العلامة أحمد علم الدين الجندي أحنّ أساتذة الفصحى على العامية وأشعرهم بالصوفية

كان من فضل الله عليّ أن أعاشر العلامة الدكتور أحمد علم الدين الجندي (1924 – 2015) عن قرب، حيث عرفت فيه نموذجًا بارزًا للزهد العملي فضلا عن الزهد الوحي وللهدوء النفسي فضلا عن الهدوء القلبي، والرضا النابع من الإيمان، والنجاح الناشئ عن الاستقامة.. كان عالمًا جليلًا تهدأ النفس برؤيته وبلقائه وتتشبع بالاقتناع بقيمته وفضله.

 

عاش الدكتور أحمد علم الدين الجندي حياته للعلم اللغوي، وكان علمًا في دراسة اللهجات دراسة تأصيلية، فكانت بحوثه ومقارباته تنظر إلي اللهجات جميعًا بنظرة منصفة تحرص على البحث عن أواصر القربى بينها وبين الفصحى لا عن الفروق فحسب، وقد تولدت في دراساته وآرائه آيات بارزات على مزايا نزعة الاستيعاب والتوفيق والاحتواء، والتمكين لهذه النزعات حتى تغلبت تمامًا على ما يشوب آراء أمثاله من المتخصصين؛ حين يأخذهم العلم إلى تعميق التفريق الدائب بين لهجة وأخرى، وكأن التفريق هدف في حد ذاته.

 

ولم يكن غريبًا على هذا الأستاذ الجليل أن يكون هو نفسه أحنّ أساتذة الفصحى على العامية، وليس في هذا التعبير مجاز، فما رأيت أحدًا من أساتذة اللغة حريصًا على العامية والعطف عليها والبعد بها عن التجريم والخطيئة مثل هذا الأستاذ، الذي بلغ في هذا الخلق الكريم مبلغًا عظيمًا، وكنت أستمع إلى أستاذنا الدكتور شوقي ضيف في أخريات أيام حياته وهو يتحدث عن أننا أهملنا العامية إهمالًا كبيرًا، فالتفت بكليتي إلى حيث كان يجلس الدكتور أحمد علم الدين الجندي، وأتمنى لو أتيح له من العمر أن يؤسس معهدًا لدراسة العامية من حيث هي قابلة للارتقاء والاندماج مع الفصحى أو مع اللغة الثالثة.

 

جمعتني بهذا الأستاذ الجليل صداقة كريمة وكان هو المتفضل دومًا بالسؤال والعطف والدعاء والتشجيع والتكريم، وبمثل تقديره الصادق وعطفه البالغ استعنت على المرض وتوابعه، وعلى الإعياء والإجهاد، وما يسمان به الإنجاز من ضعف أو تباطؤ. أذكر أنه كان حريصًا على أن يضيف توقيعه الكريم على تزكية ترشيحي عضوًا في المجمع، حين وجد الملف ضمن ملفات المرشحين المعدة للفهرسة على مكتب الأمين العام، وكانت مفاجأة سارة لي أسرتني وجعلتني أؤمن أن العلم لا يزال رحمًا بين أهله.

 

نشأته وتكوينه العلمي ودراساته المتميزة
كان الدكتور أحمد علم الدين الجندي، كما ذكرنا، من اللغويين الذين تعمقوا في درس العربية الفصحى ولهجاتها، وتعمقوا في درس اللغات السامية وفي المقابلة بينها وبين العربية، وأول مؤلفاته المهمة هو كتابه في اللهجات العربية في التراث العربي

ولد الدكتور أحمد علم الدين الجندي بقرية أتميدة في محافظة الدقهلية، وتلقى تعليمًا دينيًا تقليديًا بدأه بأن حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمعهد الزقازيق الديني وحصل منه على الثانوية الأزهرية عام 1947، ثم حصل على ليسانس كلية دار العلوم 1951، وعلى عادة خريجي دار العلوم في ذلك العهد، فقد بدأ دراساته العليا في نطاق أوسع من دراسات دار العلوم، فحصل أولا على دبلوم معهد التربية العالي للمعلمين عام 1952، وسرعان ما واصل دراساته العليا في ميدان اللغات حتى حصل على دبلوم معهد اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1956. ونال الدكتوراه في اللغات السامية الحية واللهجات، من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1965.

 

كان الدكتور أحمد علم الدين الجندي قد بدأ حياته الوظيفية بالعمل مدرسًا بمدارس وزارة التربية والتعليم عام 1952م، ثم اختير خبيرًا بكلية اللغات الشرقية بجامعة بكين 1956. وعضوًا بقسم الترجمة والألف كتاب بالإدارة العامة للثقافة عام 1958، ومدرسًا بكلية الألسن عام 1968، وانتقل بعد هذ للعمل مدرسًا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة 1970، وأستاذًا مساعدًا بجامعة الفاتح بطرابلس (ليبيا) عام 1973، وأستاذًا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة (قسم النحو والصرف والعروض) عام 1980، وبقي في الكلية بعد إحالته للتقاعد كأستاذ غير متفرغ للدراسات العليا بقسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم.

 

وعلى مدى هذه الفترات، أشرف الدكتور أحمد علم الدين الجندي على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات مصر والبلاد العربية. كما كان له حضوره في المؤتمرات العلمية فشارك في المؤتمر اللغوي بطرابلس عام 1978، وفي مؤتمر اللهجات العالمي في جامعة أسيوط 1980. وكانت للدكتور أحمد علم الدين مساهمات فعالة في الجمعيات العلمية والمؤتمرات، كما كان عضو الجمعية اللغوية المصرية.

 

اللهجات العربية في التراث

كان الدكتور أحمد علم الدين الجندي، كما ذكرنا، من اللغويين الذين تعمقوا في درس العربية الفصحى ولهجاتها، وتعمقوا في درس اللغات السامية وفي المقابلة بينها وبين العربية، وأول مؤلفاته المهمة هو كتابه في اللهجات العربية في التراث العربي، وهو رسالته للدكتوراه. وقد نشر بمصر وليبيا وتونس. وقد أصبح حتى اليوم المرجع الأوفى في اللهجات العربية القديمة. إذ يتميز بوفرة مادته وعمق تحليلاته ودقة مقارناته.

 

وله بالإضافة إلى هذا:

– في قواعد اللغة العربية (ثلاثة أجزاء)، مكتبة الشباب بالقاهرة، 1971.

– في علم النحو، مكتبة الشباب بالقاهرة، 1973.

– القرآن والعربية، من تراث لغوي مفقود لأبي زكريا الفراء، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، 1990.

– دراسة لغوية مقارنة، قسم اللغات الشرقية ـ كلية الآداب بجامعة بكين، 1975.

– لهجة القرآن الكريم بين الفصحى ولهجات القبائل، حوليات كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ العدد الثاني، 1969.

– الأصول والفروع بين الدراسات الفقهية والنحوية، حوليات كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، 1976.

– المعجم اللغوي القرآني، مجلة كلية التربية بجامعة الفاتح، 1976.

– معجم لهجات القبائل العربية من القرآن الكريم وقراءاته، مع كتابين مفقودين للفراء، مجلة الأزهر، 1980.

– دراسات في النظام الصوتي الصرفي، مجلة البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة، 1980.

– بين الأصول والفروع في التغيير الصوتي، مجلة البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة، 1981.

– ثلاثة مصطلحات في دراسة اللهجات، مجلة البحث العلمي وإحياء التراث بمكة المكرمة، 1984.

– علامات الإعراب بين النظرية والتطبيق، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، 1986.

 

دوره في تحقيق التراث اللغوي:

كان مما حققه كتاب نحو القلوب الصغير للإمام عبد الكريم القشيري، الدار العربية للكتاب بليبيا وتونس، 1977. ثم كتاب نحو القلوب الكبير، للإمام عبد الكريم القشيري، عالم الفكر، 1994. وقد أتيح لي أن أصدر هذين الكتابين معًا في مجلد قيم عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكان أستاذنا قد تفضل بالإلحاح عليّ أن أكتب مقدمة هذا المجلد، ولكني ظننت أن نشرهما بدون مقدمة هو الأولى، وربما كنت مخطئًا، فقد كان هذا العمل الجليل ولا يزال بحاجة إلى من يعترف له بالفضل فيما تناوله محققه من علم وفهم.

 

عضويته في المجمع اللغوي

انتخب الدكتور أحمد علم الدين الجندي عضوًا في مجمع اللغة العربية عام 1999، في الكرسي السابع والعشرين الذي خلا بوفاة الدكتور إبراهيم عبد الرازق البسيوني، وكان قد عمل خبيرًا بلجنة اللهجات وبلجنة الأصول منذ 1977.

 

من بحوثه اللغوية المنشورة في مجلة المجمع:

– التميميون ومكانتهم في العربية، ج 25.

– نصوص من التراث اللغوي المفقود، ج 26.

– من الآثار اللغوية المفقودة في ضوء المنهج الوصفي، ج 27.

– في الجانب الإحصائي اللغوي، ج 28.

– دراسة في حركية عين الكلمة الثلاثية، ج 29.

– دراسة في صيغتي فَعَل وأَفعل ج 32.

– التعاقب والمعاقبة من الجانب الصوتي الصرفي، ج 40.

– في الإعراب ومشكلاته، ج 42، 44.

– في التركيب اللغوي، ج 71، 72.

– الغمغمة، بحث قدم إلى لجنة اللهجات، 1979.

– من الخصائص اللغوية لقبيلة هذيل، لجنة اللهجات بالمجمع، نشر في مجلة المجمع، الجزء 47.

 

جائزة جامعة القاهرة

ولدوره التعليمي والعلمي البارز نال الدكتور أحمد علم الدين الجندي جائزة التقدير العلمي من جامعة القاهرة عام 1998.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة