هل نحن متجهون إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب؟

لم يَتوقف العالمُ منذُ اليومِ الأولِ الذي رَصدناهُ فيهِ عن التشكّل سِياسياً وفقاً لِمعطياتِ العَصرِ الذي يَمرُ فيه، وتِبعاً لِتوازنِ الأطرافِ المَوجودَةِ عليه، وتَعاطياً معَ حاجاتِ استقراره، وكان عادةً ما يَلحقُ بِهذا التشكلِ الدوريِّ تَشكلٌ للنظامِ الاقتصاديّ، أو لَرُبما كانَ التَشكلُ السياسيُّ كما يَرى البعضُ مُلبيّاً لتشكلٍ اقتصاديٍّ حتميٍّ، عُموماً تبقى جدليةُ السيادةِ للسياسيّ على الاقتصاديّ -والعكس- صَعبةَ الحَسمِ ما دامَ كلٌ مِنهما يُعدُ بدرجةٍ أو بِأُخرى جُزءاً من الآخر وبينما أميل للفرضية القائلة بأن: "الجاهَ يُشرى بِالمالِ ولا يُشرى المالُ به" فأنه يمكني القياس على كلامٍ للدكتور مصطفى حجازي عن معادلةٍ قابلة للقلبِ بين السببِ والمسبب وذلكَ في حديثةِ عن علاقةِ تخلفِ المُجتمع بِتخلفِ الفَرد والعكس، وكيفَ يمانعُ كلٌ منهما التغيُّرَ في الآخر؛ وصولاً إلى أن الاقتصادَ والسياسةَ في معادلةِ تشكيلِ العالمِ يحظيان بنفسِ الرُتبة مَرفوعةً على نَفس الرقمِ بعيداً عن ترتيب الحدود.

شهدَ العالمُ خلال القرنِ التاسعِ عَشر والعِشرين حَراكاً مُحتدماً بَين كُلِ أطرافهِ شرقاً وغَرباً وعلى كافةِ أصعِدتهِ، انتهت بتشكّل العالم ضِمن صورةٍ واضحةٍ إلا أنّها لَم تَكن مُتوازنةً من الداخل، كان العالمُ مُتعسكراً بِشكلٍ واضحٍ بين الشَرقِ والغرب، وبين الناتو ووارسو خُصوصاً بعد تَدمير الّنازية في ألمانيا التي كانت تُشكل عَدواً يَضرب الجَميع وسهولةِ قِسمةِ أوروبا بين الشَرق والغربِ مِن بَعِدها، ومن ثم صُعودُ الولاياتِ المتحدةِ كقوةٍ جديدةٍ عُظمى إلى جانبِ أوروبا بَعد الحربِ العالميةِ الثانية؛ لِيظهرَ العالمُ بصورة القُطبية المُزدوجَةِ بين غَربٍ بقيادة الولاياتِ المُتحدةِ والشَرقِ بِزعامةِ الاتحاد السوفييتي، إلا أنَّ في عُمقِ الصورةِ لَم يَكن هناك شيءٌ منَ التوازنِ إطلاقاً، فَلم يَكن الشَرقُ يُنافسُ النُموَ العَسكَريَّ والصِناعيَّ والعِلميَّ والتَنمَويَّ والديمُقراطيّ المُتسارعَ في الغرب.

الديمُقراطيّة وإن كانت داخلياً مُهمةً لِلانتقالِ السَلسِ لِلسلطة وَتَعزيز الاستقرار وَتَصديِر النُخبِ التي قَد تَدفعُ بِالتنمية، فإنَّ أهميَتَها الخارجية تَكمنُ في أنّها تَعني "الشَرعيَة" بِشكلٍ من الأشكالِ

وسرعانَ ما بدأ الشَرقُ بالتَزَعزُعِ أمامَ هذا التَفوقِ وكانَ أكبرَ علاماتِ هذهِ المَرحلةِ انضمامَ ألمانيا الغَربيّة إلى حِلف الناتو وصولاً لانهيارِ الاتحادِ السوفيتيّ في مَطلعِ التِسعينيات؛ ليبدأ العالمُ بَشكلهِ الجَديد الذي نَعيشهُ مَرحلةَ القطبيةِ الواحدةِ نِسبةً للتفوّقِ الأمريكي الكَبيرِ على بَقيةِ نُظم العالم؛ صحيحٌ أن الكَثيرَ مِن دولِ العالمِ استطاعت النُهوضَ بِنفسها وتَطويرَ قوَّتِها العَسكَريّة وتَرسانَتِها النَوويّة إلا أنها لَم تَتَمَكن مِن مُواكبةِ التَنميَة الأمريكيّة في كافة الأصعدِة فَبَقيَت روسيا مُتخلفّةَ عن الولاياتِ المُتحدة في الاقتصادِ والصِحةِ والتَعليمِ والديمُقراطيّةِ ولو تَفوقت عَليها في تِعداد الرؤوسِ النَوويّة وهوَ الذي لَم يَتكفّل لها بِالصمودِ حَتى في الحَربِ الباردة.

منَ الطَبيعيِّ أن هذا النِظام لَن يَكونَ دائماً فَهذهِ سُنّةُ السابقين مِن قَبله، حَيثُ يَتضحُ اليوم للمراقبينَ والمُحللين أنَّ العالمَ يَتوجهُ بِطريقةٍ أو بِأُخرى إلى نِظامٍ جَديدٍ مُتعددِ الأقطابِ خِلال العُقودِ القادمةِ وقبل نِهايةِ القَرنِ على أبعدِ تَقدير، وعلى عَكس النِظام السابقِ والذي يُمكن وَصفهُ وَتَحليلُ ولادتهِ وِفقاً للمُشاهدةِ التي فَسرت تَشكلَ العالمِ لِمدةٍ طويلةٍ قَبلهُ وفقاَ لِما يَجري فيهِ مِن احترابٍ وَتفوقٍ عَسكريٍّ وَتَنمَويٍّ في كافةِ المجالاتِ لِدولةٍ أو إمبراطوريّةٍ على أُخرى، فإن هُناك ما هو مُستترٌ في عمق التَنبؤ القائل بِقدومِ هذا النِظامِ، ويصعّب من مهمة الوصولِ إليهِ تَحول النُطق بهِ في كثيرٍ من الصالوناتِ التَحليليّةِ إلى دارجةٍ تَستعرضُ مُواكبة الحَدث العالميِّ دونَ الإتيانِ على أعمقِ وأخطرِ ما فيه؛ فالفكرةُ أبعد بكثير من تَعدُدِ أسياد الصراع وتَراجعُ الولاياتِ المُتحدةِ من الواجِهةَ، وهو البُعد الذي نُريد التَوجهَ إليه وفهمه.

بالعودةِ للتاريخِ قليلاً فإننا سَنشهدُ تشكّل العالمِ قسريّاً عند المُنعطفاتِ الصَعبةِ عن طريقِ تفوق قوميةٍ أو مدنيّةٍ أو إمبراطورية واسعة – الخ من أشكالِ الهَياكل الحاكمةِ وجوامِعِ المَصالحِ – على أخرى ونُفوقِها أمامَها أو تَأخُرَها وَوُقوعَها تَحت حُكمِ أو معاييرِ حُكم الأولى، حَيثُ كانت تَضمنُ كل هَيكليّة مَصالحها الإنتاجّيةَ والسيادِةَ عَن طريقِ بَسطِ نُفوذِها على أكبَر قَدرٍ مُمكنٍ مِنَ الرُقعةِ الجُغرافيّة والتِعدادَ السُكاني مُوفرةً بِهذا كَوادر تَصنيعِها وأكبَر كَم من العُلوم والخِبراتِ والعَساكرِ ومُؤمنةً لِطرقِ انتقالِ سِلعها وَجُيوشِها؛ مُحافظةً بِهذا على قًوة اقتصادِها وَنموّه وتَنميتِه وسيادتها على مُنافِسيها، وَهي صورةٌ تشهدُ تغيُّراً في مُعطياتها في العَصرِ الحَديث وَصُعودُ نمطٍ جديد من التجارة في ظل الرأسمالية، حيثُ أنهُ وبِظهورِ المُؤسساتِ والشَركاتِ مُتعددةِ الهُوية والعابرةِ للقاراتِ أصبحَ هُنالك أطرافٌ لَيست مُهتمةً بالسيطرةِ على المضائقِ المائيّةِ المُهمّة والمَعابِر البريّةِ كُلها لِعبورِ سِلعِها؛ بَل إنها لَيست مُهتمةً بالقيامِ بهذا العَملِ من أصلهِ بقدرِ اهتمامِها بإقامةِ عَلاقات وتَرخيصِ مُؤسساتِها وشَركاتِها في دولٍ عِدة ما دامَ يُمكنُها التَعاملُ مع كَيانات مَوجودةَ تُوفرُ الأمنُ لِخطوطِ إنتاجِها وَخُطوط نَقلها، فِلمَ يَعد المُنتج مَحصوراً بِعمالَةِ دَولَتِهِ أو الهَيكَل السياسي أو القومي الذي يَنتمي إليهِ أياً كانَ للمشاركةِ في خَطِ إنتاجهِ؛ بَل وإنهُ لُم يَعد مَحصوراً في رُقعَتِها الجُغرافيّةَ للتصنيعِ والتَسويقِ والبَيع إضافةً لِقدرَتِهِ على نَقل أموالهِ بِكلِ سَلالة بَين البُنوكِ العالميّة عِند أي حال طارئ.

هذهِ المُعطيات الجَديدة خَلقت قُوةً فَوق القُوى الاعتياديّة التي كانَ يَعرِفُها العَالم ولا تَتأثرُ بِكثيرٍ مِن حُدودِهِ، قوة مُتعددة الهَوية وعابرةً لِلجُغرافيا إضافةً إلى أنَّ ثَرواتَها سَلِسةُ التَحرّك والتَمَدد وَمُتفوّقة في حَجمِها على صِناعياتٍ كُبرى حَتى أن بَعضَ الشَركاتِ باتت قادرةً على تَهديدِ اقتصاداتِ الدولِ مِن خِلالِ قَراراتِها وَيَصلُ الأمرُ حَدَ أنّها قادرةٌ على تَهشيمِهِ تَماماً في بَعض الأحوال. إنَّ ما يُهم هذهِ القوى هوَ الحفاظُ على التَنامي المُتسارِع أو الثابت في أسوءِ الأَحوال لِثَروتِها، وَهو في غالبِ الأحيانِ لا يَتحقق إلا مِن خِلالِ انتظامِ السوقِ وَطُرقِ التِجارة العالمية وَزيادةِ الاستهلاكِ وتَصاعدِ التَنمية وهوَ ما يَتحقق – إذا استثنينا تَصنيع السِلاح – مِن خِلال الاستقرارِ الدُوليّ الذي يَضمنُ بَقاءِ كل المَمرات التِجاريّة مَفتوحة، والاستقرار الداخلي لِلمجتمعاتِ في الدُول مما يُعزز استهلاكها، إلا أن الاستقرارَ الداخليّ للدولِ وتَصاعدَ التَنمية والاستهلاك قَرينُ سلسة ثنائيةٍ، وهما نُقطتانِ بدأتا بالتَصاعدِ في بَعض دولِ العالم بِدعمِ مُؤسسات عَديدة:

1. الديمُقراطيّة: وتَكمنُ أهميّتها في الصَعيدينِ الداخليّ والخارجي فإنَ الديمُقراطيّة وإن كانت داخلياً مُهمةً لِلانتقالِ السَلسِ لِلسلطة وَتَعزيز الاستقرار وَتَصديِر النُخبِ التي قَد تَدفعُ بِالتنمية، فإنَّ أهميَتَها الخارجية تَكمنُ في أنّها تَعني "الشَرعيَة" بِشكلٍ من الأشكالِ وَهوَ ما يَعني اتفاقاتٍ أكثرَ دَيمومةً واستقراراَ على الصعيدِ السياسيِّ والعَسكريِّ الذي يَضمنُ سلامةَ طُرقِ التِجارةِ وعلى الصعيدِ الاقتصاديّ والذي يَضمن تَعاملَ هذه القوى مَع هذه الدولِ كَمنتجٍ وَمُصَنعٍ أو مُصدّر.

2. التَنمية: وهيَ التي تَعني في أحدِ جَوانِبها حَتماً تَصاعد الاستهلاك والصَرف وهوَ المُحرك الأكبر لِنمو الثَرواتِ لأصحابِ رُؤوسِ الأموالِ وتَعني أيضاً فُرصاً لِزيادةِ خُطوطِ الإنتاج والاستثمارِ والأيدي العاملة وتوسيع السوق. يُضيف البعضُ لِهذهِ الثُنائيّة نُقطةً ثالثةً وهيَ اللامَركزيّة التي بِدورِها تُحسّنُ من مُخرجاتِ دِراسةِ الواقعِ وَتقييمهِ مما يَعني استجابةً أفضل عِند التعاطي مَع مُتطلباتِ تطويرهِ وتنميته، فاللامركزيّة تُعدُ داعماً كبيراً للتنمية.

لا بُدَ أن هذهِ الوَصفة وإن كانت مُفيدةً لِلقوةِ الاقتصاديّةِ في العالم فَإنّها تُشعرُ العَديدَ مِن الدولِ التي بُنيت في أحدِ جَوانبِها مِن سَلبِ ثَرواتِ دولٍ أخرى والعَيشِ على خَرابِها ودَمارِها مُعتمدةً بِذلكَ على ضَعفِ كَياناتِها السياسيّة والعَسكريّة بِالتهديدِ الكَبيرِ، هُنا تَأتي ضَرورةُ تَرويضِ هذه القوى وإعادَةِ تَوزينِها مِن خِلالِ تَعديدِ القُطبيّةِ في العالمِ مِما يَضمنُ تَوازنَهُ ودَعمَ صُعودِ قِوىً خافتةٍ لِتكونَ فِي الواجِهةِ مِن جَديد، ومِن ثُم إلى النًتيجة الحًتميّة التي تُوصلُ لُها التَنمية والديمُقراطيّةَ وهيَ قوّة هذهِ الكيانات السياسيّة النامية وَصعودِها لِتشكلَ أقطاباً إقليميّة ومِن ثُم قد تَصلُ إلى مَرحلة الُقطبيةِ الدولية وهو ما لا يُشكل قَلقاًَ لِلقوى الاقتصاديّة طالَما أنّهُ يُساهمُ في تَوسيعِ أسواقِها وَنُمّوِ ثَرواتِها.

إذاً فإنِ هُناكَ مَن يَسعى اليوم لِتشكيلِ العالمِ مُتجاوزاً هياكلَهُ السياسيّة، بِهدفِ زيادَةِ مَكاسِبِهِ وللمرةِ الأولى مِن خلالِ تَنميةِ كُلِ أطرافِهِ وليسَ مِن خلالِ حَذفِها، إلا أنَ ما هو أخطر يكمنُ في جَواب سؤالِ هَل بِالفعلِ مِنَ المُمكنِ أن يَكونَ تَنامي الرأس مالية سبباً لاستقرارِ المُجتمعاتِ؟ وإن حافظت على كَيانات سِياسة وَنمّتها اليَوم فما مَصيرُ تَغللِ آثارها في مُجتمعاتها غداً؟ يَبقى هذا التَحليل فَرضيّة يدعمها حجم القوة التي في العالم والذي يُشكّل الصِدامُ آخرَ آمالِها، وتُواجهُ عِدة تَحدياتٍ أهمها تَأميم القِطاعات العامة ومجالاتِ التَصنيعِ مِما يُعيد الصِراع الدُولي لِلواجهةِ وهو كابوسُ القوةِ الرأس ماليةِ الأكبر، وتعارض التنمية والاستقرار اللذان يشكّلان داعماً لنمو قطاعات التصنيع المتعددة مع نمو ثروة تجّار الحُروب والسلاح.



حول هذه القصة

أسوأ ما يفعله ترامب حاليا بالنسبة للأمريكيين هو تدمير الحلم الأمريكي فرئيس يهاجم الإعلام ويتهم الصحفيين ويقيد الحريات وينبذ الجيران ويبتز الحلفاء يتسبب بضرر كبير لمنظومة القيم الأمريكية والحلم الأمريكي.

يحاجج الفريق الأول بأن كورونا فرصة ذهبية لإعادة تجديد النيوليبرالية، أي النظام الاقتصادي العالمي القائم على رأسمالية السوق الحرة والذي نشأ في سبعينيات القرن الماضي ولا يزال حيّا يُرزَق.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة