الصين ونظام عالمي جديد ما بعد كورونا

يشهد العالم أسوأ الأزمات الصحية في القرن الحادي والعشرين، مما فرض على الدول أن تغلق حدودها، وبالتالي أنهى مؤقتا مفهوم القرية العالمية، في حين أن ارتدادات فيروس كورونا لن تتوقف في حدودها الصحية وما ألحقته بالاقتصاد العالمي من خسائر فادحة، بل إننا على وشك أن نشهد ولادة نظام عالمي جديد قد يُرجع أمريكا إلى الخلف ويتوج الصين سيدة جديدة على العالم.

 

تضعضع الإتحاد الأوروبي

في الأيام الماضية رأينا سياسيين أبدوا سخطهم من ردة فعل الدول القوية في الإتحاد الأوروبي، فالرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش قالها صراحة: بأن التضامن الأوروبي هو مجرد وهم لا وجود له في الحقيقة. هذه النبرة أضحت ترتفع بمرور كل يوم من أيام الأزمة تطالب بضرورة تحقيق شعار الوحدة، ولكن الأوروبيين لا يبدو أنهم مستعدين لمواجهة نقص في الأدوية أو المستلزمات الطبية؛ فالقارة العجوز تترقب السيناريو الأسوأ وهو عدم القدرة على السيطرة على الفيروس مما يعني الحاجة لكل أداة ومستلزم طبيّ.

 

إيطاليا والتي تعاني كأكثر البلدان تأثرا بهذا الفيروس بحصيلة وفيات فاقت 6 آلاف شخص، كما أنها تسجل أرقام إصابات مهول قد يجعلها في غضون أيام تتجاوز الصين، لم تجد هي الأخرى معونة مِمَّن يُفترض أنهم أشقاؤها، بل وتركوا جرحها ينزف، حتى الولايات المتحدة فقد وجدت بإغلاق مجالها الجوي ومنع الأوروبيين من دخول أراضيها أحد أسباب الوقاية من المرض، ولم تقدم للدول الأوروبية غير التصريحات.

   

  

وسط حالة من الانغلاق بين دول أوروبا نفسها، وتجلي ضعف الروابط بينها، بدأ الحديث عن مستقبل هذا الإتحاد الذي بدى هشًا، والسؤال عن حقيقة التضامن في أوجّ أزمة تعصف بالقارة، وبالتالي فإن المرتقب هو امتثال السياسيين إلى سخط الشارع الذي قد يطالب بالسير على خطى بريطانيا في الخروج من الإتحاد، وفي حال لم يستجب السياسيون الحاليون فإننا قد نشهد صعودًا لأحزاب اليمين المتطرف، وفي حال استجاب الحاليون أو صعد التيار اليميني فإن النتيجة تبدو واحدة وهي حقيقة تضعضع الإتحاد وترقب انهياره وسط خلاف حاد بين أعضائه وربما انعدام الثقة بينهم.

 

دور الصين في الأزمة

وفي لحظة وجدنا دول أوروبا الكبرى تدير ظهرها للدول الأقل نفوذًا وإمكانيات اقتصادية، رأينا أساطيل طائرات المساعدات الصينية تتجه إلى هذه الدول، ولندرك المعنى الحقيقي لهذه المساعدات سننظر لتصرف مواطنين في إيطاليا قاموا بإنزال علم الإتحاد الأوروبي ورفع علم الصين مكانه، هذا يجعلنا ننتظر تغير البيادق وانسحاب بعضها من المعسكر الغربي نحو الصيني، وبالتالي فإن القيود التي كانت تُفرض على البضائع الصينية أو القيود على شبكات الاتصال من الجيل الخامس كلها ستتغير لصالح الصين، وكلما اتسعت رقعة هذا الفيروس فإن الصين ستكون المستفيد الأكبر نحو تعزيز خطوطها التجارية وتقوية دورها السياسي بما سيخلق حالة ضعف أمريكي بشكل موازِ في الجانبين الاقتصادي والسياسي.

 

ليست أوروبا وحدها

إن تزايد رقعة الفيروس في آسيا وأفريقيا بما فيها الدول العربية، ينذر بدور أكبر للصين، دون ترقب ردة فعل أمريكية إلا من ضغوط سياسية لن تفلح على الأرجح، وبالتالي فإن الحديث اليوم هو عن واقع جديد تفرضه الصين على الأرض، واقع سيلقي بظلاله على هيكل النظام العالمي أحادي القطب حاليا؛ فالتنافس ما قبل كورونا كان يقودنا نحو فرضية نظام ثنائي القطب بين الصين وأمريكا، لكن وبعدما ظهرت حقيقة الغول الرأسمالي الأمريكي، فإن التنين الصيني سيلتهم كل شيء، بل أنه قد يلتهم أمريكا نفسها.

  

  

"نحن أمواج نسير في نفس المحيط" عبارة كُتبت على مساعدات قدمتها الصين إلى إيطاليا، ولكن ما تحويه هذه الصناديق هي وصفة الهيمنة الصينية على العالم، أكثر من مستلزمات طبية تحمي الإنسان، وسط هذا كله فإن أمريكا تعاني اليوم من الفيروس، وما كان رهانًا على تحطيم اقتصاد الصين، أصبح اليوم رعبًا يلاحق دوائر صنع القرار في أمريكا من تفشي الفيروس، في مقابل ذلك أظهرت الصين نجاحها في مواجهته والوصول لعدم تسجيل إصابات جديدة.

 

نظام عالمي جديد

منذ بداية هذه الأزمة رأينا العالم يتجه نحو كل جديد، وهذا تماما هو المنحنى الذي تريده الصين؛ مثلا قطاع التعليم الذي أصبح أغلب الدول التي ظهرت فيها إصابات تتجه نحو حوسبته وجعله عن بعد، وهذا يصب في صالح إمبراطورية الصين الرقمية، خاصة وأنها مستعدة لدعم حكومات العالم بما تحتاجه من تقنية وكله بطبيعة الحال لقاء الحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية.

 

لقد عملت الصين على إعطاء نفسها الريادة الاقتصادية، ولكنّ أزمة كورونا جعلت المارد الصيني يخرج من قُمقمه ليطالب بالريادة العالمية وصُنع القرار العالمي، في الحقيقة فإن علم الإدارة والتخطيط أظهر مدى براعة الصين في استثمار الحدث، وليس أفضل من شهادة ببراعة الصين من عتابِ ترامب لبيجين التستر على الفيروس حتى تصاب به دول أخرى، قد يبدو من المبالغة إرجاع هذا الأمر للمؤامرة ولكن ماذا كان سيحدث لو أن الصين هي الدولة المصابة الوحيدة؟ رغم هذا فمن غير الممكن إرجاع كل ما يجري للمؤامرة ولكن من السذاجة إرجاعه إلى المصادفة.

 

أخيرا، فإن أزمة العالم الحالية أظهرت أن المشاعر هي تعبير يستخدمه السياسيون ولا يمارسونه، وبالتالي فإن أمريكا ودول أوروبا الغنية والقوية تركت كل ما نادت به من حقوق انسان وذهبت تلهث خلف مخاوفها من تفشي المرض بين مواطنيها، من ناحية فإن الصين دخلت من باب الإنسانية بإمكانياتها الضخمة نحو أوروبا وستدخل لأفريقيا وآسيا، وكل هذا وهي تحمل أطماعها السياسية والاقتصادية المشروعة، من هنا فإن الحديث عن قطبية العالم لم يعد حديثا عن صراع بين أمريكا والصين ولكن عن شكل سيادة الصين للعالم وكيفية إدارته.



حول هذه القصة

عندما ضرب فيروس “كورونا” العالم أجبر الجميع على تغيير الروتين اليومي المتعلق بالنظافة خاصة بدول أوروبا، إلا الأتراك الملقبون بـ “مرضى النظافة” لم تمثل عمليات التطهير اليومية عبئاً على نسائهن

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة