صلعاء تتباهى بشعر ابنة خالتها وتفتخر!

BLOGS الصين

قبل أكثر من ثلاثين سنة كان العرب ينظرون إلى اليابان كمثل أعلى، ونموذج رائع بسبب نهضتها العلمية المميزة؛ لا سيما في مجال الصناعات المختلفة، في المجال المدني؛ وقد عشنا زمنا قيل فيه أنه لا يوجد بيت في العالم إلا وفيه شيء (صنع في اليابان MADE IN JAPAN) فرأينا السيارات والأجهزة الكهربائية اليابانية من تلفزيونات وكاميرات ومكانس كهربائية في بلادنا، ومسلسلات الكارتون اليابانية  التي تمت دبلجتها، بل حتى رأينا سجائر يابانية (WAVE) وصار العرب يتابعون بإعجاب أخبار اليابان مما تيسر من وسائل إعلام في ذلك الوقت، ومن يتمكن من السفر إلى اليابان لأي أمر كان، فهو في نظرنا ممن أوتي حظا عظيما.

  

اليابان مادة تحفيزية خصبة

وقد وجد معلمو المدارس ومحاضرو الجامعات وبعض أصحاب التنظيرات، في اليابان وتجربتها وصعودها الاقتصادي بفضل العلم والصناعة مادة للتحفيز؛ فكانوا يقولون لنا: ها هي اليابان، ضربها الأمريكان بالقنابل النووية وفرضوا عليها شروط الاستسلام، ولكنها بفضل العلم صارت تبيع الأمريكي ما يحتاجه، وهي دولة ليست نفطية، وتستورد النفط من الخارج، وطبعا هذه ستكون مادة جديدة لتحفيز ممزوج بالسخرية والأسى من العرب الذين يبيعون اليابان النفط، ثم يشترون  سلعا منها بأضعاف سعره (حسب تقديراتهم) من هذه الدولة الرائعة.

 

اليابان، وجهة نظر عربية!

وجمح الخيال العربي كثيرا، بأن اليابان لا تصنع فقط آلات حاسبة مختلفة الأحجام أو تلفزيونات ملونة وأجهزة فيديو وكاميرات بل  لديها برنامجا سرّيا (تحت الأرض) يقوم على صناعة عسكرية ستقلب الطاولة فوق رأس الأمريكي الذي هزمها  وأذلها في نهاية الحرب العالمية الثانية، أو أن ما بحوزتها من علم تسخره للأمور المدنية يمكنها في لمح البصر قلبه إلى المجال العسكري لإدراك ثأرها.

 

 وغني عن القول إن التعاطف العربي مع اليابان له بعد سياسي لأنها كانت في محور مع هتلر الذي كان كثير من العرب يتمنون خروجه منتصرا على الحلفاء، بسبب سياسة الحلفاء الاستعمارية وإجرامهم بحق الشعوب العربية خاصة بريطانيا وفرنسا، ناهيك عن الغيظ من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، وطبعا امتزج -وما زال- الواقع بالخيال عن بلاد اليابان نظرا لقلة التواصل معها، بحكم ندرة الاحتكاك المباشر، وأيضا لقلة وسائل الإعلام والمعرفة، فإضافة إلى وهم البرنامج العسكري السرّي لدولة مهزومة تحت مجهر الأمريكي وإرادته وكامل تصرفه، كثر الحديث عما يفعله اليابانيون في أوقات فراغهم، التي لا تضيع هباء مثل أوقاتنا، وانتشرت (اقتراحات عربية) متخيلة لملء وقت فراغ الموظف والطالب الياباني.. وهي بالمناسبة لا تزال تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، رغم النفي الياباني لوجودها!

   

   

مرت الأيام والسنون، وحالنا يزداد بؤسا، ومع أننا سارعنا إلى التعليم الجامعي وحيازة الشهادات، مستحضرين بطريقة أو بأخرى وضع اليابان، ولم نلحق بركب اليابانيين، وتردّت أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والصحية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والأهم من كل ذلك أن اليابان ظلت دولة متفوقة في مجالات العلوم والصناعة وارتفاع معدل دخل الفرد، وجودة الحياة والخدمات المقدمة لمواطنيها، ولكن طوكيو لم يكن لها شأن في صناعة السياسة الدولية، مثلما تأملنا، خاصة في منطقتنا التي صارت حكرا على (المارينز) وطبعا هؤلاء المارينز لهم قواعد على أرض اليابان وتفجرت فضائح حول ممارسات بعضهم مثل الاعتداء على طفلة وغير ذلك.. أي أن ما حققته اليابان لم يكن رغم إرادة أمريكا –مثلما تخيلنا- بل بموافقتها وتسهيلاتها المشروطة، وبوجود جنودها.

 

وأيضا كان تفكير بعضنا أو كثير منا-وما زال- هو صعود قوة دولية تنافس أمريكا وتأخذ منها قيادة العالم ونحن نتفرج، دون أن نحلم بأن يكون لنا دور ومكان سوى التبعية، بكلمات أكثر وضوحا:  الخلاف أو المشكلة ليست العبودية بل ماهية أو هوية السيد! وقرأت لكاتب عربي زار اليابان قبل ثلاثين عاما، وكان مسكونا بثنائية الانبهار بإنجازاتها، وحلم تحولها إلى قوة دولية مناهضة لأمريكا، واستعادة مجدها الامبراطوري الغابر، أن اليابانيين الذين التقاهم لم يكونوا مسكونين بهذا الحلم، وأن فكرة عودة منافسة أمريكا، في الميدان السياسي والعسكري لا تخطر على بالهم، والأهم دهشة واستغراب من نمط تفكير عربي يريد من غيره أن يحقق له إنجازا، وكأن لسان حالهم يتساءل: هل نهوضنا سيحل لكم أزماتكم حتى تتعلقوا به بهذه الطريقة المرضية؟!

 

لاحقا قرأ كثير من العرب، أو على الأقل عرفوا محتوى معكوسا، وهو ما سطره الكاتب (نوتوهارا) في كتابه (العرب.. وجهة نظر يابانية) ومما يؤمن به الكاتب حقيقة أن العرب لديهم (خميرة) نهوض وطاقات تمكنهم من الحصول على مكانة ريادية بين الأمم، هذا طبعا ضمن جوهر فكرة المرقوم وانتقاداته لظواهر وملاحظات مهمة -ومعه حق في كثير منها- هي سبب تأخر العرب وأزماتهم.. والأهم ربما حسمه لمسألة اختلاف رؤية الياباني للعلاقة مع الأمريكي، من حيث حقيقة وطبيعة هذه الرؤية، لا من حيث ما يبتغيه  العربي من الياباني!

 

حلم الصين العربي!

نسينا -أو لنقل تناسينا- اليابان وبدأنا تدريجيا نتجه بأحلامنا نحو الصين، والتي كان حظها عندنا وفي وعينا (الفكر الماوي) لمجموعة من الشبان الحالمين، وفناجين وأطباق (الصيني) التي كانت تفاخر بها الأمهات والجدات وتعتبرها ذخرا ثمينا يوازي الذهب؛ ولكن مع تحول الصين إلى التصدير، وانفتاحها على العالم، صار لدينا ما كان لليابان، فلا يخلو بيت من شيء مصدره الصين؛ طبعا بضائع الصين ومنتجاتها غزت أسواق أمريكا وأوروبا أيضا.. ولكن كيف لنا أن نتخلى عن فكرة تحررنا من الأمريكي بيد أمة أو قوة عظمى أخرى؟ هيهات.. هيهات، فقد صرنا نرسم سيناريوهات صعود الصين وتحولها المأمول إلى قوة بديلة تهيمن على هذا العالم؛ خاصة أن لديها مقومات كثيرة تؤهلها إلى هذه المكانة المأمولة عربيا.

 

فالصين إضافة لنموها الاقتصادي، دولة لها مقعد دائم في مجلس الأمن، وتمتلك جيشا كبيرا قويا، وعندها صناعات عسكرية متطورة، ولها مدرسة عريقة في الطب والتداوي، ولديها عدد سكان يتصدر القائمة، كما أن لها حضارة قديمة مميزة.. وبالتالي قريبا جدا ستطرد بكين (حاليا يقال بيجين) واشنطن من قيادة العالم، وستحل العدل والسلام، وستعيد القدس إلى العرب والمسلمين، وسيعم السلام والوئام، وستساعدنا على التخلص مما نحن فيه من أزمات!

   

  

طبعا تضاعفت جرعة هذا التحليل والتفكير مؤخرا، في خضم أزمة فايروس كورونا وتبعاتها المستمرة، واستيقظ (الرفاق) الذين منذ تحرك روسيا (الأرثوذكسية التي يصرون على أنها ما تزال ماركسية) دبت فيهم روح التنظير علينا بطريقة متعالية واحتكارية واتهامية، والآن تحمسوا وبشرونا وطلبوا منا الاستعداد لاستقبال (التنين الصيني) الذي سينفث لهيبه على الفيل الأمريكي فيجعله هباء منثورا، وما علينا إلا الترحيب والتصفيق، بقدوم الدب الروسي برفقة التنين الصيني لركوبنا بدل الأمريكي، فلعلهما أخف وزنا فوق ظهورنا المنهكة! ويقولون بثقة أن علينا الاطمئنان بأن الأيام والسنين العجاف ستمضي وتنتهي قريبا جدا ويحل محلها أيام السعادة والسرور والرخاء وقد كتب عليها، كما على كثير مما نستهلك أو نستخدم (MADE IN CHINA).. هنيئا لكم أيها العرب الكرام بسيدكم الجديد القادم ليتسلم (عقالكم، بل لجامكم) من يد الأمريكي!

 

من كنتاكي إلى طبق ضفادع!

لن أخوض الآن، فيما يشغل كثيرا من عامة الناس وخاصتهم، حول احتمال تغير وتبدل النظام الدولي؛ فهذا خاض ويخوض كثيرون فيه، وربما الناس مشبعون منه حدّ التخمة، ولكن تذكرت مرة حديثا أمام مجموعة منهم رجل بسيط حين سألت سؤالا: هل تظنون أن الصينيين حين يهمشوا أو حتى يشطبوا أمريكا سيرحمون حالنا؟ فرد الرجل: والله غير يأكلونا صراصير! كلام الرجل البسيط يختصر كثيرا من تعبيرات حملة الشهادات العليا؛ ويحمل عمقا كبيرا، فالأمر لا يقتصر على استبدال وجبات الفئران والخفافيش والحشرات والضفادع بالكنتاكي والكوكا والبيبسي (مع أن هذا سوريالي) بل يتعداه إلى حقيقة طبيعة القوى العظمى وتغولها وتوحشها على من لا يريد أن ينهض بذاته ومقدراته ويصنع له شأنا في هذا العالم، منتظرا رحمة تتأتى باستبدال سيد بآخر وينتظر حسم صراع القوى العظمى ليستر عورته بعباءة من يأمل أن يحسمه لصالحه.

 

هناك مثل شعبي يقول (الأقرع/القرعة بتحالى (تتحالى) بشعر بنت خالته/ا) وهو عنوان هذا المقال بلغة أو طريقة أخرى أوضح؛ ولكن هل الروسي والصيني هم أولاد خالة حقا؟ والله إن من يفعل ذلك في مجتمعنا على المستوى الفردي قد يكون أفضل حالا؛ فقد يكون جاهلا ويفخر بعلم قريب له، أو فقيرا ويتباهى بثروة شخص تربطه به علاقة مصاهرة بعيدة.. إلخ، ولكن حال من يتحمسون لصعود موسكو والآن بكين أسوأ بكثير؛ لأن القوى الكبرى والعظمى تبحث عن مصالحها ولا تفكر إلا بتقوية نفوذها فقط، والروس والصينيون لا ينتسبون لنا لا دينيا ولا ثقافيا ولا عرقيا، و في صلب مصالحهم بقاؤنا في مربع الذيلية بين الأمم.. لماذا يصر بعضنا على استحضار مناذرة الفرس وغساسنة الروم، وينبذون من يريد استحضار المهاجرين والأنصار؟

 

هل التبعية قدرنا؟

هل يرى هؤلاء أنه كتبت علينا الدنية وأبعد ما يحق لنا تأمله أو حتى الحلم به هو تغير السيّد، ولا يجوز أن نحلم -عوضا على أن نسعى- بالحرية وامتلاك قرارنا وإرادتنا والتمسك بثقافتنا؟ أعوام مضت وتمضي من أعمارنا بحلم هيمنة اليابان وروسيا والصين (وربما سننتظر الهند!) على العالم وتصميم تفكيرنا على التعلق بهذه الأحلام والغرق في التحليلات والاستنتاجات والتوقعات المبنية عليها، بالتوازي مع قمع وسخرية وتشويه لأي حلم بأن نكون ندّا وكيانا يحسب حسابه بين الأمم.. تحية لصلعاء تفخر بشعر ابنة خالتها، وتعسا لمن يصرّ أن تبقى أمته في أسواق النخاسة الدولية، ولا يرى لها مكانة إلا بين العبيد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة