ماليزيا.. كورونا وصراع الهوية والأزمة السياسة

 يترسخ انطباع بأن اجتماعا لجماعة الدعوة والتبليغ هو المسؤول المباشر عن انتشار مرض كورونا المستجد (كوفيد 19) في ماليزيا، بل في عموم جنوب شرق آسيا، وهو الاجتماع الذي عقد في مسجد سيري بيتالينغ بالقرب من كوالالمبور، وضم نحو 16 ألف شخص منهم قرابة ألفي مشارك من خارج ماليزيا أكثرهم من دول الجوار، واستمر أربعة أيام، من 27 فبراير/ شباط حتى 1 مارس/ أذار 2020.

 

الحق يقال إن لهذا الانطباع ما يبرره، فقد تزامن مع انتشار المرض في الصين وبداية ظهوره في ماليزيا، وأول إصابة اكتشفت بين المشاركين لشخص عاد إلى موطنه في سلطنة بروناي المجاورة، وأن معظم حالات كورونا التي اكتشفت في ماليزيا بعد الاجتماع لأشخاص شاركوا فيه، وتتابعت الأرقام بالصعود يوميا، وذهب كثيرون بعيدا في وصف عادات أهل الدعوة في اجتماعاتهم وتنقلاتهم وانتشارهم واحتكاكهم بالآخرين، والتلميح والتصريح بالحاجة إلى تغيير أسلوب تعامل السلطات مع هذه الحركة التي تلقى تسامحا وتسهيلات من جميع الأنظمة، كيف لا وهي حركة مسالمة وتسود بين أفرادها عبارة " السياسية تياسة".

 

نقطة ضعف

كل ما سبق يكون تفصيلا غير ذي بال مقابل السياق الذي عقد فيه مؤتمر سيري بيتالينغ الحاشد، خاصة إذا علمنا أن السلطات الماليزية صارمة في تطبيق قانون التجمهر السلمي الذي يستوجب الحصول على إذن مسبق قبل أسبوع من تنظيم أي اجتماع، وأنه جاء في غمرة استنفار عالمي لمواجهة فيروس كورونا، وماليزيا جزء مهم في النفير ضد كورونا.

   

  

والأهم أن جذور الأزمة، التي كانت تعيشها حكومة (تحالف الأمل) في آخر عهدها، تمتد إلى قضايا عرقية ودينية متراكمة، وضعت الحكومة في موضع اتهام وزاد نقطة ضعف قاتلة إلى مشاكلها، وجعلت من الصعب عليها اتخاذ قرار بمنع إقامة تجمع سلمي جدا لا يشوبه شبهة سياسية، لا يخفى على أي مراقب للوضع السياسي الماليزي تضخم الحساسية العرقية والدينية في البلاد خلال 21 شهرا من حكم تحالف الأمل، وساد شعور كبير لدى الغالبية الملايوية المسلمة باستهداف ثقافتها وهويتها ودينها، وأصبح في وعي الحكومة وإدراكها أن أي استفزاز عرقي أو ديني قد تكون ردة فعله كبيرة.

 

تهديد الهوية والثقافة

ساهم في تفاقم مشاعر التهديد الثقافي والقومي أخطاء الحكومة السابقة والنفوذ غير المسبوق للأقليات الصينية والهندية فيها، واستغلاله من قبل المعارضة التي تهيمن عليها الأحزاب الملايوية المحافظة، على رأسها المنظمة الملايوية القومية المتحدة (أمنو) والحزب الإسلامي (باس)، فقد أصبحت مظاهرات المثليين وأخبارهم على وسائل التواصل الاجتماعي تثير اشمئزاز وسخط غالبية الملايويين، بل إن وزير الشؤون الإسلامية لم يجد بدا من استقبال مثليين استجابة لضغط المنظمات العلمانية الموالية للحكومة، وتبرير هذه المواقف بالاعتراف بالتنوع المجتمعي.

 

تحولت نظرة كثير من الملايويين إلى محاكمات رموز الفساد في الحكومة السابقة إلى استهداف الغالبية الملايوية التي تشكل 70 % من سكان البلاد،

وفي المقابل تنامى شعور باستهداف التعليم الإسلامي، من خلال التركيز على سلبيات وعيوب المدارس المرخصة وإغلاق غير المرخص منها، حتى أصبحت المدارس الدينية توصم باغتصاب الأطفال من قبل مدرسيها وإداراتها، كان مفاجئا عدم إجادة المدعي العام الماليزي اللغة الملايوية الرسمية في البلاد " وهو من أصل هندي وينتمي إلى حزب العمل الديموقراطي الذي يهمين عليه ذوو الأصول الصينية"، واضطر إلى إلغاء أول مؤتمر صحفي يعقده في قاعة المحكمة بسبب الضجة التي أحدثها أنصار رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق، المتهم بالفساد، احتجاجا على كلمته بالإنجليزية.

  

لقد رافق الجدل بشأن اللغة المستخدمة في التعليم والدوائر الرسمية الماليزية حكومة الأمل منذ يومها الأول حتى انهيارها، منها اختفاء الكتابة بالحروف العربية من لوحات أسماء شوارع وأحياء مدينة شاه عالم، عاصمة ولاية سِلانغور، خلافا للعرف المتبع بكتابة اللوحات بالحرفين الجاوي (العربي) واللاتيني، وأثار هذا التصرف غير المبرر سخط الغالبية الملايوية، واستدعى تدخل سلطان الولاية لإعادة كتابة اللافتات، فهو من ينوط به الدستور حماية الإسلام والقومية الملايوية، وهما بنص الدستور شيء واحد.

  

الإطاحة بوزير التعليم

يُعتقد أن الرفض المستميت لقرار فرض تعليم الخط الجاوي (العربي) في مدارس الأقليات اللغوية (الصينية والتاميلية خصوصا)، كان الشعرة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لوزير التعليم مازلي ملك الذي استقال في يناير/ كانون أول الماضي، ويبدو أن رئيس الوزراء مهاتير محمد، عندما طلب من وزيره الاستقالة، لم يكن يعلم أنه يضحي بحكومته وليس بعضو من حزبه فقط، حيث خرج بعد تسلمه حقيبة التعليم بنفسه ليصرح بأنه سوف يقلص حصص التعليم الديني في المدارس الحكومية، وكان ذلك دليلا جديدا لدى المعارضة على أن الثقافة الملايوية الإسلامية مهددة، وأن حسابات وموازنات رئيس الوزراء السياسية ضمن حكومته تطغى على المصالح القومية والوطنية.

  

تحولت نظرة كثير من الملايويين إلى محاكمات رموز الفساد في الحكومة السابقة إلى استهداف الغالبية الملايوية التي تشكل 70 % من سكان البلاد، ومعها الثقافة الإسلامية القومية الملايوية، وعزز هذا الشعور إسقاط جميع تهم الفساد عن مسؤولي حكومة تحالف الأمل، وهي الحكومة التي تغنت كثيرا بالتنوع العرقي والثقافي باعتباره مصدر قوة لها للمجتمع، وفي خضم مشادات عرقية ودينية متلاحقة، جاء كورونا وجاء معه اجتماع التبليغ في ظل أزمة سياسية مستعصية، فما بين استقالة رئيس الوزراء مهاتير محمد في عقده العاشر، يوم 24 فبراير/ شباط وتكليف خليفته الذي قلب له المجن في 2 مارس/ آذار، كان قد انتهى كورونا من توزيع مندوبيه، دون تمييز عرقي أو ديني، على جميع أنحاء البلاد  وجنوب شرقي آسيا وما بعدها.

 

وورثت حكومة محيي الدين ياسين كورونا، لتبدأ أول مهامها في البحث عن 16 ألف تبليغي فردا فردا لكي تخضعهم لفصح يبرئهم من تهمة كورونا، ولن يسمح بأن يعلو صوت فوق صوت الحرب على كورونا، وإلى حين تطهير البلاد من الفيروس تكون الحكومة أصبحت أمرا واقعا، فهل تآمر التبليغ مع محيي الدين ياسين؟!



حول هذه القصة

إذا دققنا بالتداعيات الناجمة عن انتشار الكورونا، سنجدها أقرب لما تفرضه الحرب العسكرية من تداعيات، ففي الحرب تندر المواد المعيشية ويسعى الجميع لمحاولة تخزينها وينتشر الخوف والهلع والأخبار المرعبة المفبركة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة