العلامة الدكتور كمال بشر ذروة المنهجية في العقل العربي الحديث

كان الدكتور كمال بشر إنسانا جاداً صارما لا يخلو من خفة الدم، وخفة الحركة، وكان يجمع بين حكمة الشباب وحكمة الشيوخ في مزيج نادر، فهو حريص على أن يحقق كثيراً مما لا يُحققه إلا الشباب باندفاعهم وحماسهم وقدرتهم على العمل المتصل، وهو حريص أيضاً على أن يكون لاختياراته وقراراته طابع التريث الصادر عن حنكة الشيوخ وحكمتهم المتراكمة على مدى السنوات، وقد كانت سنوات عمره الممتدة بمثابة دافع له ولم تكن بمثابة العبء عليه، وما وجدت في حياتي إنسانا جعل تراثه قوة دافعة له إلى الأمام مثل ما كان الدكتور كمال بشر.

ولعل السبب في هذا أنه ظل في كل قراراته وتوجهاته ينطلق من عقيدة واضحة حتى لو كانت في نظر المقربين منه خاطئة، وينتصر لوجهة نظر محددة حتى لو لم تكن هي وجهة النظر التي تستحق أن ينتصر لها، وهكذا فإنه كان رغم صلابته قادراً على إنجاز أعظم ما يمكن لأصحاب الآراء أن يمارسوه، وهو تصويب آرائهم مع اكتشاف الحقيقة، حتى وإن لم يكن قادراً على اكتشاف الحقيقة من البداية في كل الحالات التي وصل فيها إلى ما يمكن لمحبيه أن يصفوه بأنه نموذج الخطأ العابر. أما منهجية الدكتور كمال بشر فهي جزء من تكوينه، فهو لا يستطيع أن يعيش بلا منهج، ولا أن يقرأ بلا منهج، ولا أن ينقد بلا منهج، ولا أن يراجع بلا منهج ولا أن يوافق بلا منهج، ومع أنه شهد بعينيه وقلبه بدايات عصر موت المنهج فإنه كان قادراً على استبقاء حب المنهج والدفاع عنه.

 

على الرغم مما كان الدكتور كمال بشر مشهورا به من الحرص على التجهم ما أمكنته الظروف فإنه لا شك في أنه تمكن من الحصول على حب تلاميذه وطلابه، حتى وإن بدا هذا صعبا مع ملمسه الأصعب

نعم.. كان الدكتور كمال بشر من المنهجيين العظماء النادرين، وكان في كل حديثه عن آرائه وتوجهاته معتزاً إلى أبعد حدود الاعتزاز بمنهجيته حتى فيما أخطأ فيه، وكان محقا في نظرته إلى نفسه في هذه الجزئية لأنه كان يصوّب الخطأ علانية على نحو ما كان قد وقع فيه علانية، وهكذا فإنه كان يستحوذ على احترام الجميع له ولمنهجه، ولسلوكه، بل إنه بهذا السلوك الحريص على المنهج ارتقى إلى ما يقرب ممن نُسمّيهم في العلم وتاريخه بأصحاب المذاهب فأصبح له ما يُشبه المذهب الواضح الحدود والمعالم في كل قضية عالجها أو مرت به، بل أصبح له ما يشبه المذهب الواضح الحدود والمعالم في حكمه على كل شخصية يتعامل معها، أو تتعامل معه، وهكذا كنت تجد من حوله ما بين عدو صريح له، وصديق صريح له، ولم يكن هناك من يتحدث عنه بصيغة المحايد، ولعله كان الوحيد في جيله كله الذي حظي بثمرة هذه الخاصة النادرة من وضوح الرأي في العلاقات الشخصية إلى الحد الذي جعل الرأي مذهبا، وأظنه كان واعيا لهذا الذي فعل بإرادته في عصر متميز كان عليه فيه أن تكون له شخصيته القوية الصارمة في ظل جيل من الدراعمة من العصاميين النوابغ الذين جمعوا قدرات ذهنية عالية وأعطوا العلم أنفسهم.

وكان لا بد له أن يتميز ليكون على سبيل المثال صنوا مقاربا لزميله الذي يسبقه بثلاثة أعوام وهو الدكتور تمام حسان بكل ما يمثله تمام حسان في علوم اللغة، وليكون صنوا أيضا لزميله الذي يليه في التخرج بعامين وهو زميله اللامع أحمد هيكل بكل ما يمثله أحمد هيكل من اللمعان الثقافي والأدبي والشبابي في مجتمع متغير مع ثورة 1952 ثم مع مراحلها المختلفة. وكان على الدكتور كمال بشر أن ينافس زميله اللاحق الدكتور الطاهر مكي على ما كان يتمتع به من حب الأجيال المتواصلة من الدرعميين، ذلك أنه قدر له ولهذا الزميل اللاحق به بست سنوات أن يقضيا من حياتهما الأكاديمية أقل قدر من الإعارات (على خلاف العادة حيث كان الباقون يعودون من إعارة ليبدأوا إعارة أخرى) ومن ثم فإنه كان قادراً على أن يثبت وجوده كعمود لخيمة علوم اللغة يتصل حضوره حيث ينقطع حضور الآخرين بسبب إعارتهم مدة بعد أخرى، حتى وإن تقطعت هذه المدد، في جو الإعارات المتجددة هذا، كان هو وزميله يمثلان علامتين بارزتين لعلوم اللغة والأدب في هذه المعهد العريق الذي حمل راية الحفاظ على اللغة والأدب في عصور وصفت بأنها استهلاكية وكان القصد بهذا التعبير أنها مدمرة للهوية.

 

وعلى الرغم مما كان الدكتور كمال بشر مشهورا به من الحرص على التجهم ما أمكنته الظروف فإنه لا شك في أنه تمكن من الحصول على حب تلاميذه وطلابه، حتى وإن بدا هذا صعبا مع ملمسه الأصعب لكنه في واقع الأمر كان أدفأ وأنعم في علاقته بما يصادفه كالصوف الإنجليزي الذي كان يحبه، وليس من قبيل الخروج على النص أن اذكر أنه كان لا يرتدي إلا الصوف الإنجليزي حتى بعد أن توقفت صناعة الصوف الإنجليزي تماما وتحول الإنجليز أنفسهم إلى الصوف المخلوط، لكنه لم يكن يصدق أن هذا مخلوط، وأذكر أنه ظل يجادلني في هذا إلى أن أكدت بكل الوسائل من أن مصانع الصوف الإنجليزي تركت مبدأ الصوف الطبيعي على نحو ما تركت مصانع أخرى مبادئ الجلد الطبيعي وغيره، وقد سجل أستاذنا الدكتور حامد طاهر في إحدى مداعباته الشعرية هذه الحقيقة فقال في إحدى شطرات أشعاره إن الدكتور بشر لا يرتدي إلا الصوف الإنجليزي، ويلازمه ملازمة الصديقِ العزيزِ.

 

كان الدكتور كمال بشر أستاذاً بالمعنى الحرفي والكلي لكلمة الأستاذية، وكان أستاذاً في المستويين اللذين يندر أن يجتمعا في أستاذ واحد إلا إذا رزق بالغرام المفتون بالأستاذية وتسلطها وهو الغرام الذي لا يعدله غرام آخر، نعم ، كان الدكتور كمال بشر من النوادر الذين عرفت فيهم هذا الغرام القاتل بالأستاذية في مستوييها التلقيني والمنهجي، فكان قادراً على أن يؤدي المحاضرة التقليدية للطلاب من أي مستوى فلا يخرج من المحاضرة إلا وقد حفر في وعيهم الأخاديد لجوهر العلم الذي يريد أن يوصله لهم، وجعل هذه الأخاديد جزءاً من عقول هؤلاء المتلقين سواء كانوا طلاب مرحلة جامعية أو دراسات عليا أو دراسات مهنية أو حتى ما قبل ذلك من طلاب التعليم العام.

 

وفي هذا المقام نستطيع أن نذكر مسئوليته الأكاديمية عن معهد تدريب الإذاعة والتلفزيون، وعن الاختيارات النهائية للمذيعين والمذيعات في العصر الذي سبق عصرنا الذي نعيشه، والذي يرفع شعار "ميكروفون لكل مواطن"، وكان الدكتور كمال بشر يؤدي في هذا المعهد وفي مؤسسة الإعلام تلك الوظيفة الانتقائية الإشرافية التي كان ينهض بها قبله الدكتور محمد مهدي علام، وقد حدثته في ذلك ذات يوم فلمعت عيناه، وبخاصة أنه شغل منصبي أمين عام مجمع اللغة ونائب الرئيس مثلما حدث مع الدكتور محمد مهدي علام وقال لي يومها ما لم يقله لأحد غيري وهو أن مهدي علام قال له وهو يعهد إليه بخلافته في إحدى المسؤوليات المبكرة "أنت مهدي علام!!" ومن الطريف أن الفارق في الرجلين في العمر كان عقدين من الزمان بالتمام والكمال ولد مهدي علام 1900 وولد كمال بشر 1921 وهو نفسه الفارق بين كل زعامتين طبيعيين تتواليان على رأس أمر من الأمور فهو الفارق بين سعد زغلول والنحاس وهو الفارق أيضا بين نهرو وغاندي، وهو الفارق بين على الجارم المولود ١٨٨١ وبين مهدي علام كما أنه الفارق بين الدكتور كمال بشر وخلفه الدكتور حماسة الذي ولد ١٩٤١.

 

كان الدكتور كمال بشر، بالإضافة إلى هذا كله، يملك كل مقومات النجاح في الإدارة الحديثة فقد كان بطبعه وعلمه يجيد التخطيط وهكذا كان من الممكن له أن يضع من القواعد الكفيلة بتسيير المؤسسات العلمية الشبيهة بالمجمع

وكما كان على كمال بشر أن يثبت نفسه في مواجهة مرجعية مهدي علام وعملقة تمام حسان وألمعية أحمد هيكل ومحبوبية الطاهر مكي فقد كان مطالبا في محيط الجامعة بأن يقف بدار العلوم الموقف الذي يليق بها في عصر الرئيس السادات حين عادت للجامعة مكانتها ولكلياتها إسهاماتها، وهكذا نجح كمال بشر أن يضع عميد دار العلوم على الخريطة التي كانت تضم من لمعوا في المناصب السياسية العليا والأكاديمية المرموقة ممن زاملوه في مجالس الجامعة من قبيل الدكاترة حسن إسماعيل وصوفي أبوطالب وشفيق بلبع وطلبة عويضة ومحمد عبد الغني وإبراهيم بدران ومحمود درويش ومحمد فوزي حسين، ومحمد صبحي عبد الحكيم، وكان كمال بشر بين هؤلاء جميعا معروفا بأنه مسموع الكلمة، قوي الشكيمة، واضح الحجة، مُهاب الجانب. أما في محيط تخصصه فإن كثيرين من أبناء الوطن لا يعرفون علم اللغة إلا مرتبطا باسم الدكتور كمال بشر، ولا يعرفون طريقة النطق الصائب للأصوات إلا بطريقة الدكتور كمال بشر الرائعة في تمثيل نطقها المضبوط لتلاميذه مستخدما صوته ويده وقبضته ومكتبه، وكل شيء كفيل بأن يقرب المعنى ويخلق من المتلقي أستاذا يتمثل الأستاذ الأكبر.

 

ولست أنكر أن حبه للمنهجية والتزامه بها هو ما حببني فيه وحببني إليه، فقد بدأنا علاقاتنا بتوتر لم أعرفه في علاقتي بأحد قبله، وكنت أعجب من أن يصادفني مثل هذا التوتر بعد أن كنت قد نضجت، وهكذا استخرت الله جل جلاله أن أكون أقل توتيرا منه، وكنت بلا شك مخطئا إلى أبعد الحدود لكني سرعان ما اكتشفت خطأي حين شاركته العمل فوجدته لا ينحاز إلا للصواب، ولا يدفع الحق بالباطل وإنما هو حريص على الكمال، وهو لا يهمل الملحوظة الشاردة وإنما يتأملها فإذا وجدها صائبة تمسك بها حتى لو تنازل صاحبها عنها، وقبل أن تمضي ثلاث جلسات اشتركنا فيها معا كان بشجاعة لم أشهدها في حياتي كلها، قد غيّر رأيه وتوجهه نحوي تماماً، وإن لم يعبر عن هذا التغيير، منتظراً أن يختبر الفرضية الجديدة.

وقد بدأ يختبر الفرضية الجديدة وهو بعد الثمانين لكنه كان في اختباراته جاداً إلى أبعد حدود الجدية، وهكذا وجدتني من حيث لا أدري ولا أحتسب أكسب فيه الأستاذ والسند والصديق والأب والأخ والمعلم والمحامي والناصح والمحب الذي لا يعرف حدوداً للعطاء، وإني لأذكر بكل فخر أنه تابع علاجي فعلم أن صعوبة العلاج تكمن في يوم تعاطي الجرعة الأسبوعية فكان في ذلك اليوم من كل أسبوع يهاتفني ليطمئن على أنني اجتزت مرحلة الخطر، وكان في عنايته بالسؤال عني إذا تغيبت فجأة مضرب المثل المستحيل في الإخلاص والعطف والحنو، حتى إنني فيما بعد ذلك كنت إذا انتويت أن أغيب لسبب غير مرضي أستأذنه حتى لا يقلق من غيابي المفاجئ، فقد كان في عطفه أكثر من ملاك رائع ولا أقول أكثر من إنسان، كان أكثر من والد وأكثر من صديق، لكنه فيما بدا لي بعد هذا كان يفعل مثل هذا الذي لا يفعله إلا أولو العزم متمثلاً دوراً يجب عليه أن يقوم به على أوفى وجه لما يعتقده من مسئوليته عن شجرة العلم واللغة.

 

كان الدكتور كمال بشر، بالإضافة إلى هذا كله، يملك كل مقومات النجاح في الإدارة الحديثة فقد كان بطبعه وعلمه يجيد التخطيط وهكذا كان من الممكن له أن يضع من القواعد الكفيلة بتسيير المؤسسات العلمية الشبيهة بالمجمع ما يمكنها من تحقيق أهدافها على المدى الطويل من دون إرهاق أو خلق لأعباء موسمية. وكان يملك من القدرة على تقييم معطيات الأجهزة الحديثة ما يحميه من الوقوع في الأماني الكاذبة التي تنبني على وعود مندوبي المبيعات أو مديري التشغيل، وقد مكنه هذان الخلقان من أن يتعامل مع عصر المعلومات بقدرة لم تكن تتوافر لأحد ممن هم في جيله، وكان هذا انعكاسا لما وصفناه به في بداية حديثنا من جمعه بين قدرات الشباب وقدرات الشيوخ على نحو فريد.

 

أما ارتباط الدكتور كمال بشر بأصوله وعائلته وقريته فكان مضرب المثل في جيل كان من الصعب عليه أن يواصل مثل هذه العلاقات مع مشقة السفر وقسوة الانتقال وضيق الوقت وما أصبح يحيط بحياتنا من مصاعب الإهمال والتراخي، ومن العجيب أنه وهو الملتزم بكل قواعد الصحة أصيب بكسر عنيف مفاجئ في إحدى زياراته لقريته، بسبب ما عرف عن حياتنا المعاصرة من الإهمال والتراخي، ولم يكن له أي ذنب فيه.

 

مرّ الدكتور كمال بشر بمجموعة متوالية من الأزمات الاجتماعية التي كنت انا نفسي من أسبابها غير المباشرة حين بذرت بذورها في البداية المتوترة لعلاقتنا، وكنت أتألم بشدة من تدافع الأمور إلى ما وصلت إليه، وأخذت من هذه المحنة النفسية التي مررت بها درسا نفعني بعد هذا كثيراً، وهو ألا أعود إلى ممارسة أي نوع من عنفوان القوة أو الاستقواء على من هم أكبر مني من ذوي الفضل، حتى كان من عرفوني يسألونني عما غيّر طباعي المتحدية حين تستثار فأزداد ألما من كل مواقفي الغضة. ومع هذا فقد حاولت ما وسعتني المحاولة أن أكون وفيا له إلى أبعد الحدود هينا لينا مخلصا متحملاً، وكنت أود أن يكون له تكريم على يديّ بيد أن الانقلاب جاء فبدّد كثيرا مما كان يستحقه من كل الذي هو أهل له، وهو كثير.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة