الشدة المستنصرية وفيروس كورونا وانهيار النظام العالمي!

قبل الشدة المستنصرية "التى تعتبر أطول وباء عرفته مصر طوال حكمها الإسلامي" كانت الدولة الفاطمية في ذلك الوقت أعظم دولة إسلامية من حيث القوة والاقتصاد والأمن والرخاء والمساحة وامتد سلطان الفاطميين في القسم الأول من حكم المستنصر على بلاد الشام وصقلية وشمال أفريقية، ودعى للمستنصر من على منابر مكة والمدنية، كما دعا له حاكم اليمن على بن محمد الصليحى من على منابرها سنة 442هـ.

ولأول مرة في عهد المستنصر، يدعى لخليفة فاطمي من على منابر بغداد والبصرة وواسط وجميع بلاد العراق دون الخلفية العباسي، فلقد دعى للمستنصر هناك سنة 451هـ لمدة عام وخطب له بأمرة المؤمنين، دعا له أبو الحارث البساسيرى في أعقاب نجاح ثورته في العراق ضد الخليفة العباسى القائم بأمر الله، وكادت الدعوة الفاطمية تقضى على الدعوة العباسية في هذه البلاد معقل العباسيين، لولا أستعانة الخليفة العباسي بالأتراك السلاجقة ودخول قائدهم طغرليك إلى بغداد وقتله البساسيرى وإيقاف الدعاء للفاطميين بعد أن دعى لهم ببغداد وخطب في أربعين خطبة.

وفي الفترة الثانية من حكم المستنصر انفصلت عن مصر بعض البلاد التابعة لها، فانفصلت عنها بلاد شمال أفريقية حين أسس بنو زيرى الصنهاجى دولتهم هناك منذ سنة 362هـ وأتسعت بعد ذلك، كذلك حين أسس بنو حماد دولتهم في الجزائر سنة 398هـ وعملوا على توسيع هذه الدولة خلال حكم المستنصر، كذلك خرج عن يدهم حكم جزيرة صقلية حين استولى عليها النورمان بقيادة روجر النورمانى. وزالت سيادتهم من على الحجاز في سنة 462هـ حين دعا أمير مكة وأمير المدينة للخليفة العباسى القائم بأمر الله، بعد أن انقطعت أموال الفاطميين التي كانوا يرسلونها إليهم عنهم.

الشدة المستنصرية كانت سبب في ضعف وانهيار الدولة الفاطمية وانتهاء العصر الفاطمي الأول "عصر خلفاء الفاطميين الأول" الذى حكم فيه الفاطميون بتولى أمر الخلافة عدد من الخلفاء الأقوياء، الذين كانوا يجمعون السلطة كلها في أيديهم

وبرغم الخلاف السياسي بين الوزراء وتقلص سيادة مصر على البلاد التابعة لها إلا مصر تمتعت بالأمان والرخاء آنذالك، غير أن هذا الأمن والرخاء لم يستمر بسبب الأزمة الاقتصادية والمجاعة الشديدة التى تعرضت لها مصر في عهد المستنصر، وعرفت في التاريخ الإسلامي بأسم "الشدة المستنصرية" التى تعتبر أطول وباء عرفته مصر طوال حكمها الإسلامي. وكان سبب هذه الشدة توقف فضيان نهر النيل مدة سبع سنوات (من سنة 457هـ – 464هـ) متصلة، الأمر الذى أد إلى أنعدام الزراعة وخراب البلاد وموت أهل مصر جوعا وانقطاع النيل، وقد تخلل تلك المجاعة أعمال السلب والنهب وعمت الفوضى، واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد فيها الناس شيئا يأكلوه فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارا ذهبا.

ويقول أبو المحاسن عن الشدة التي ضربت مصر في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي بين عامي ٤٥٧ و٤٦٤ هجرية "وجلا عن مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحدّ، والجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا، فإنّه مات أكثر أهل مصر، وأكل بعضهم بعضا. وظهروا على بعض الطبّاخين أنّه ذبح عدّة من الصّبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأُكِلَت الدوابّ بأسرها، فلم يبق لصاحب مصر، أعنى المستنصر، سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابّة. وبيع الكلب بخمسة دنانير، والسّنّور بثلاثة دنانير. ونزل الوزير أبو المكارم وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلّا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها، فأُخِذُوا وَصُلِبُوا، فأصبح الناسُ فلم يَرَوُا إلّا عِظَامَهُم، أَكَل الناسُ في تلك الليلة لحومَهم".

وذكر ابن إياس من العجائب التي لا يصدقها عقل زمن تلك المجاعة، ومنها: أن الناس أكلوا الكلاب والقطط، وكان ثمن الكلب الواحد خمسة دنانير والقط ثلاثة، وقيل كان الكلب يدخل البيت فيأكل الطفل الصغير وأبواه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعه عن ولدهما من شدة الجوع والضعف، ثم اشتد الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه أحد من الناس، وصار الناس في الطرقات إذا قوى القوى على الضعيف يذبحه ويأكله. وذكر كذلك أن طائفة من الناس جلسوا فوق أسقف البيوت وصنعوا الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه.

وبسبب الاضطراب والفوضى التي عمت البلاد، أرسل الخليفة المستنصر إلى أمير الجيوش بدر الجمالى حاكم عكا يطلب منه المجئ لانقاذ الخلافة والبلاد، وقبل بدر الجمالي طلب المستنصر وجاء إلى مصر، فقلده الخليفة الوزارة وأعطاه السلطة المطلقة والحرية التامة في إدارة أمور البلاد ورأب الصدع الذى تعرضت له، ونجح بدر الجمالي بفضل حسن تدبيره، وبفضل عودة مياه النيل إلى طبيعتها الأولى وجريان الفيضان السنوى، نجح في إصلاح الحال ووقف المجاعة وإعادة دولاب العمل إلى ما كان عليه قبل الشدة. وانفرد بدر الجمالى بالأمر إلى أن توفى فى خلافة المستنصر سنة 487هـ، وتوفى بعده المستنصر بستة شهور في نفس العام بعد أن عاش كالمحجور عليه مع بدر الجمالى ثم من بعده مع ولده الأفضل الذى حل في الوزارة مكانه.

الشدة المستنصرية كانت سبب في ضعف وانهيار الدولة الفاطمية وانتهاء العصر الفاطمي الأول "عصر خلفاء الفاطميين الأول" الذى حكم فيه الفاطميون بتولى أمر الخلافة عدد من الخلفاء الأقوياء، الذين كانوا يجمعون السلطة كلها في أيديهم، خلافا عن العصر التاني من حكمهم الذى تحكم فيه الوزراء في الخلفاء وكانت للوزراء فيه كل السلطة فعرف بعصر الوزراء العظام. وكانت سبب في بداية العصر الفاطمي الثاني "عصر نفوذ الوزراء وزول الخلافة الفاطمية" وأخذ الضعف يدب في جسم الدولة الفاطمية في عصرها الثاني، وأستاثر الوزراء فيها النفوذ والسلطان، وأصبح الخلفاء مسلوبي السلطة مع الوزراء، وقد حرص هولاء الوزراء على اختيار خلفاء صغار ضعاف يستطيعون أن ينفذوا في ظلهم ما يريدون من سياسة ويكون لهم النفوذ الفعلي في البلاد، حتي عرف هذا العصر الثاني من حكم الدولة الفاطمية بعصر نفوذ الوزراء، لقد أدى الصراع بين الوزراء في أواخر أيام دولة الفاطميين إلى نهاية الدولة وزول الخلافة الفاطمية بعد حكم تعدى القريين من الزمان.

فهل سيكون فيروس كورونا سبب في انهيار النظام العالمي وتغير شكله؟! هل سنصبح على أبواب نظام عالمي جديد بعد إنتهاء هذا الوباء؟! الإجابة لا نعلم.. لكن المؤكد أن العالم ما بعد الكورونا لن يكون كما كان قبل..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة