إلى إشعر آخر.. كيف نعيد النظر فيما حولنا؟

في ظل الأزمة الراهنة التي فرضها فيروس كورونا على العالم، لم يَبق أمامه إلا أن ينعزل وراء محيطه ويقومَ بتعليق جميع القطاعاتِ التعليميةِ والاقتصاديةِ إلى إشعار آخر، بإستثناءِ بعض القطاعاتِ والمتعلقة بالتغذيةِ والصحةِ وبعضِ الأمور الضرورية، مما جعل كل دولةٍ تعيد النظر في شؤونها الخاصةِ ومنكفئةً على ذاتها تحاول التكيف مع الوضعية الطارئة بما لديها من معداتٍ ومؤهلاتٍ بغية الخروج بأقل الأضرار، وكأننا لم نبقَ أمام عولمةٍ عابرةٍ للحدود. ذكّرني هذا الوضع بفلم "The Silence" شَاهته حَوالي ستة أشهرٍ ويحكي فُقدان الإنسان هذه الوسائل التكنولوجية وما وصل إليه من تقدمٍ بسبب هجوم بعض المخلوقات الغريبة عليه، ومُعاوِداً بذلك الرجوع إلى الوسائلِ البدائيةِ والتقليديةِ لِيصارع بها من أجل البقاء، في ظلِّ ظروفٍ إنعزاليةٍ مشابهةٍ لما هي عليه اليوم.

بِغض النظر عن الأسباب التي فُسر بها حدوث هذا الوباء، لا شك أن هذه الوضعية فَرضت أو سَتفرض علينا إعادةَ النظر في كثير من الأمور حولنا، وهي حتماً ستعرف تغيراً في المستقبل وسيتم التركيز عليها كثيراً، وإن كانَ من المُستبعد الآن الحديث وبرؤيةٍ واضحةٍ عن تغير وشيكٍ في النظام العالمي الرأسمالي، إذ هناك حديثٌ أننا على وشك نظامٍ جديد سيكون بعد كورونا، وأن الصين ستكون قائدَه في ظل الوضع الجديد الذي سيُفرض، وهو ليس بعيداً لأسبابٍ كثيرةٍ تُرجِّح هذا التوجه. وفي انتظار ما ستؤول إليه الأمور يبقى أن هناك العديدُ من المفاهيم سيعاد النظر فيها، من قبيل العمل عن بعدٍ وكيف سيتطور؟ وعن الطب كيف سيكون قادراً للتصدي على أي ظاهرةٍ وبائيّةٍ مستقبلاً؟

العمل عن بعد وكيف سَيتطور؟
الطِب الآن أمامَ ظاهرةٍ تتعلق بفيروسٍ متطورٍ وبشكلٍ أربكَ كُل الإمكانات الطبية الموجودةِ لديه، مما فرض على كل الدول المتقدمةِ أن تُسخرَ كل إمكانيتِها في هذا الاتجاه عَسَاها تَتوصل إلى نتيجةٍ قبل أن تَتوصل إليها دولةٌ أخرى

هذا المفهوم ليس وليدَ اللحظة بل بَرز مع تقدمِ الوسائلِ التكنولوجيةِ التي سُخرت في هذا الجانب، إلا أنه لم يكن بالكيفية التي سَيَفرِضُها الآن، فكل الدول  لجأت إليه حتى غير المتقدمة سارعت في إحداث منصاتٍ لها بغية مسايرة وإنجاح مؤسساتها عن بعد، وخاصةً فيما يتعلق بالتعليم لإكمال الموسم الدراسي بنجاح، ولا شك أن هذا الأمر يُصادف عقاباتٍ وليس بالأمر الهين، مما يَفرض على كل الجهات المعنية مزيداً من المجهودات قصدَ وضْعِ خُطَةٍ راسخةٍ في هذا الجانب، وهو ما سَيفرز بالتأكيدِ عن نتائجَ إيجابيةٍ على المدى المتوسطِ أو البعيدِ، مما سيكون معه انخراطٌ شبه كلي من المؤسسات بغية إعتمادِه بشكل مداومٍ وليس فقط في الوضعيات الاستثنائية.

واعتمادُ هذه الرؤية ليس فقط سيكون  مقصوراً على الدولة مع مؤسساتها، بل سيكون له وقعٌ حتى على القطاعاتِ والمؤسساتِ الخاصة، وسنشهد في القادِمِ مِن الأيام تزايداً في فرص العمل عن بعد، وبشكلٍ أرقى تنظيماً ووضوحاً مع بعض القوانين التي تؤطرُه وتجعلُه أكثرَ اغراءً مما كان عليه من قبل، ولا سيما إذا كان العمل  مرتبطاً وذا علاقةٍ بالوسائل التيكنوليحية التي تسمح بمزوالة هذا النوع من الأعمال، ويربح بها العمل أوقاتاً إضافيةً أكثر وخسائرأقل باعتماده عليها. فهل نشهد مستقبلاً كل الإجتماعياتِ والمناقشاتِ الدوليةِ عن بعدٍ كما حَصل مُؤخراً في اجتماعِ الدول العشرين الذي جرى بهذه الكيفية؟ وهل كذَلك الاجتماعاتُ والمقابلاتُ الوظائِفيةُ لَدى باقي المؤسسات والشركات الأخْرى سَتأخذ هذا المنحَى أيضاً؟

الطب وتطوره

كل الأنظار تتجه الآن إلى الطبِّ باعتباره بطلاً حَتّم عليه أكثر من قبل في أن يضاعف مجهوداتِه لإنقاذ الناس والتصدي لهذه الظاهرةِ الوبائيةِ، كل المجالاتِ والقطاعاتِ الأخْرى اكتفت بِالمشاهدةِ ورافعةً له قُبة السبق في القيام بهذه الأدوار، وهو بدوره لبَّى نداء المسؤوليةِ وجنَّد كُل إمكانياته للقيام بهذه المهمةِ رغم المخاطرِ المحدقة بالعاملين في هذا الميدان، إلا أن مسؤولية الجميع بَرَزَت وحتَّمت عليهم أن يُضحوا بما هو دون المصلحة العامة للإنسان ولِبِلادهم.

رَغم أن الطب مٌتقدمٌ بشكلٍ كبير في الصحة العامة للإنسان، فهو لا يَزال دون المستوى المطلوب منه في بَعض الجوانبِ الدقيقة، ويَظهر هذا عندما تحدثُ أزمةٌ أو ظاهرةٌ وبائيةٌ – كما هي الآن- لِتُعري قُصورَه وعَجزه في التعاملِ معَ هذا الطارئ الجديد، ولكن رَغم ذلك فهي أيضاً فرصة له ليحاول تطوير نفسِه بالبحث أكثرَ في الظاهرة بُغية تفسيرِها وإيجاد مُسبباتها، عساه يَتوصل إلى طريقةٍ تمكنه من التعامل معه بدايةً، قبل أن يَتم التحكم فيه عند الإحاطة به ومعرفته أكثرَ. وفيروس كورونا المستجد هو من هذه الطينة، صَحيحٌ أنه لم يَتم بعد إيجاد لقاحٍ له، إلا أنَّ الأطباء الصينيين بِحُكمِ كونه ظهر عندهم أولاً تمكنوا من معرفة تركِيبَته وكيف ينتقل من شخصٍ لآخر، بل وبِالكيفية السريعة التي ينتقل بها، مِما مكنهم على الأقل كخطوةٍ أولى من التعامل مَعه ببعض الإجراءات التي أظهرت فعاليتها في إحتوائه، قبل أن يتم القضاء عليه كخطوة ثانية.

فالطِب الآن أمامَ ظاهرةٍ تتعلق بفيروسٍ متطورٍ وبشكلٍ أربكَ كُل الإمكانات الطبية الموجودةِ لديه، مما فرض على كل الدول المتقدمةِ أن تُسخرَ كل إمكانيتِها في هذا الاتجاه عَسَاها تَتوصل إلى نتيجةٍ قبل أن تَتوصل إليها دولةٌ أخرى، وهذا يُعطينا رؤيةً على المَنحى التَطوري الذي سَيشهده الطب؛ كونُه سَيُركز أكثرَ على دراسةِ الظواهر الوبائية المتعلقةِ بالفيروسات، فإذا كانَ الخوف الذي يُهدِّد الإنسان قبل هذا الوباء تَمثل في الأسلحةِ التي تَمتلكها بعضُ الدول والتي قد تُستعمل فِي الحروب، فإنه أضحى الآن إتجاهٌ ومصدرٌ آخر للخوف تَشكل في الفيروسات التي قَد تظهر وبدون سابقةِ إنذار، مما سَينتج عنه بين الدول سباقاً بيولوجياً بعد أن كان سباقاً تسلحياً بِالدرجة الأولى.

هذه بعض المفاهيم وغيرُها كثير سيعاد النظر فيها بعد عالمِ كورونا إن صَحت هذه التسمية، إلا أنه مما لا شك فيه سواءٌ بهذا الاسم أو بغيره هو أن الأوضاعَ حتماً ستكون مغايرةً في كثير من مناحيها لما هي عليه الآن، حتى وإن لم تتغير فسيعاد النظر فيها بنظرٍ وبرؤىةٍ أخرى لِتكون أكثرَ وأقدرَ استجابةً ومسايرةً للمتطلباتِ الراهنة التي سَتُفرض.



حول هذه القصة

كانت هناك دعوات لممارسة التعليم الإلكتروني e-learning ولكن اهتمام المؤسسات التعليمية كان يُصبُ على جوانب مادية لجني أرباح وسمعة لتلك الصروح التعليمية العريقة وكأن التعليم الإلكتروني حالة من التَّرفيه.

يحاجج الفريق الأول بأن كورونا فرصة ذهبية لإعادة تجديد النيوليبرالية، أي النظام الاقتصادي العالمي القائم على رأسمالية السوق الحرة والذي نشأ في سبعينيات القرن الماضي ولا يزال حيّا يُرزَق.

هناك الكثير من الأسباب التي دفعت العديد من الأسر الاتجاه لنظام التعليم المنزلي حيث أن ذلك النظام يُمكن الطلاب من ممارسة الأنشطة الفعالة المرتبطة بالمواقف اليومية التي تعزز الخبرات الحياتية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة