هل نهدم مساجدنا للقضاء على الكورونا؟

"كنت أتمشى في الشارع وقلت لصحّبي ماذا سنفعل بكل هذه المساجد.." هكذا كتب السيدة على صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وزادت بأنها كانت محقة عندما قالت ذلك أثناء زيارة سابقة لبلدها الأم، واليوم تأكد ذلك مع اجتياح وباء كورونا العالم ولم ينفع مع تفشيه كثرة دور العبادة التي لم تقدم شيئا لإيقافه.

  

هذا النموذج من الناس منتشر هذه الأيام نرى كتاباته ونطالع نظرياته حول دور العلم والبحث العلمي والرعاية الصحية وغيرها من أمور الدنيا في حماية المجتمعات مقابل دور "سلبي" لدور العبادة أو فلنقل للعبادة والإيمان والتدين بحد ذاته كونه لم يقدم للبشرية أي شيء في ظرف صعب واستثنائي كهذا، هذا النموذج يرى أيضا أنه كان من المفترض ألا تعير البشرية بالاً وتنفق مالا لبناء المساجد والكنائس وغيرها من دور العبادة، بل أن تكرس ما يصرف لهذه الصروح من اهتمام لأشياء أخرى كونها لا تنفع في الملمات.

 

مقاربة عجيبة لا منطق فيها وكأن البشرية لا يمكن أن تسير وتهنأ بكلا الأمرين، وكأن كل الحضارات التي تعاقبت على هذا الكوكب لم يكن في عصر ازدهارها إيمان وعقائد وديانات ولا دور عبادة ولا أماكن مقدسة، وكأن علينا أن نهدم مساجدنا وكنائسنا ومعابدنا لنستطيع أن نعالج أمراضنا.

 

يصدح الآذان متبوعا بالأدعية في أوروبا كما في مشرقنا، وتقرع الأجراس وتعلو التراتيل في ذات الوقت ينتظر البشر العلاج من مختبرات الأطباء والعلماء والباحثين ويثمنون جهودهم

لا يمكن لنا أن ننكر دور العلم والتقدم والتطور التكنولوجي الذي وصل إليه البشر وما له من فوائد جمة، فكل هذا ساعد البشر وحماهم وحسّن حياتهم وسهّل تنقلهم وأمن لهم الدواء واللقاح، لا يمكن إنكار ذلك لكن هل كان هذا ليتوقف مثلا لو زاد الإيمان والتدين، هل عطلت الممارسات الدينية الطبيعية لعموم البشر على دعمهم وإيمانهم بالعلم والتقدم والبحث العلمي.. وهل يغني أحد عن الآخر؟

 

يتناسى هؤلاء أن شروط الحياة واستمرارها ليس فقط في مادياتها بل ثمة أرواح ونفوس لا يشبعها العلم بكل ما أوتيّ، ولا تطمئن إلى منتجات البشر فقط، بل تحتاج إلى توازن نفسي وملاذات أخرى تهوي إليها الأفئدة وإلى بحر هادئ وجبال باردة وشمس ساطعة وإله يعبد، ومسجد وكنسية ومعبد وحنين إلى المقدسات ومقدسات، يحتاج البشر إلى هذا وذاك ويحتاجون إلى إيمان منقذٍ؛ إيمان بأن ثمة من يدبر للبشر شأنهم ويمنحهم الخلاص.

 

هذا إله ومعتقد يفر الناس إليه في حالكات الظروف وبعد أن ترمي بشريتهم ودنياهم بأثقالها على كواهلهم، ومهما علا وسما الإنسان بذاته مُعتقدا ومُؤمنا بقوته وإمكانياته وقدراته لا بد له من لحظات وظروف يجد نفسه أو مجتمعه الذي يعيش فيه عاجزا، وخير مثال ما يلقاه البشر مع هذه النائبة، فبدل أن يرى أنه أضاع مالا وأفنى عمرا في العبادة ودورها وطقوسها -كما يكتب نموذجنا أعلاه- عليه أن يفكر فيما لو كان البشر كلهم مثله في هذه الأوقات العصيبة.. فإلى أين يلجؤون هربا من ضعفهم وانكسار قوتهم وإلى من يشكون قلة حليتهم وبمن يلوذون وبماذا يستنجدون.

 

مؤكد أنهم لو كانوا كذلك لضاقت بهم الحال أكثر ولأصبحت البشرية فعلا مهددة بوجودها فاقدة لتوازنها الذي أمنه لهم الإيمان والدين والعقيدة (الارتباط الروحي)، ولا نقول هذا تبشيرا بدين معين أو عقيدة ما، بل بكل ما آمن به البشر، وأغمض عينيه ليلا ودعاه وتوسله وبث له همه بعد أن اشتدت المِحن، وعظم البلاء، وأصبح النَفَس عبئا وهما، وتحولت حيوات الأدميين وقلبت، وحرم الناس من أبسط أفعالهم العاديات، ثم ماذا عن بشر بلا شرعة تحكمهم وتضبطهم وتهديهم سواء السبيل وتعدهم بالخير والنعيم في ظل انشغال رعاة الأمن والحكم بما هو أعظم لولا شرائع طبقوها وآمنوا والتزموا بها لساد الفساد، وعمّ ولما وجد المحتاج من يقف جواره ولا المريض من يداويه ويعوده ولانهارت منظومة القيم التي تحرسها الأديان والشرائع.

 

يصدح الآذان متبوعا بالأدعية في أوروبا كما في مشرقنا، وتقرع الأجراس وتعلو التراتيل ويبكي الناس فراق مساجدهم وكنائسهم وتكسر الأعين لرؤية المقدسات خاوية ويلوذ البشر بالصلوات والدعوات في ذات الوقت ينتظر البشر العلاج من مختبرات الأطباء والعلماء والباحثين ويثمنون جهودهم عاليا ولا يبخسونهم حقهم، هي الحياة ونحن البشر لا يمكن أن نحياها إلا كذلك نرفع دور لعبادتنا ونشيد معاملنا ومختبراتنا نقدس المقدس ونحيي العلم والتقدم.. نحن أضعف من أن نحيا بأرواح خاوية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة