السيارة هي فرس المجتمع لتحديد السيادة

في الماضي حين كانت العبودية والفروسية، أهم مؤسستين في المجتمع، كانت العلاقة بين السيد والعبد قائمة حول مسألتين مهمتين إما القتال أو العمل الشاق، لقد كان الأسر مصدرا مهما للعبودية، لهذا فهو يُعبِّر عن تحديد صريح لنتائج لا مفر منها، وهي أن المنتصر هو السيد والمنهزم هو العبد.

 

يبدو، أن هذا الأمر، يُعطينا فهما جيدا، حول الفاصل الذي سيكون قائما بين السيد والعبد. فقد صار العبد (الأسير) كفارس منزوع الفرس، أي منزوع الكرامة. لهذا أعتقد بأن اللغة العربية لغة ذكية جدا، حيث إنها قدمت مصطلح "افترس" كتعبير عن عملية يقوم بها الحيوان الأقوى ضد الحيوان الأضعف للحصول على ما يُبقي على حياته. فالحيوان المفترس هو سيد الغابة، أما الفريسة فهي الخادم أو العبد الذي يجب أن يُوفر الغذاء للسيد، فالأسير العبد، فريسة لأنها منزوعة الفرس، افترسها السيد، افترس كرامتها، لهذا السبب كان مُحرَّما بالمطلق في المجتمعات القديمة أن يركب العبد فرسا أو خيلا، لأن هذا سيُشعره بذاته وكرامته.

 

فتحريم ركوب الخيل على العبد، هو ابقاء العبد بدون كرامة، فحدوث هذا الركوب يعيد له احساسه بذاته، فكلمة الخيلاء التي تعني الإفتخار، مقتبسة من كلمة الخيل، فبمجرد ركوب العبد لها سيشعره بهذا الأمر. أي أنه سيشعر بحريته، لهذا ارتبط مفهوم الحرية بالخيل، ونقول دائما باللغة الدارجة "الحر (الخيل) بالغمزة، والحمار بالعصا" فالحمار هو الكائن الذي يشقى ويحمل أكثر من طاقته، بينما الخيل لا يحمل سوى السيد إلى ميدان المعركة أو ميدان الاحتفال أو ميدان الاجتماع أو المأدبة.

 

لاستلاب في جانب من معانيه يرتبط بفقدان الشخص لطريقته في الوجود لتحديد ذاته كذات لها كرامة بالأساس. فالشخص الذي يفقد كرامته (كالعبد) يعيش اغترابا عن إنسانيته، أي أنه يشعر بأنه غريب عن عالم الإنسان

الحمار ارتبط دائما بالعبودية، فالدون كيشوت في رواية "ميغيل سابيدرا"، كان يحلم أن يُصبح فارسا مشهورا، إلا أنه كان يركب حمارا، وكان هذا كافيا ليعتبره الناس مجنونا يحلم بأمور لا يمكن أن يصل لها، كما أن عمر ابن ادريس الزرهوني الذي ثار من الشمال ضد حكم السلطان عبد العزيز العلوي في المغرب، تشوهت سمعته بمجرد أن انتشر عنه لقب "بوحمارة" الذي أطلقه المخزن عليه، لو كان الدون كيشوت يملك فرسا، لاحترمه الناس واحترموا حلمه، ولو أن الجيلالي الزرهوني لم يُعرف بلقب "بوحمارة" وإنما بلقب "مول الخيل" لحقق الكثير.

 

في مجتمعنا الراهن، تلعب السيارة دورا شبيها، فهي ليست وسيلة للنقل فقط، بل إنها وسيلة استعراض للمكانة الاجتماعية، إنها تأكيد للسيادة (إنه يقود السيارة). فالقيادة صفة لا يمتلكها سوى العاقل المتمكن، فقاد يقود، ترتبط في اللغة العربية بساد يسود، أي بالسيطرة والتحكم وتحديد المصير، فمن يقود السيارة، يشعر بأهميته في المجتمع، فهو يعتقد أنه يملك وسيلة تُعبر عن مركزيته (المسرحية) فوق خشبة المجتمع، لهذا نجد أن السيارة تُعوض مشاعر نقص كثيرة، وهذا للأسف، عبارة عن استلاب أو اغتراب الشخص، فعوض أن يبحث عن وجوديته وماهيته، التي يفرض بها وجوده في المجتمع، يركب السيارة (الخيل) ليُثير الانتباه بـ (تحرره) من النقص الذي يعيشه.

 

الاستلاب في جانب من معانيه يرتبط بفقدان الشخص لطريقته في الوجود لتحديد ذاته كذات لها كرامة بالأساس. فالشخص الذي يفقد كرامته (كالعبد) يعيش اغترابا عن إنسانيته، أي أنه يشعر بأنه غريب عن عالم الإنسان، لهذا، عوض أن يؤكد إنسانيته بإبداع أو إنجاز أو عمل جوهري أو إتقان فن أو حرفة أو ثورة على استغلال، فإنه يركب السيارة. أي أن إنسانا بلا إنسانية يقود السيارة ليُخبر الناس أنه يملك إنسانيته حقا.

 

يعلم بإنه فاقد لإنسانيته، لكن نظرا لفشله في استعادتها يخدع الجميع أنه إنسان، والدليل هو أنه يقود السيارة. إنه إرضاء مرضي لعقدة النقص (بتعبير ألفرد إدلر). فشعوره بالرضا عن النفس بركوب السيارة وقيادته بسرعة وسط الناس، هو شعور مرضي، لن يقضي على الاستلاب. عقدة النقص الإنسانية لم تُشفى بل تم إيهام النفس بإشفائها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة