شعار قسم مدونات

تحليل مواقف الصحابة الفقهية في طاعون عمواس

BLOGS الطاعون

ليس الفقه حفظ النصوص، وكثرة روايتها، بل الفقه هو الفهم الدقيق للنص، والفهم الصحيح للواقع، وتنقيح المناط! والصحابة رضي الله عنهم، كلهم شهد التنزيل، وشهد السنة، فمن هذا الباب، هم فقهاء وعلماء، لعلمهم العربية سليقة، ولشهودهم التطبيق العملي الواقعي من النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن الاختلاف والتباين سنة الله في خلقه، فمنهم من يفقه الكثير، ومنهم من يقل وهكذا، فمع أن الصحابة كلهم فقه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا سبب نزول الآيات، ومكان استشهادها، إلا أنهم رضي الله عنهم، تفاضلوا بينهم في الفهم والفقه. ثم إن الله قد يؤتي أحدهم فقها في مسألة، قد تفوت على من هو أفقه منه، كما ذكر ذلك أبو عمرو بن عبد البر رحمه الله حيث قال: (وفيه-الحديث-أن العالم قد يوجد عند من هو في العلم دونه، ما لا يوجد منه عنده)، وذلك فضل الله يأتيه من يشاء. وفي قصة "طاعون عمواس" الذي حدث في ١٧هـ، اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم. فتعالوا نسرد الرواية أولا ثم نتلو ذلك بشيء من التحليل الفقهي.

١- جمع عمر رضي الله عنهم الصحابة مستشيرا لهم بين المكث -في الشام- والرحيل إلى المدينة، (فَقالوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ ولَا تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصَبِّحٌ علَى ظَهْرٍ فأصْبِحُوا عليه. قَالَ أبُوعُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لو غَيْرُكَ قَالَهَا يا أبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ، أرَأَيْتَ لو كانَ لكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وادِيًا له عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُما خَصِبَةٌ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أليسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ – وكانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ – فَقَالَ: إنَّ عِندِي في هذا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بهَا فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ).

فقه عمر:
اليوم ومع وباء "كورونا" قد يتشابه واقعنا مع طاعون عمواس، وهذه مجرد تحليلات ورؤى، والقضية أقل ما فيها قد تكون مختلفا فيها، بين مجيز لترك الجمعة والجماعات، وبين متشدد، ولكل وجهة هو موليها، وليس هناك نص قاطع في المسألة

يعد عمر رضي الله عنه من كبار فقهاء الصحابة، ومن أكثرهم فهما للكتاب والسنة، ومن أكثرهم وعيا في الواقع، ونلاحظ قوة فقهه في حواره مع أبي عبيدة رضي الله عن الجميع، فأبو عبيدة، رضي الله عنه، يرى الأمور بمنظار وزاوية تختلف عن رؤية عمر، فنظرته أنه نثبت هنا ولا نخرج، وعد فعل عمر هروبا من القدر وهو الوباء (الطاعون)، وخوفا من المرض، ولكن عمر رضي الله عنه، رأى المصلحة في ترك الذهاب، لماذا؟ للهلاك المحقق وهو مرض داء الطاعون، ولم يقل هذا قدر الله فلنمض وذلك، (أن هجوم المرء على ما يهلكه، منهي عنه، ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه، مشروع، وقد يقدر الله وقوعه، فيما فر منه، فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله. وهنا مقامان: مقام التوكل، ومقام التمسك بالأسباب)، وحتى قبل وصول ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخبره بخبر الطاعون، فقد غلب عمر المصلحة العامة والتي تتمثل في حفظ نفوس المسلمين من داء محقق. ثم إن عمر رضي الله عنه، قد فهم أن قدر الله عام، ولهذا لابد من المسلم أن لا يتعرض لمواطن البلاء والمرض، وأن يسأل الله العافية دائما والسلامة في دينه، (مع إباحة الأخذ بالحذر والحزم والفرار عن المهلكة الظاهرة).

فالدخول إلى الأرض، بقدر الله والمرض كذلك، والموت، ولكن من تكون له حيلة وقدرة من الفرار من هذه المواطن، فيجب عليه حفظا لنفسه ولغيره، وقد أورد ابن حجر رحمه الله تعالى كلمة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في قوله:(وأما الفرار فقد يكون داخلا في التوغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين). فعمر رضي الله عنه، أخذ بالأسباب واستشار ووازن الأمور، وقدر المصالح والمفاسد ثم توكل على الله، وقرر. ولكن أبا عبيدة رضوان الله، طلب الشهادة في الطاعون فكان له ما كان، ولكل فقهه وسعيه.

٢- روى الإمام الطبري رحمه الله، في حوادث ١٧هـ: (لما اشتعل الوجع، قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة منه حظه، فطعن، فمات. واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده، فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذ يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا.
فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فيهم خطيبا، فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال.

فقال أبو وائل الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله ﷺ، وأنت شر من حماري هذا.
فقال: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه.
قال: ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا، ودفعه الله عنهم.
قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فو الله ما كرهه.).
كيف نظر الصحابيان الجليلان رضي الله عنهما إلى الأمر؟: لم يختلف أبو عبيدة عن صاحبه معاذ فكلاهما نظر إلى الشهادة والأجر أولا، ثم تشجيع الناس على الصبر على المرض والبلاء، دون أن يقدما لهما طريقا للمعالجة، أو محاولة توقف الوباء، أو الهروب منه، أو الأخذ بالأسباب المشروعة!

فكل ما كانا يملكانه: النص والصبر والإيمان على قضاء الله، دون أي حركة مضادة لهذا القدر، بعكس فهم وفقه عمر رضي الله عنهم. ولهذا ماتا في الطاعون، ومات كثير من الناس، ولكن الله رفع البلاء والوباء بفقه عمرو بن العاص، والذي هو أقل فقها منهما، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء. فماذا فعل عمرو بن العاص؟ وكيف فقه؟ إن صبر ولم يقاوم سيموت الناس، بل وقد يستمر الطاعون إلى القرى حوله، وسيكون وباء لا يمكن البرء منه، فنظر نظرة الفقيه، فأعمل النص بفهم جديد، وواقعي ولم يتوقف عند ظاهر النص، كما فعل غيره، بل فهم أن "إذا وقع الطاعون في أرض فلا تخرجوا منها ولا تدخلوا إليها" بفهم عظيم، وخاصة أن فهم المراد من الخروج مختلف فيه، كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح، أنه لا تدخلوا إلى الأرض الموبوءة، ورأى أن الأمر ليس تعبديا صرفا، بل مصلحي-والله أعلم، والغاية: حتى لا تصابوا، ثم فقه أن الخروج منها إلى بلد آخر، وليس مطلق الخروج، ولهذا أعمل النص بفهم آخر، وبفقه وتفعيل كليات الشريعة وجزئياتها ومقاصدها. فالمرض يشتعل اشتعال النار، أي سريع التأثير والعدوى، إن ظل الناس هكذا، فلن يتغير شيء، فلا بد من مقاومة!

فما كان منه إلا أنه أمر بالخروج من البلاد، وهذا فقه عظيم، ليس لبلد آخر، بل للجبال غير المسكونة، ولا شك أنهم في الجبال سيتباعدون، لأن كل رجل معه أسرته، وسيصلي مع الأسرة، أو منفردا، وهنا، لم ينظر عمرو، إلى تعطيل المساجد، ولا الجمع والجماعات، مع أنها الأصل الكبير في الدين، ولكنه رجح أولا قضية المحافظة على المسلم، وإن لم تكن الصلاة في مسجد أو جماعة واحدة، لأن الأمر اليوم يتطلب هذا، أما الصلاة فلن تضيع، سيقوم بها المسلمون.

فقه واقعنا:

اليوم ومع وباء "كورونا" قد يتشابه واقعنا مع طاعون عمواس، وهذه مجرد تحليلات ورؤى، والقضية أقل ما فيها قد تكون مختلفا فيها، بين مجيز لترك الجمعة والجماعات، وبين متشدد، ولكل وجهة هو موليها، وليس هناك نص قاطع في المسألة، وإنما هي مصالح ومفاسد وترجيحات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.