كيف تأسِرنا "الموضة" في عصر الحريات

ليس من السهل أن نطلع على خبايا أنفسنا ونفهم الدوافع والمتغيرات التي تحكم انقباضات النفس وميولاتها نحو الأشخاص أو الأشياء المحيطة بنا سيما وأن فعلنا القلبي فعل قسري لا نملك تجاهه أي خيار لقبوله أو رده بل إنه يباغتنا فلا نشعر به إلا وهو متوغل في وجداننا، مع أنه في واقع أمره لا يخلو من قوانين خفية تكمن وراء وجوده؛ تحكمه وتوجهه وتفرض عليه سلطتها كما يفرض هو علينا سلطته بعدما يستقر في نفوسنا.

   

فعندما نحب أشخاصا أو أشياء أو أفكارا أو نمط عيش معين لا شك أنه يكون لهذا الحب أسبابه كما أننا عندما نكره أمورا أخرى يكون لهذه الكراهية أسبابها، ومن العبث أن نحب دون تواجد دواعي الحب أو أن نكره دون تواجد دواعي الكراهية، غير أننا في الغالب نكون غير واعين بهذه الدواعي فنكتفي بتقرير ميولات النفس أو انقباضاتها دون أن نحاول تفسيرها أو نسأل لماذا وكيف حصلت إيمانا منا بأن الأذواق والمشاعر لا تفسير لها.

  

مما يلفت انتباهي كثيرا في هذا السياق وأحببت أن أناقشه مع زملائي القراء هو ما تقوم به الموضة العالمية من استمالةِِ لذائقتنا الجمالية واستغلال مفرط لميولاتنا النفسية وكسْب لامشروع لمشاعرنا البريئة، فأضحت تؤطر شبابنا وشاباتنا تأطيرا تاما وتصنع فيهم أذواقا استهلاكية فتجعل منهم محلا لاستثماراتها الثقافية كتوطئة مهمة لاستثماراتها الاقتصادية، حتى أنهم أوشكوا على فقد أذواقهم الطبيعية بعدما زاحمتها أذواق شبه اصطناعية، ولا أقصد بالموضة هنا معناها الضيق الذي يقتصر فقط على الأزياء أو أنواع من الألبسة وإنما أقصد معناها الواسع الذي يشمل نمط عيشنا بالكامل سواء على المستوى الفكري أم على المستوى السلوكي.

 

إذا كانت الموضة غالبا ما تتربص بالجماهير وتستقطب رموزها للقيام بالعمليات الإشهارية فلأن ذلك يسهل من عملياتها الإقناعية كثيرا؛ إذ من أبرز ما يميز الجماهير هو طغيان الجانب العاطفي الذي يتمثل في سرعتها الانفعالية/التأثُّرية

فمن المعلوم أن الذوق البشري تتداخل فيه مكونات طبيعية تتعلق بالجينات الوراثية والبيئة الجغرافية للفرد، ومكونات غير طبيعية ترتبط بالبنية الثقافية للبيئة الاجتماعية، غير أن هذه الأخيرة إذا كانت لا تستطيع أن تفرض ذاتها في ظل الصراع الثقافي الذي يعرفه المجتمع الإنساني المعاصر أو على الأقل تستطيع مواصلة المسير فيه فإن أهلها يستعيضون عنها بثقافة الآخر وعيا منهم أو بغير وعي لتعويض عقدة النقص التي تنشأ فيهم بسبب الهزيمة النفسية والحضارية التي تلحقهم حينها، بغض النظر عن القيمة الذاتية لكل من الثقافتين الأصيلة والبديلة، لأن قيمة الشيء بالنسبة لنا لا تكمن فيما هو عليه في واقع أمره وإنما تكمن فيما نعتقده نحن فيه، سواء كان اعتقادنا هذا مطابقا لواقع هذا الشيء أم مخالفا له، فقد يكون الأمر ذا أهمية في ذاته لكنه بالنسبة لنا لا قيمة له، كما قد يكون تافها في ذاته لكننا نعتبره ذا قيمة رفيعة، وهكذا.

 

وعلى إثر هذا التحول الذي يعرفه المجتمع تتشكل أذواق جديدة تعكس مدى التأثر بالنمط الثقافي الجديد، لذلك فحينما تميل نفوسنا لنمط عيش معين ليس بالضروري أن يكون له مزايا ذاتية لا توجد في غيره بل يكفي أن نعتقد أنه كذلك، والعكس صحيح حينما تنقبض نفوسنا عن أنماط أخرى، فلا يعني أنها لا تتمتع بمزايا ذاتية بل يعني أننا نعتقدها كذلك فحسب.

 

وهنا يكمن دور الموضة بالذات؛ حيث تهدف إلى إقناعنا بأن الأنماط والنماذج والأفكار التي تعرضها عبر مختلف منابرها الإعلامية عن طريق المشاهير من الفنانين والرياضيين والإعلاميين تكون دائما هي الأفضل، وسرعان ما تنجح في عملياتها الإقناعية هاته بفضل ما تستخدمه من وسائل إقناعية متطورة تعمل على كسب العامل العاطفي للإنسان، مستفيدة بالدرجة الأولى من الأسلوب الإشراطي في علم النفس الذي يعتمد في عملية الإقناع على عاملي الاقتران والتكرار؛ بمعنى أنها حينما تريد الإعلاء من شأن فكرة أو شيء ما فإنها تقرنه بما هو محل تفضيل وتعظيم لدى الناس المرادِ إقناعُهم، ثم تستمر في عرضه مرات عديدة حتى يستقر في لاوعي المتابع أنه فعلا الأفضل، مع أنه في الغالب الأعم لا يستقي هذه الأفضلية من ذاته وإنما مما قرن به.

 

وإذا كانت الموضة غالبا ما تتربص بالجماهير وتستقطب رموزها للقيام بالعمليات الإشهارية فلأن ذلك يسهل من عملياتها الإقناعية كثيرا؛ إذ من أبرز ما يميز الجماهير هو طغيان الجانب العاطفي الذي يتمثل في سرعتها الانفعالية/التأثُّرية؛ فحينما ينخرط الواحد منا في تجمع جماهيري ويتماهى بعالمه العاطفي فإنه يصير مدفوعا بتيار مغناطيسي خفي، فيعجز بالمرة عن عقلنة أفعاله النفسية ونقلها من حيز اللاوعي إلى حيز الوعي، فيجد نفسه ميَّالة إلى بعض الأمور أو منقبضة عن أخرى لا لشيء إلا لأن موقف جمهوره كذلك!

 

  صحيح أن الإنسان بطبيعته ميال إلى الجمال، إلى الفن، إلى الموسيقى، إلى كل ما يحقق له السعادة والمتعة في الحياة، لكن حينما تكون هذه الأمور ثمَنا للتقييد من حريتك ولجعلك ضحية للغزو الثقافي الذي يعمل على محو هويتك الثقافية وتعويضها بثقافة الطبقات المهيمنة تحت مسمى التقدم والحضارة، فهذا مما يستوجب عليك الحذر كل الحذر، وألا تخلط بين ما هو تقدم فعلا وبين ما يحسب عليه زورا وبهتانا، وأن تستحضر مسؤوليتك الكاملة تجاه أفعالك القلبية وميولاتك النفسية، فلا يليق بك أن تغفلها حتى تحدد وجهتها على حسب المؤثرات الخارجية الفاعلة فيها، ثم تبرر تبعاتها السلوكية فيما بعدُ على أنها نتاج فعل قسري أو أن الأذواق والمشاعر لا تفسير لها أو ما شابه ذلك من المبررات الانهزامية.



حول هذه القصة

القراءة تمكن الفرد من معرفة نفسه واكتشاف كيانه الداخلي، ومعرفة مشاعر الآخرين والتمييز بينها بهدف إدارتها من أجل حوار إيجابي وفعال مع الآخر، ذلك الحوار الذي يتسم بالجدية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة