أنبياء في أرض الغربة

blogs تأمل

ربما لم يمض على وصوله إلى تلك الارض الغريبة إلا بضع ساعات، لم يسترح بعد ولم يأكل..  لم يضع حقيبته عن عاتقه.. لكن منذ اللحظة الأولى بدأت الأحداث تتسارع وترغمه أن ينفض غبار السفر عنه وينتقل من كرسي المتفرج إلى الفاعل الناشط. كان بإمكانه أن يغض الطرف عن تلك الحادثة ويقارنها بما عاناه في بلده ومع قومه. كان بإمكانه أن "يمشي الحيط بالحيط ويقول يا رب وصلني على البيت" حتى لو لم يكن هناك بيت أصلاً، كان بإمكانه أن يقول "دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم"، كانت الأعذار والتبريرات تتوالى في رأسه حتى يسكت ذلك الصوت الذي يدفعه للتدخل..

 

لكنه تذكر ذلك العهد الذي قطعه مع الله، {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، ومع أن ذلك العهد جاء بعد محاولة جدية للتدخل والاصلاح ونصرة من رآه مظلوماً مضطهداً، ومع أن تلك المحاولة انتهت بإزهاق نفس بريئة عن طريق الخطأ، وتسببت بخروجه من مصر وتهجيره للمرة الثانية في حياته. لكن تلك التجربة وتلك الذكرى الأليمة لم تطفئ تلك النار التي في داخله ولم تخمد تلك الروح التي تدفعه دوماً للعمل والاصلاح والتغيير. تذكر كل صور الظلم التي عاشها في مصر، والقصص التي سمع عنها من أمه. تذكر تلك الروايات التي رواها أقرانه وجيرانه عن مشاهد التعذيب والاعتقال والقتل في سجون الطاغية. لذلك كله، لذلك الصوت الذي في داخله، نهض من تحت الشجرة ونفض عن عاتقه لقب لاجئ..

 

{ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان}. هذه المرة، تعلم من التجربة السابقة أن يسأل عن المعطيات والظروف قبل أن يتدخل {قال ما خطبكما}؟ {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} لم يحتج لكثير من الوقت والجهد والتأمل. الظلم واضح، والمحتاج صادق، والجهد المطلوب قليل، والأثر واضح.. أما عن حسابات تقييم درجة المخاطرة (risk assessment) وتأمين "خط الرجعة" وإمساك العصا من المنتصف، فلعلها أزيلت من قاموسه يوم أن ألقي في اليم، أو بعدما التقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، أو عندما حرمت عليه المراضع..

 

{فَسَقَى لَهُمَا}
قصة موسى لا بد أن تدفعنا أن نزيل عن أنفسنا لقب "مهاجرين، مغتربين، بل وحتى كلمة جالية"، وأن نستبدل ذلك بـ "مواطنين، مقيمين، أمريكان من أصول عربية، مسلمين مواطنين في هذه البلاد، لنا حقوق وعلينا واجبات مثل باقي الناس"

هكذا وبكل بساطة، بدون تعقيد أو حسابات، بدون أخذ "سلفي" أو عرض عضلات. وبعدها {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. لتتدخل بعدها العناية الربانية {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني} مع الجهد البشري {حتى يغيروا ما بأنفسهم} وتتمثل بـ {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}، وتبدأ بعدها أكثر المراحل استقراراً وهدوءاً في حياته الحافلة والعامرة بالإنجازات.

   

الجاليات المسلمة وماء مدين

قصة موسى عليه السلام قصة كل مسافر ومغترب، سواء كان طالباً مبتعثاً لشهادة الدكتوراه أو لاجئاً شردته الحرب. سواء كان شاباً هدفه الغرين كارد، أو السياحة والاستمتاع، أو عروساً لحقت بزوجها إلى بلاد الاغتراب لتلحق بــ "النصيب". قصة موسى عليه السلام مع أهل مدين، منهاج حياة للجاليات العربية والمسلمة في بلاد الغرب خاصة، والتي يميل بعض أفرادها إلى التقوقع والإنطواء على النفس، والعيش في الفقاعة "bubble" بعيداً عن حاضرهم وواقعهم.

 

هي درس لكل من ورد ماء مدين في الغرب، فشرب من بئره وأكل من كرمه واعتمد على بطاقات التموين الغذائي فيه (Food Stamps) ثم رمى حجراً في تلك البئر وبصق في تلك الماء باحتقار وهو يقول: "كفار لعنهم الله".. هي موعظة لكل من تلاعب بقوانين الضرائب، وسولت له نفسه الاحتيال على قوانين المساعدات ونظام التأمين.. هي دعوة لكل مهاجر قاوم بشدة أي فرصة كي يتعلم لغة أهل بلده الجديد، واستحق بجدارة لقب "مهاجر جديد إلى أرض الأحلام" أو كما يسمونهم هنا في أمريكا "FOB = Fresh Off the Boat" ولو مضى على وصول قاربه إلى أمريكا أكثر من ثلاثين عاماً.

 

هي إنذار لأولئك الأهالي الذين تركوا للمجتمع والمدرسة والشارع حرية تربية الأولاد كما يشاءون، ولم يشاركوا في أي نشاط مدرسي أو محلي ولم يحضروا أي اجتماع للأهالي بحجة أن حضرتهم "مشغولين"! فبدأت تلك الهوة بين الأهل والأبناء بالاتساع، إلى أن استيقظ الآباء يوماً على مفاجأة إنضمام ابنهم لإحدى العصابات، أو تعاطي ابنتهم للمخدرات، أو ما إلى ذلك من القصص التي تطالعنا بها الصحف كل يوم.

 

هي تذكرة لأولئك الذين بكوا وتباكوا على المساكين والمحتاجين في الوطن العربي وبلاد ما وراء البحار، وغفلوا أو تغافلوا عن المشردين والفقراء والمظلومين في نفس مدينتهم أو حيهم أو شارعهم. ورجاء أن تضع ألف خط تحت كلمة "البعض" إذ لا ينبغي أن تشغلنا تصرفات هؤلاء وتنسينا روائع الإنجازات التي يفخر بها سجل المسلمين والمهاجرين وأبناؤهم من أصول عربية ومن القارة الهندية وعمالقة أفريقيا وغيرهم.

 

لا للبقاء في الظل

قصة موسى عليه السلام لا بد أن تلفت أنظارنا وتوسع آفاقنا، من التركيز على قضايا الشرق الأوسط وجراحاته ودقائق سياساته، إلى متابعة أخبار مدينتنا وولايتنا.. من إحباطنا لمشاهدة أرقام الـ 99 بالمئة والمهازل الانتخابية والانقلابات العسكرية، إلى مشاركتنا الفاعلة في انتخابات على درجة أعلى من الشفافية والنزاهة.. من كرسي المشاهد السلبي الذي يسب ويشتم ويلعن، إلى موقع الفاعل الناشط الذي يعمل ضمن دائرة تأثيره ويوسعها..

 

قصة موسى لا بد أن تدفعنا أن نزيل عن أنفسنا لقب "مهاجرين، مغتربين، بل وحتى كلمة جالية"، وأن نستبدل ذلك بـ "مواطنين، مقيمين، أمريكان من أصول عربية، مسلمين مواطنين في هذه البلاد، لنا حقوق وعلينا واجبات مثل باقي الناس". دون أن يؤدي ذلك بنا إلى الذوبان وضياع الهوية والتحلل من قيمنا وأخلاقنا وديننا.

 

وحري بنا، معشر المهاجرين والمغتربين، أن نشارك أهل تلك البلاد التي مدت إلينا أيديها وفتحت أبوابها أفراحهم وأتراحهم. حري بنا أن نمد يد العون للأمريكان والغربيين بشكل عام من أصول أفريقية ولاتينية، خاصة إذا علمنا أن السود في أمريكا مثلا يشكلون ثلث المسلمين، وأن نضال آباءهم وأجدادهم لحقوق الإنسان كان الشرارة التي أطلقت بعض قوانين الحرية والعدالة الاجتماعية والتي لا زلنا نتفيء من ظلالها ونستفيد منها (وإن لم تكن كاملة).

 

حري بنا أن نعمل لبقاءنا في هذه البلاد وكأننا نعيش فيها أبداً، وفي نفس الوقت، فلنطلق العنان لعواطفنا وتعلقنا بأوطاننا وهمومها وكأننا نرتحل إليها غداً.. فالأرض أرض الله، والوطن عند أهل اللغة مكان إقامة الإنسان ومقره، ومربض إبله وبقره وغنمه. وإذا نحن غيرنا ما بأنفسنا واندمجنا اندماجاً إيجابياً بمجتمعاتنا.. سيأتي من يقول لنا: {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين}، وستأتي الفرصة تلو الأخرى {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}. وستفتح أبواب الرزق {وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين}، والأهم من هذا كله، ستبقى صلتنا بالله قوية، فالله هو الله في بلاد الغرب وفي بلاد العرب، وأبواب الهداية والدعوة والإصلاح موجودة في أي مكان {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}.

فَسَقَى لَهُمَا