المساعدات الصينية للجزائر واجب إنساني أم أبعاد أخرى؟

blogs الجزائر

كان الرد الصيني بإرسال وفد من الأطباء وكذا بقية المساعدات الطبية للجزائر بمثابة خدمة إنسانية أيضا فالجزائر كانت سبّاقة بالمساعدات التي استطاعت توفيرها مع بدايات تفشي فيروس كورونا بالصين، لكن الدارس للعلوم السياسية لا يتوقّف عند هذا الحد ويبحث في الأبعاد الخفيّة لتحركات القادة، تحدّث الكثيرون عن المؤامرة والحرب البيولوجية وغيرها من المصطلحات التي وصفوا بها الجائحة الحالية وانقسم الرأي العام العربي والعالمي بين مؤيدين ومعارضين، لكن بما أنّنا نقوم بقراءة سياسية للوضع الراهن فلابدّ من وضع احتمالات أو فرضيات.

 

نهوض العِملاق النائم

المعروف بأنّ للعلاقات الصينية الجزائرية امتداد تاريخياً مرتبطاً بمواقف سياسية من كلا الطرفين، وحتى ببعض المبادئ المتأصّلة كرفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، دون أن ننسى مسار الأحزاب الشيوعية، لكن يعتبر فيروس كورونا طريقاً جديدا للصين من أجل بسط نفوذها، فـــلقب القوة الاقتصادية لا يكفيها وقد آن الأوان لبزوغ الصِدامات الإيديولوجية ومعارِك القيم، هل نحن بصدد كونفوشيوسية جديدة، مذهب سياسي جديد يتداخل مع الأفكار الشيوعية ولا يأخذ الطابع السلمي في كل شيء بل يتجاوزه ليفرض منطق المصلحة حتى لو لم يتضمن في سياقه المساواة.

 

قد يتساءل البعض عن موقع الجزائر من كل هذا، إذ ليس من المعقول أن تُعوِّل الصين على الجزائر كحليف لنشر ثقافاتها وسياساتها، بل هي تنظر لها باعتبارها سوق اقتصادية مفتوحة ولِمَ لا يتم تمرير بعض الأفكار في ضوء التبادل العلمي والثقافي، فالقوة الاقتصادية وحدها لا تبني الإمبراطوريات، كل هذا وذاك بات من التاريخ، نعم التاريخ يُعيد نفسه كثيراً لكنّنا لا ننتبه للدروس أو لا نفهمها جيدا، هو يُعيد نفسه اليوم لكن بدول جديدة، فليست كل قوة تُدافع عن حق الدول في تقرير مصيرها بريئة من المنطق الإمبريالي، والصين هنا قد تُغيِّر وجهتها وتُغيِّر ميزان القوى عن بكرة أبيه.

   

    

الوباء مفاجأة وليس مُفتعلاً

المساعدات التي قدّمتها الصين للجزائر بمثابة رد فعل إنسانيّ فتاريخ العلاقات بين البلدين يُحتّم ذلك، لكن هل فيروس كورونا سيفتح الباب للصين للسيطرة على الأسواق الاقتصادية أكثر من ذي قبل؟ هل مبادرتها السريعة أغلقت الباب أمام دول أخرى؟ لكن المُتتبع لسير الأحداث متيقن بأنّ جميع الدول تواجه ذات المعضلة ولن يحدث تنافس على توزيع المساعدات، فقط الصين استطاعت التحكم في انتشار الوباء وأخذت على عاتقها مساعدة بقية الشعوب.

 

في العلاقات الدولية لا يحدث أيّ شيء ببراءة منتشية، وفيروس كورونا طرح العديد من الفرضيات، لكن الكثير ممن هم خارج السياسة يعتبرون هذه التحليلات محض هُراء، لأنّنا بحاجة للقاح ولسنا بحاجة لمقالات تُروّج للمؤامرة، لكن بعد حين حينما تسترجع الدول عافيتها ويستجمع القادة أنفسهم سينكشف المستور وسيكون هناك ما أكثر من المؤامرة، وسواء كان الفيروس مرضا خطيرا لا يعلم أحد مصدره وكيف حلّ علينا، فإنّ الخسائر الاقتصادية التي تكبّدتها الدول ستفرض سياسات جديدة، وحروباً جديدة لا يُشترط فيها السلاح بل أشياء أخرى سنعرفها لاحقاً إن كان للعمر بقيّة.

 

نحن الذين نخوض في السياسة مهووسون بأمور قد تكون خيالية لا صحّة لها، لكن مختلف القادة السياسيين والمكتشفين والمخترعين في ذات المجال لم يصنعوا الأسلحة بمختلف أنواعها والنووية مثلا بمحض الصدفة، بل خيالهم المُشتعل هو من ألهب عُنصري الصراع والتنافس على الساحة الدولية أو سِباق التسلح المستمر، والأسلحة البيولوجية أو الجرثومية ليست مُجرّد حِبر على ورق، وإنّما نوع من أنواع الأسلحة التي تتسابق الدول لتجربتها في الخفاء، وليس من العيب أن نقرأ ونضع الاحتمالات والبدائل فأثناء الكوارث والحروب بمختلف أشكالها يزداد الضغط على صُنّاع القرار ومُتخذيه، ثم يأتِ من يقول بأنّ السياسة مُجرّد افتراء، لا بل هي ببساطة موجودة في كلّ شي.

 

الجزائر تُعاني كباقي الدول في العالم، ونحن اليوم أمام جائحة لا تعرف دولة متقدمة أو متخلفة، بل تفتك بكل من يعترض طريقها، العالم بأسره بالحجر، فإن كان هذا الوباء مُفتعلاً فسيتم الكشف عن الدواء وفق الخطة التي تمّ رسمها وبالوقت المحدد، وسيتم الترويج للأمر على أنّه اكتشاف مُذهل وكل شيء كان صُدفة والدولة X استطاعت بعِلمها وقُدراتها المُذهلة أن تُخرِج العالم من مأزقه.

  

الله وحده يعلم ما الذي حدث وكيف تمّ ولأيّ سبب؟ ربما هو ابتلاء أو بلاء ويجب علينا الرجوع إلى الله وتوسّله وعدم فقدان الأمل، ومواصلة البحث، نتكافل ونلزم بيوتنا وندعو للعلماء والأطباء بالتوفيق وأن يُسهّل لهم الله إيجاد اللقاح المُناسب، وحتى لو كان هذا الفيروس قد تمخّض عن الصناعات النووية أو تعمّدت بعض الجهات إطلاقه من مختبرات الشر، فالله وحده من يملك مفاتيح الفرج وسُبل النجاة والشفاء.

 

هذا الطرح لا يُشير إلى الصين فقط بل يشمل جميع الفواعل أو القوى الكبرى في الساحة الدولية، والعقل والمنطق لا يمكن أن يُشيرا إلى دول الجنوب التي تعاني بسبب أنواع أخرى من الأوبئة فهي دائما الضحية، لكن لو تكلّمنا بمنطق الفرضيات فجميع الدول بشمالها وجنوبها متورطة بخضوعها لسياسات الدول الأكثر قوة منها، كأننا في غابة، كلّ هذا وذاك تحليلات من رحم القراءات الكثيرة والمفاجآت التي عاشتها الدول على مدار التاريخ، فــالأفكار هي مصدر كل شيء، وهذه الأخيرة قد تدور في فلك السِلم أو في فلك الدمار، والسياسة لا تتنافى مع الأخلاق، إنّما من يُمارسونها لطّخوها بطقوس مصلحية، كأنّك عندما تقول سلاح أو حرب فإنّ المقصود ها هنا هو السياسة!