الدولار وتأثير اختفائه على الهيمنة الأمريكية

في ظل ما تعانيه الولايات المتحدة الأمريكية، من أزمات صحية ضخمة، وسط تفشي فيروس "كوفيد19″، وتوقعات الخبراء بأن تسجل الولايات ملايين من حالات الإصابة بالفيروس، اتخذت الدول الثماني الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، بما في ذلك الصين وروسيا والهند (SCO)، قرارا باعتماد العملات المحلية في عمليات التبادل التجاري، وإصدار السندات لتعلن تخليها عن الدولار الأمريكي فيما بينها، تشير دلالات ذلك القرار الذي نشرته وسائل إعلام عالمية مؤخرا، إلى أن الهيمنة الأمريكية باتت في خطر، لا سيما بعد نجاح التجربة الصينية – الروسية، في اعتماد العملات المحلية، حيث أصبح عالم التجارة والذهب، والنفط الذي يبسط سيطرة واشنطن ونفوذها على أطراف مترامية من ذلك العالم بعيدا عن النفوذ الأمريكي.

 

وفي ذروة انشغال البيت الأبيض وسيده في آليات مكافحة كورونا، جاءت الضربة من حلفاء الماضي أعداء الأمس، فلم تشغلهم تداعيات الوباء القاتل عن الاستعداد للحرب التجارية، التي خفت حدتها منذ مطلع 2020، بعد أن وحد العالم جهوده لمواجهة الفيروس، وعوضا عن تهديدات ترمب المستمرة بفرض رسوم على صادرات وواردات الدول، أوقف "كوفيد 19" التجارة وأدمى أسواق المال وعطل الاقتصاد العالمي لسنوات مقبلة، إلا أن ذلك لم ينسي دول "منظمة شنجهاي" أن ترمب سرعان ما سيعود إليهم فور استفاقته من أزمة بلاده الحالية، بإجراءات يحاول من خلالها إنقاذ أمريكا المنكوبة على حساب اقتصادهم، وستعود لغة العداء مجددا، وسيدق طبول الحرب معلنا انتهاء السلام، وسيفرض كثيرا من الإجراءات الأحادية، خاصة وهو على مشارف دورة انتخابية جديدة يطمع أن يعزز مكاسبه الاقتصادية لتحقيق الفوز -بعيد المنال بحسابات الوقت الراهن-.

 

ترمب يعلم أن العداء مع الصين لن يفيد بلاده كثيرا، خاصة بعد نجاحها في الحد من انتشار الوباء، فبعد أن كان يسمي كورونا بـ"الفيروس الصيني" في بداية انتشاره أواخر العام الماضي، أصبح الآن يشيد بإجراءات الحكومة الصينية في التعامل مع الوباء، ويؤكد، كلما سنحت له الفرصة، أنها تظهر تقدماً كبيراً في احتواء الأزمة، وذلك عبر تصريحات دبلوماسية غير معتادة. الولايات المتحدة سيدة العالم على مر سبعة عقود، تواجه نفاد أجهزة التنفس الصناعي والأجهزة الطبية الأخرى، مع ارتفاع أعداد المصابين، وبعد أن كان ترمب يفخر كثيرا بإمكانات بلاده، وقدرتها على الاستغناء عن العالم، أصبح الآن يطلب العون ممن حاربهم في الأمس، فها هو يطلب من رئيس كوريا الجنوبية معدات طبية، ويبدي إعجابه بالطريقة التي تعاملت بها سيول مع تفشي الوباء. الطريقة تغيرت، ولكن ذلك التغير لن يدوم طويلا، ففي أول انفراجة، سيتأخذ إجراءات تجارية قاسية مع الدول الشركاء.

   

  

حرصت دول SCO على السير في طريق الاستغناء عن الدولار، ولم تبتعد أوروبا كثيرا عن ذلك النهج، فالرئيس الفرنسي انتقد منذ شهور اعتماد بلاده على الدولار، مرجحا الاستغناء عنه في المستقبل القريب، أو على الأقل التخفيف من الاعتماد عليه، وذلك بعد التشاور مع دول الاتحاد الأوروبي ومؤسساتها المالية، الصين التي تسعى لقيادة العالم تعمل على توفير الدعم اللوجيستي لعديد من البلدان التي تمر بأزمة الوباء. هي تدرك أن أمريكا لن تستطيع أن تمد يد العون لأحد، فهي في مأزق تطلب عون الآخرين، لذلك سمحت لها الفرصة أن تثبت دورها الريادي للعالم، وتؤكد أنها البديل الأقوى، والأكثر قدرة عن الولايات المتحدة وحكومتها، ووقتها ينتقل الثقل الاقتصادي من بين أيادي الأمريكان إلى أيادي الصينين، وهو ما يخطط له منذ وقت بعيد.

 

تخطط الصين إلى أن تصل حصتها من الناتج المحلي العالمي في 2025 إلى نحو 32 في المائة من إجمالي إنتاج العالم، أي تساهم بثلث الاقتصاد العالمي تقريبا -هي الآن تشكل أكثر من 15 في المائة من الاقتصاد العالمي- وهي تهدف إلى إزاحة أميركيا من سدة الريادة الاقتصادية، الاقتصاد الصيني شهد نسبة نمو بلغت 6.2 في المائة في الربع الثاني 2019 مقارنة بـ6.4 في المائة في الربع الأول من ذات العام على أساس سنوي، وارتفع بنسبة 6.3 في المائة في النصف الأول من 2019، فإذا استمرت نسب النمو بهذه الطريقة، ستتخطى الصين الولايات المتحدة التي كانت تبلغ حصتها من النمو الاقتصادي العالمي 13 في المائة.

 

ولم تقف خطط الصين إلى 2025 بل هي تسعى إلى تحقيق ناتج محلي يبلغ 25.6 تريليون دولار، مقابل 24.5 تريليون دولار للولايات المتحدة، ما يجعل تفوقها على الأمريكيان من حيث حصة الناتج المحلي الإجمالي ممكنة بحلول 2029. ولن نغفل الهند التي أصابها الأذى من السياسات الأمريكية العدائية، حيث تخطط الحكومة، إلى رفع حصتها من الناتج المحلي العالمي، إلى 15 في المائة، كي تصبح الهند هي الدولة الثانية بعد الصين في المساهمة في نمو الناتج القومي العالمي.

 

الولايات المتحدة تستغل هيمنتها وسيطرة الدولار على أسواق المال العالمية، في الضغط على الحكومات وفرض العقوبات على التجارة، وكبح جماح الاقتصادات الناشئة، بهدف تنحية المنافسين وتعطيل قدراتهم التي قد تسبب تهديدا للاقتصاد الأمريكي، وبإعلان "منظمة شنغهاي للتعاون" الاعتماد على العملات المحلية، تفقد أمريكا أحد أهم أذرعها التي تستخدمها في الضغط على أعدائها التجاريين. ونجاح التجربة الروسية الصينية في التعامل بالعملات المحلية في التبادل التجاري البيني يثبت إمكانية المضي قدما في الاستغناء عن الدولار.

  

مما سبق يتضح لنا أن الهيمنة الأمريكية في خطر مالم يتخلى الرئيس ترمب عن سياساته العدائية، ويبتعد عن حق الدول في التنمية والتطور وتحقيق النمو الذي يليق بشعوبهم، ترمب وسياساته الاقتصادية وفرت ملايين الوظائف لمواطني الولايات المتحدة، ولكنها تسببت في كساد بعض القطاعات، وأخلت بالميزان التجاري، الأمر الذي سبب ارتباك في أسواق المال العالمية، لتأتي أزمة "كورونا" وتفاقم الأزمة. الأزمة المالية التي نعيشها الآن تحتاج إلى وقف الحروب التجارية والنزاعات وتوحيد الجهود للحفاظ على أرواح المواطنين أولا ودعم الاقتصاد العالمي وتوفير إمدادات الغذاء والدواء والاحتياجات المعيشية وضمان الحق في الحياة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة