فيروس كورونا.. عندما لا تعترف الطبيعة بالحدود البشرية!

تضرب جائحة متطورة من سلالة الفيروسات التاجية ذات الارتباط الحيواني العالم البشري، محدثة سحابة رعب مظلمة فوق بلدان بدأت تمتحن قوة هذه الفصيلة من "كوفيد-19″ المعروفة باسم" كورونا"، ومخلفة وراءها الآلاف من المصابين والضحايا بعد تردد دولي لإعلان حالة الطوارىء من طرف منظمة الصحة العالمية، وفي ظل موجة الذعر التي أصابت العالم بأجمعه، كان على الصين بلد منشأ الفيروس أن تخطو قدما وحدها من دون مساندة دولية لاحتواء انتشار العدوى داخل منطقة ووهان بؤرة الوباء، ومع ما صاحب عملية الحجر الصّحي من انتهاكات حقوقية تناقلتها وسائل إعلامية ومواقع تواصل اجتماعية، وقمع السّلطات الصينية وعدم استجابتها للأطباء المحليين الذين اكتشفوا ماهية وباء كوفيد-19 وخطورته، كما أنّ المخاوف من التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي والحرب التجارية المعلنة من الولايات المتحدة الأمريكية، ألقى الضوء على الممارسات القمعية للنظام الصيني والمستويات المتدنية لحرية الأفراد، في حين تنشط الأسواق الموبوءة بمخلافات الرأسمالية المتداولة "كمجتمع نقدي" بعيد عن حاجات الإنسانية وضروراتها الطبيعية.

وعلى ضوء التصرحيات المتضاربة عن فيروس كورونا الذي يغزو بلدانا أوروبية وأفريقية، وانتشار الخوف الفردي بسبب ارتفاع مؤشر الوفيات الناجمة عنه، استرجع نشطاء لوحة انتهاكات النظام الصيني ضد أقلية الإيغور المسلمة، صور لاعتقالات تعسفية ومعسكرات تعذيب ممنهجة، إلى جانب مشاهد حصار مرعب لمدن بأكملها لأقلية الإيغور والحجر عليها؛ تزامن مع إقرار الصين لسلة من القوانين تبرر استحواذها على ممتلكات الأقلية المسلمة، موجة نزوح هائلة نحو أوروبا بعدما أعلنت تركيا فتح الحدود البرية والبحرية والسّماح للنازحيين بالعبور إلى إيطاليا، قابلتها المفوضية الأوروبية بالصمت المخزي على إغراق خفر السواحل اليوناني لقارب ينقل عشرات النازحين، وصور المهاجرين العراة على الحدود اليونانية.

تعتبر الحالة النموذجية المرضية (عدوى الاستهلاك) المتداولة لضمان استقرار "السّلامة الذاتية" من الانتكاسات الاقتصادية (عولمة الخوف)، فالعمل على إعادة صياغتها للهواجس المتخيلة تتداعى أمام القمع الإعلامي للشركات المستنزفة للثروة

إنّ تفسير الظاهرة القمعية المشتركة بين الصين واليونان كحالة غير صحية يعيشها النظامين المتأزمين تجاه عملية انتقال "عدوى التحرر" مرتبط بتبرير التجاوزات الأخلاقية لكلا الدولتين، الصين رفضت الإنصات للتحذيرات الطبية وتمادت في "الحجر الإعلامي"، والغرب ممثلا في اليونان تأرّقه الأسئلة الحضارية ونوزالها الممتحنة له، فما من مشكلة لديه أن تمارس "الأنظمة البروميثيوسية" لعبة القتل والخوف بالنيابة عن الإله، فحرية التنقل والتعبير تحدث بؤرا تنفلت بموجبها المكامن البشرية المحبوسة في صندوق بندورا، فالطبيعة لا تعاقب النظام الصيني فحسب بالتمرد على تغوّله في الاستهلاك، فحروبها الجائحة شملت شعب الإيغور الذي يعاني الابادة والتهجير، بينما يعزل الغرب نفسه عن "القيم الانسانية" بقوانين تلخص خوفه وتجرده من "المسؤولية الأخلاقية".

كيف يتم العمل على استبدال الخوف البشري بالطبيعي؟

ومثلما تتنوع أشكال الحياة وتختلف خرائطها البيولوجية، فإنّ ردة فعل الطبيعة في مجابهة التوغل الاستهلاكي للبشر، دفع بالإنسانية لإيجاد حلول استعجالية للحد من هجماتها المرعبة، ففيروس كوفيد-19 المهدد لاستقرار الحياة البشرية المنتمي للعائلة الوبائية، لا يقارن مع آلة الموت والقمع ذات الارتباط الوثيق بهوس الانسان في القتل، تتسبب بها مخاوفه من فقدان ما يملك، ورغبته المستعصية على الترويض واللجم، وبما أنّ البشر مختلفون لدرجة الاقتتال على حدود جغرافية وهمية، فقد طوقوا عنق "التفكير المستمر في البحث عن الحقيقة" بمحفزات أيديولوجية وتاريخية جاهزة الاستخدام، تنشطر إلى "قنابل هوياتية" من الصعب تحديد حجم الخراب الذي قد تحدثه، مع أنّ الخوف المصاحب لعمليات الإبادة الفيروسية للطبيعة تستهدف النظام المناعي الذاتي للإنسان الذي يرصد العناصر المشبوهة الباحثة عن مخازن بيولوجية مواتية لتطوير دفعاتها، كما أنّ الهجمة الصّامتة للفيروسسات تخلق "الحاجة التوعوية" المستعجلة عكس ما تخلفه الزلال من تضامن اجتماعي.

وقد أثبتث البشرية في كثير من الأحيان عجز علومها عن السيطرة على حركة الطبيعة المستمرة، وضعف الإنسان الأبدي الجسدي والروحي في قهر ومجابهة آلة الموت، إلا أنّه يجنح إلى العمل على توسيع دائرة "الخطر المشترك" الذي تنشئه "الإرادة المغايرة" لردع هيمنة الطبيعة على الإنسان، فالصراع القائم بين الحدود "الإنسانية والطبيعية" ناجم عن رغبة متداولة للسطو على "حركة الأشياء" والعمل على خصخصتها واقتيادها، ببرامج تشبه دورة إنتاج سلالة معينة من نمط الحياة القائمة لمجموعة طبيعية ما، فكون الأمراض العدو التاريخي للإنسان تؤول بنا إلى حقيقة تكويننا الجسدي والروحي، ولا تزول بذهاب العالم ما دام أصل التواجد البشري مرتبط بضرورات تاريخية ترسمها مسيرة الحياة والموت، هاتان البدايتان حددتا لنا الهواجس والمخاوف حول حرية الانسان للانعتاق عمّا لا يقبل التعايش معه.

تعتبر الحالة النموذجية المرضية (عدوى الاستهلاك) المتداولة لضمان استقرار "السّلامة الذاتية" من الانتكاسات الاقتصادية (عولمة الخوف)، فالعمل على إعادة صياغتها للهواجس المتخيلة تتداعى أمام القمع الإعلامي للشركات المستنزفة للثروة، وبسبب تغلغل البشرية الموحش في استغلال الطبيعة واستنفاذ مقوماتها، بما يتوافق مع "أطماع البشرية" المتنامية عبر مسيرة الانسان التاريخية المحفوفة بالهزائم والانتكاسات، والاستنزاف المفرط للثروات وإهدار البيئة الحيوانية من دون مراعاة خصوصية المجتمعات المحافظة على توازن الطبيعة، فإنّ العالم يشاهد عواقب "الإرهاب البشري" المهدد للطبيعة بخلق المزيد من "الاستثناءات الذاتية" لتمسك الإنسان بما لا يملك أسبابه، وعلة تفشي الصراعات وانتشار الحروب وانتقال العدوى الاستعمارية وتراجع مستويات الحرية، هو عدم إدراك البشرية لحدود شرورها والتمادي في اعتداءاتها المستمرة، متغافلة عن سيرورة الطبيعة وتحولاتها الكثيرة المحيطة بنا، فخوف الإنسانية من "عبث الطبيعة" بالمنظومة البشرية وقوانينها، متلازمة مع رغبة اقتصادية بالسيطرة وفرض نظام سائد.

الحرية بوصفها أكبر تهديد للبشرية

لقد استحوذ اهتمام الانسان بالطبيعة على مختلف العلوم التي اخترعها طيلة مسيرته التاريخية، دون أن يتحرر من سطوة العناصر المكونة للعالم الذي يعيش به، تلك العلوم التي اخترعها لنفسه على حقيقة فاعليتها ونتائجها، بقيت عاجزة عن "استحقاقات أخلاقية" لتسجيل مواقف إنسانية ضد الرغبة الجامحة للبشرية في السيطرة على العالم وتقليم حريات التعبير والحد من الاختلاف الذي يرسم طرق التنوع والنمو، وها هي الإنسانية جاثية متحسرة تشاهد أعداد القتلى المدنيين والمهجرين من ديارهم، مسلّمة ما تبقى من قيم حضارية وأخلاقية لتسوية "الرهانات اللحظية" بما يتوافق مع بؤس التنمّر النيوليبرالي ومؤسساته الاستغلالية وحساباتها الأيديولوجية المتهاوية بورصاتها بتمرد الطبيعة.

إنّ ما أظهره وباء كوفيد-19 مع بدايات انتشاره، من تخطي العلاقات الاجتماعية والتضامنية بين المجموعة الدولية، وعزوف هيئات نافذة عن ضخ كميات فاعلة لقرارت تحفظ البيئة الحياتية للفرد والمجتمع كما فعلت دول اجتاحها الوباء، وضبابية حول موقف التفكير البورجواي في تحجيم الوباء والعمل على تقليل الخسائر التي يمكن أن ترتفع تكلفتها بسبب تهور بعض الأنظمة السياسية، لهو دليل على أنّ العالم ما زال يتقاسم "البؤس الأخلاقي" جراء التراكمات التاريخية المنضوية تحت لواء المعرفة الموبوءة بمتلازمة ليبارتيفويا، فالعالم لم يكن على شفا "اضمحلال ثوري" لولا أنّ المنافسة الأنانية المستبيحة للشر العالمي تقرر مصير ملايين الناس بدل مجموعة عنيدة يستهويها تمسكها بالعدالة الانسانية، كما أنّ التزامات البشر تجاه الحرية باتت حبرا على صفحات تنفث سمومها ضد دعوات تحصين ثورة الانسان على الطبيعة (وكياناته)، أصبح العالم يعيش حالة قلق وخوف مرعبين بسبب أنظمة فشلت في بناء مراكز "استشفاء أخلاقية" تواجه بها المستجدات الصّعبة ورهاناتها، بدل تخصيص المليارات في مراقبة ألوان المجتمع المتعددة.

إلى اليوم تعتبر حركة الفيروسات مصدر خطر للتواجد البشري مع تنوع انتقالها وعدم إدراكنا للجغرافيا التي يمكن أن تأخذ منها قوتها وحاضنتها، لذلك تبحث "المعرفة الإنسانية" إجراءات التقليل من "طغيان الطبيعة" ومهادنتها، للاستحواذ على التهديد المترتب عن حركة الأشياء وحرية انتقالها، وهذا متعلق بطبيعة البشر المتمسكة بحب الأشياء والخوف من فقدانها، إلا أنّ المعرفة البشرية استفاقت على تهافت مادي نتيجة "استغلال شرط الحرية" لعولمة نشاط استعماري يخالف "الضرورات التاريخية" التي ترسم معالم أخلقة العالم البشري، ولولا تدخل الإنسان واختلال "قانون العلاقات التبادلية"، وطغيان طموحاته المغيرة على التوازن الطبيعي، ما كنّا لنشهد المؤتمرات الدولية المنادية للاستصلاح وتخفيض مستويات انبعثات ثاني أوكسيد الكاربون.

في وقت يتراجع فيه مؤشر الحرية ببلدان العالم بشكل مخيف؛ بمقدور الطبيعة أن تحاصرنا كما لو كنا سجناء حرب مستمرة، لكنها لا تقوم باستغلال المآسي الانسانية التي تخلفها، فهي تدرك طبيعة وظيفتها الحياتية في استمرارية عالمنا. ليس "كوفيد-19" بدعا من سلالة فيروسية فتكت بالبشرية طيلة قرون خلت، فالإنسانية تعلمت كيف تجاري هجمات الطبيعة العنيفة، وهي تخطو قدما نحو آمالها، وإذا كان مخطط لشعوب العالم العيش ضمن حالات الخوف من الحرية وتلخيصها "بمراصد لحقوق الإنسان"، فلا ضير من أن تنقاذ كل أمة نحو هلاكها الحتمي محشورة في زنازين صنعتها بأيديها، من دون أن يلتمس لها العالم تضامنا أخلاقيا، فجراح الحرية وآلامها باقية ما صنعت الإنسانية مجدها الأبدي.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة