يجمعها أنها تنتمي للطائفة الشيعية الكريمة وتأتمر بأوامر إيران.

 

أداء حزب الله المقاوم في مواجهة إسرائيل يستحق الاحترام والتقدير والدعم والنصرة، أما حين يستخدم هذا الأداء لخدمة محاور إقليمية ومسانداً لأنظمة قمعية، فلا احترام ولا تقدير ولا نصرة

منذ دخول الجيش التركي إلى إدلب لم يسبق أن حصلت مواجهة مباشرة بينه وبين حزب الله، في ظل اتفاق خفض التصعيد الذي كرّس وضعاً عسكرياً خاصاً للمنطقة. لكن في الأسابيع الماضية، خرق النظام والميليشيات المتحالفة معه الاتفاق وبدأوا حملة عسكرية دفعت الجانب التركي للتحرك ومواجهة التمدد المستجد، وكان طبيعياً أن يحين أوان المواجهة المباشرة بين الجيش التركي وحزب الله. في الأيام الماضية استهدف الجيش التركي بطائراته المسيّرة مواقع للحزب أدت لمقتل عدد من مقاتليه. وكما دائماً، سادت لدى جمهور الحزب في لبنان حملة تعاطف جياشة لاستقبال النعوش التي جاءت من وراء الحدود، وبدأ تمجيد "الشهداء العظام الذين سقطوا وهم يدافعون عن شرف الأمة وكرامتها في مواجهة التنظيمات الإرهابية في طريقهم لتحرير فلسطين". لكن ما غاب عن الحزب أن روايته هذه المرة غير مقنعة لمعظم اللبنانيين.

 

فجميع اللبنانيين وقفوا مع الحزب وساندوه وتمنّوا له النصر حين واجه "إسرائيل" على الحدود الجنوبية. بعض اللبنانيين وقفوا معه وساندوه حين واجه التنظيمات الإرهابية على الحدود الشرقية، رغم أن الحزب كان سبق هذه المواجهة بالتورط في الأزمة السورية. لكن حربه حينها كانت مقنعة لبعض اللبنانيين. لكن اليوم، ما هي ذريعة حزب الله ليبرر تورطه في مواجهة عسكرية مع الجيش التركي في منطقة حدودية تبعد مئات الكيلو مترات عن لبنان، فقط ليساند نظاماً مجرماً؟! هل على المواطن اللبناني أن يتعاطف مع حزب الله في هذه الحرب العبثية التي ورّط فيها شباباً لبنانيين، في الوقت الذي ما زال العدو الإسرائيلي على حدود لبنان الجنوبية؟!

 

إذا أراد بعض اللبنانيين التعاطف مع حزب الله لاعتبارات طائفية وسياسية فهذا شأنهم، لكن على الحزب أن يدرك بأن قسماً مقدّراً من اللبنانيين لا يتعاطفون معه، ولا يعتبرون قتلاه الذين يسقطون في هذه الحرب شهداء، بل يتعاطفون مع الجيش التركي الذي يواجه نظاماً فاسداً مجرماً قتل واعتقل وشرّد شعبه، وهو تعاطف لا يخجل به أصحابه بل يعلنونه "على راس السطح". أداء حزب الله المقاوم في مواجهة إسرائيل يستحق الاحترام والتقدير والدعم والنصرة، أما حين يستخدم هذا الأداء لخدمة محاور إقليمية ومسانداً لأنظمة قمعية، فلا احترام ولا تقدير ولا نصرة.



حول هذه القصة

روسيا تنتهج في تقدّمها في إدلب على استراتيجية تُسمى “دبيب النمل” والتي تعني الاعتماد على التقدّم البطيء وقضم المناطق المحررة خطوة بعد خطوة لتثبيت النقاط الجديدة.

27/1/2020

هذا الواقع يفرض تعاملا مختلفا مع حزب الله، لا نقصد هنا أن يتم الصفح على جرائمه بسوريا، لكن المطلوب هو تجنيب القضية الفلسطينية تلك المواقف الكيدية المختلة ليس حبا بالحزب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة