شعار قسم مدونات

كورونا والمسؤولية الاجتماعية

blogs كورونا

على الرغم من النقاشات الكبيرة والحادة التي يتم تداولها يومياً حول تأثير فيروس كورونا على العالم والاقتصاد العالمي وما يمكن أن ينجم عنه من أزمات اجتماعية واقتصادية حادة، إلا أن هناك اغفالاً واضحاً للعلاقة بين هذا الفيروس المستجد وبين المسؤولية الاجتماعية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تقبّل المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية في أوقات الرخاء، واغفالها في أوقات الشدة، فالمسؤولية الاجتماعية للأفراد والمؤسسات والدول مطلوبة في كل الظروف، ومطلوبة أكثر في الظروف الصعبة، كونها تشكل ركناً أساسياً وهاماً في حياة المجتمعات، وبدونها تصبح الحياة فوضى وتشيعُ شريعة الغاب، حيثُ يأكل القويُّ الضعيفَ، وينعدم التعاون، وتغلب الأنانية والفردية.

 

من هذا المنطلق يمكن القول إن العلاقة بين كورونا والمسؤولية الاجتماعية هي علاقة طردية كلما زادت حدة انتشار الفيروس زادت المسؤولية الاجتماعية، على الرغم من كون هذه العلاقة بالأحوال العادية هي علاقة حرب وصراع، إن المسؤولية بمعناها العام تعني إقرار الفرد المكون للمجتمع وإقرار المجتمع المكون للدول بما يصدر عنهم من أفعال، واستعدادهم لتحمل نتائج هذه الأفعال، وعليه فإن نجاح المسؤولية الاجتماعية لا يقتصر فقط على جهد واحد، وبالتالي مخطئ من يظن أن المسؤولية تنحصر في وزارة الصحة أو الداخلية أو حتى حكومة الدولة، ففي ظل الظروف الحرجة التي تمر مختلف دول العالم دون استثناء المطلب الأول في ظل هذه الجائحة لا ينحصر بعلاج القوة بل بقوة العلاج والتي لا تتحقق إلا بتكامل الأدوار، فللتوعية والتثقيف دور كبير.

 

المسؤولية الاجتماعية تقع على عاتق الجميع بدءاً بالفرد مروراً بالأسرة ثم الشركات و المؤسسات والوزارات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني

كما أن للإعلام نصيب حاسم ايضاً، وللأسرة أيضاً دور فعال، وبالتالي فإن هذا الأمر بحاجة لتضافر جميع الجهود وتمتع جميع أبناء المجتمع بروح المبادرة والمسؤولية والأخذ بزمام المبادرة لمواجهة هذه الجائحة المتمددة، وهذا لن يتم إلا باقتناع كل فردٍ ومواطنٍ بأهمية المسؤولية الاجتماعية، وأن تكون نابعة من داخله حتى تتوحد هذه الجهود في مواجهة مجتمعية يشارك فيها الجميع وفي مختلف دول العالم، حتى يشعرون بأنهم أعضاء فاعلين لديهم القدرة على تحمل أعباء الواقع بروح طيبة، وإلا سنصبح عندئذ أفراداً عاجزين لا نتمتع سوى بالعجز والاستجداء غير المجدي من قِبل الآخرين لمساعدتنا وإنقاذنا من الواقع الحالي ، بعيداً عن أي مبادرة أو استشعار داخلي بأهمية المسؤولية كمفهوم يجب أن يكون له تأثيرٌ فعلي على أرض الواقع.

 

كذلك لا يمكن الحديث عن المسؤولية الاجتماعية بدون الحديث عن أخلاقيات أفراد وجماعات ومؤسسات المجتمع في التعامل مع المسؤولية الاجتماعية في الإطار الإنساني الذاتي والذي ينبع من مدى احترامهم لهذا المبدأ الإنساني، والتي يعتبر من أبجدياتها الالتزام الذي يعبر عن رغبة ذاتية وإصرار دؤوب من قبل الفرد نفسه في تطبيق هذا القرار وتنفيذه، إلى جانب التنشئة الاجتماعية الصحيحة التي تحتاج إلى توعية متكاملة الأركان من قبل الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية في فهم هدف المسؤولية الاجتماعية فهماً كاملاً نابعاً من الانتماء والمواطنة للدولة والمجتمع والإنسانية، يضاف إلى ذلك الاحسان والتعاون والتي لا يمكن أن يُكتب للمسؤولية المجتمعية عناصر السلامة والنجاح بدون توافر الشعور والإحساس الذاتي اتجاه أي حدث طارئ أو مشكلة ما، ولهذا يستوجب دائمًا المبادرة والتعاون بعيدًا عن عوامل الانعزال والأنانية.

  

تُشكل هذه الأبجديات مجتمعة في حال تم العمل بها وتطبيقها على أرض الواقع وممارستها عمليًا من قِبل أفراد المجتمع الواحد، نموذجًا مهمًا نحو إعادة تشكيل الوعي الذاتي باتجاه بناء مجتمعٍ متماسكٍ قادر على مواجهة أي جائحة أو وباء، وبالتالي ووفقاً لما تقدم، تجعل المسؤولية الاجتماعية الحكومات والمؤسسات الأهلية والأفراد في قارب واحد يعملون كفريق متناغم للمصلحة العامة، بعد أن كشفت أزمة كورونا أهمية إعادة النظر في أولويات الدول والمجتمعات والشركات والمؤسسات، وبرزت المجالات التي يمكن للمسؤولية الاجتماعية المساهمة فيها، فالمسؤولية الاجتماعية تقع على عاتق الجميع بدءاً بالفرد مروراً بالأسرة ثم الشركات والمؤسسات والوزارات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وجميع الهيئات انتهاءً بالحكومات و الدول، وهو ما يراه الفيلسوف والمحلل السياسي سلافوج زيزيك والذي قال أن العالم سيتجه نحو التفكير بالتوجه إلى إيجاد مجتمع بديل، مجتمع يتجاوز الدولة القومية ويجسد نفسه بأشكال من التضامن والتعاون العالمي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.