قوانين مبدعة لقمع المصريين على الإنترنت

blogs سجن طرة

عبر عدد من القوانين "المبدعة" نجح البرلمان المصري في قمع أصوات المعارضين ليس منهم السياسيين فقط بل الجميع مستهدف بمقصلة القانون، لا سيما أولئك الملايين على صفحات التواصل الخارجة عن سيطرة النظام، مؤخرا أقر البرلمان المصري، تعديلات مشروع قانون "قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين" التي تقدمت به الحكومة بعد تعديل بعض أحكامه، حيث أقرت لجنة الشؤون التشريعية والدستورية في المجلس مبدئيا، على إدراج "القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية ووسائل ومواقع التواصل الاجتماعي المُحرضة على الإرهاب" إلى تعريف "الكيان الإرهابي".

  

ويضم مشروع القانون الذي نشرته الصحف الرسمية، على مواد ونصوص فضفاضة تمكن رجال النظام من استباحة كرامة المواطنين، وإهدار حقوقهم، ومصادرة آرائهم، في خطوات جديدة تؤكد أنه "لا صوت يعلو فوق صوت القامعين"، ولا حق لك أو لغيرك في أن تعبر عن رأيك، أو ما يدور بداخلك، فما تنشره على مواقع التواصل الاجتماعي وما تكتبه من مقالات على الشبكة العنكبوتية، أو ما تعرضه من فيديوهات على يوتيوب، قد يقودك إلى السجن الذي ستختفي فيه طويلا قبل أن تظهر في نيابات أمن الدولة العليا للاعتراف بأنك سبب رئيسي في الحرب العالمية الثانية، وأنت المصدر الرئيسي لفيروس كورونا، وذلك في محاولة منك للإفلات من يد الجلادين.

 

وسيواجهك القضاء بتهم تكييفها القانوني كالأتي: "ارتكاب جرائم مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها، وتلقي تمويل والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه جريمة إرهابية، واستخدام حسابات التواصل الاجتماعي بهدف الإخلال بالنظام العام"، وبالرغم من أنك لم ترتكب كل ما سبق إلا أنك مجبر بنص ما أقره مجلس الشعب وما لاقيته في الأسر، على الإقرار بلائحة الاتهامات، التي تجاهل واضعوها أنك لم تحمل سلاحا ولم تدعو إلى عنف أو ترتكب جرائم ضد الأبرياء، كما أنك لا تنتمي لأي منظمات، ولكن كل ذلك ليس ضروريا، هم معهم الدليل، المتمثل في تغريداتك على الفيس بوك وأنت تردد "عيش حرية عدالة اجتماعية" فهذه تكفي لإدانتك.

 

قانون العقوبات المصري فيه ما يجعله قادرا على حماية المواطنين من الإرهاب الحقيقي، ولكن المشرع لم يجد فيه الكفاية لحماية رأس الدولة من كلمات المغردين وانتقادات الشباب

أما لو أنك من الصحفيين أو المحللين أو النشطاء السياسيين، وصادفك الحظ العاثر وأدليت برأييك عبر إحدى قنوات المعارضة، أو الإذاعات الخارجية، مثل بي بي سي مثلا أو مونت كارلو، فستواجه تهما إضافية بخلاف ما سبق، فستكون التهمة التواصل مع إحدى القنوات الفضائية لمحاولة إعادة النظام السابق، وقلب نظام الحكم والتعبير عن الاحتجاج، نعم التعبير عن الاحتجاج جريمة يعاقب عليها القانون بتهم قد تصل إلى 20 عاما، فإذا كنت معارض سلمي للنظام المصري وتكتب آرائك على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تشارك في برامج حوارية سياسية، فأنت في نظر الدولة إرهابي خطير مثلك مثل أعضاء "داعش"، و"القاعدة"، وحركة شباب المجاهدين" في الصومال، و"بوكو حرام" في نيجيريا، و"جيش الرب" المسيحي في أوغندا و"البرق الشرقي" في الصين، وغيرهم كثير ممن روعوا الآمنين وسفكوا دماء الأبرياء.

 

لائحة الاتهامات السابقة ليست من وحي خيالي، ولكنها اتهامات ضمن ملاحقات قضائية حقيقية منظورة أمام المحاكم، لأشخاص كل جريمتهم تغريدة على تويتر، أومقال في صحيفة، وربما مداخلة هاتفية لم تعجب الحاكم العسكري، فقرر الإطاحة بصاحبها، ولائحة المتهمين تضم المئات من رموز المجتمع ومن المغمورين أيضا، ممن تضيع أعمارهم في ساحات المحاكم بعد اختفاء قصري طويل، القانون الجديد يهدف إلى منع مجرد الحديث عن تداول للسلطة، أو مشاركة الأحزاب في الحياة السياسية، أو التعرض للنظام بأي وسيلة، إذ يعزز قصف أقلام الكتاب والصحفيين والسياسيين، الذين عجز النظام عن تطويعهم، ومنعهم من التعبير وإبداء الرأي وطرح أفكارهم، فبالرغم من تمكنه التام من أركان الدولة، إلا أن مجرد كلمات على الانترنت تزعجه.

 

قانون العقوبات المصري فيه ما يجعله قادرا على حماية المواطنين من الإرهاب الحقيقي، ولكن المشرع لم يجد فيه الكفاية لحماية رأس الدولة من كلمات المغردين وانتقادات الشباب، فالقانون الجنائي ينص على عدم المساس بحريات وحقوق المواطنين وهو ما تجاهله قانون الإرهاب الصادر مؤخرا، وبذلك لم تعد حرية الرأي والتعبير مكفولة وفقا للقانون الصادر بدعوى مكافحة الارهاب، ولا جدوى تشريعية حقيقية من إصدار مثل ذلك القانون الذي يكمم أفواه الحالمين بغد أفضل، إلا إخراس همهمات الراغبين في التغيير المشروع، بعد ثورة يناير ظننا جميعا أن التداول السلمي للسلطة أصبح حق للشعب، الذي كان يحلم أن يرى كل فترة أو فترتين رئيسا جديدا، يضخ دماء الأمل في شرايين مصر، ولكن ذلك الحلم أصبح غير ممكنا، بل من الخطورة بمكان أن تبوح به لأحد من أصدقائك، أو تناقشه مع الغرباء.

   

على من ينطبق مصطلح "الإرهاب"؟

وأخيرا عرفت الأمم المتحدة "الإرهاب" بأنه القتل المتعمد للأبرياء وخلق حالة من الرعب بين المدنيين، والاستخدام غير القانوني للعنف، وارتكاب أعمال إجرامية غير مشروعة، عبر تكتيكات من قبل منظمات إجرامية لفرض قوانينها، ذلك التعريف أصدرته الأمم المتحد عام 1972 في توصيفها لمسمى الإرهاب.

  

فيما وصفته المحكمة الجنائية الدولية بأنه استخدام القوة، أو التهديد بها، من أجل إحداث تغيير أو القتل المنظم للمدنيين أو تهديدهم، وإلحاق الإهانة بالأشخاص الأبرياء من أجل كسب سياسي، وبذلك التعريف يتبين لكل ذي عقل من الذي يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية، ومن الذي يهين الأبرياء ويقتل المدنيين ويقمع شعب بهدف الاستمرار في منصب سيرحل عنه عاجلا أم آجلا.