أدب اللجوء بين النكبة والثورة

blogs لاجئين

علىْ مدارِ أزمةٍ مختلفة، بقيَ الأدبُ العربيّ أداة المُثقف نحو رتقِ همومِه اليومية، وتجسيد الظَّواهر الاجتماعية – السياسية بكلمات النَّثر أو الشِّعر وما سواهما، محاولاً في ذلك التمرد علىْ الجذر التربيعي لمآلاتِ أزمته الحاضرةُ في وقتها، ولا سيَّما التّمردُ علىْ جذريِّ المكانِ والزّمان المُستَجَديْن. بلْ وإعادة تشكيلهما بطريقةٍ سرياليةٍ، بحيثُ يُعيدُ الكاتبُ إدماج نفسه في بيئته الجديدة، وإدراج جدول أيامه في أزمنةٍ مختلفةٍ عن منطقته الزمنية التي عاشها فأدمنها. ومن هنا ظهر شغف العديد من هواة الأدب الرّامي إلى دراسة أدب اللجوء الذي عاشته المنطقة العربية بمراحلها وأسبابها المُختلفة، وهذا المقال يُعبّر عن شغف واحدٍ من جمع.

 

المنطقة العربية وسنوات اللجوء

لقدْ مرّت المنطقةُ العربيةُ بثلاثةِ مقاطعٍ زمنيةٍ مُلتهبة، وهما على الترتيب: عقدي الشتات بينَ النكبةِ والنكسة، ثمَّ زمن اللجوء العراقي، وأخيراً عشْرِيَّة الثورات العربية الممتدة إلى اليوم. وَما زالت تلك العشرية واحدةً منْ روافدِ إلهامِ العمل الثقافي الأدبي، والروائي، والفني المسرحي والغنائي، وخلال ثلاثتهما كانَ المواطنُ مُرحَّلاً فيْ جغرافيا الكونِ، منَ خريطة الوطنِ الأم، إلىْ أخرى فيْ قاراتِ أوروبا والأمريكيتين. وداومَ خلال رحلته القسْرية علىْ إعادةِ تجسيد الوطن بسردياته الخاصة وكما يُحبُّ ويَهْوَى، مؤرِّخاً ظواهرَ المُجتمع فِيْ سِياقها المكانيِّ والزّماني، سارداً خروجَ الفرد منْ ذاتهِ القديمة الموسومة بالتقليدية، إلىْ ذاتهِ الجديدة العضوية والمناهضة للأولى.

 

ثمة العديدُ منَ محاولاتِ تأطير النِّتَاجِ الأدبي الخارج عنْ حدودِ الوطن، ابتداءً بأدبِ المهجر، أدب اللجوء، وأدب المنفىْ أوْ الارْتِحال، وثمةَ اتفاقٌ علىْ الشَّكلِ العام لذاك الأدب، والذي يتمظهرُ باعتبارهِ أدبٌ إبداعيٌّ لكُتَّابٍ في غير بلدانهم نتيجة ظرفٍ طبيعيٍّ أوْ غير طبيعيٍّ قسري كالحرب، الاضطهاد والهيمنة. إلَّا أنَّ ثمّة اختلافٌ جوهريٌّ وجوديٌّ وقائم بين كلّ نوعٍ مما سلف، كالتباين الواضح بينَ أدب المنفىْ (مثلَ أدب الرِّوائي السّعودي عبد الرحمن منيف)، وأدب اللجوء (مثل أدب الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني)، واقتفاء أثر ذلك الاختلاف هو بطبيعةِ الحال لا يتأتَّىْ إلَّا منْ خلالِ مَفْهَمَة اللجوء باعتباره ظاهرةً متعلقةً بقضيةٍ جَمعية تخصّ الوطن والمواطنين أجمع، ولا سيَّما اغتراب الثاني عن الأول قسريَّاً، ولربما لمدةٍ مُؤقته، ولكنْ بوجودِ ضمير جمعيّ يتمفصل لدى الجميع حول ألم اللجوء ومرارته. علىْ العكسِ تماماً من أدبِ المنفى الذي قدْ يُتمكَّنَ إدراجه تحتَ الظَّواهر الفردية، نتيجةَ نفيّ فرد منَ المُجتمعِ إلىْ خارج الوطن، إلَّا أنَّ كلاهما يبحثان عن الحريّة والهوية، وكلاهما في مُربع الظلم والاضطهاد.

  

undefined  

أدبُ اللجوءِ فيْ البحثِ عنِ الهويّة والحريّة

تمثِّلُ الهويّة شعوراً جمعياً لمجموعةٍ ما، يربطهُا مصيرٌ واحدٌ، ووجود مُشترك. وهيَ مُجْمَلُ السِّمات الفكرية والروحية والعاطفية الواسمة لمجموعةٍ ما برمَّتها. أيْ أنَّها خصائصٌ وقيمٌ قابلة للتطوُّر والتحوّل وفق ما تتطلَّبه مُستجدَّات البيئة. أي أنَّها ذات صيرورة تاريخية متغيّرة، وفي هذا السِّياق فإنَّ الكاتبَ لأدبِ اللجوءِ يجيدُ مهارةَ الكشفِ عنْ معاناةٍ جمعية، سواء كانت تلك المُعاناة تنبثقُ من بؤرةِ الحرمان الاجتماعي – الاقتصادي، والاستبداد، أو نتيجة التفاعل بينَ عدة عِلَلٍ وعواملٍ شتَّى أودت بمجملها إلىْ لجوءِ الفرد عنْ بلدهِ الأم نتجية اندلاع ثورة، وربَّما اجلاء السكَّان عن مناطق سكنهم الأصلانية المُستعمَرة، فيحاول الأديبُ تشْكيلَ هويَّته الجديدة فيْ مكانه وزمانه الجديدين، لكنْ ليسَ بالضَّرورةِ أن تكونَ تلك الهويّة وليدة الزَّمان والمكانِ باعتبارهما أمراً واقعاً يأطِّران حدودها.

 

علىْ الرُّغم من حدودِ مكان وزَمان اللجوء، إلَّا أنَّ الهويةَ التيْ يُشرِّعها أدبُ اللجوء للجماعة تُفهم باعتبارها هوية الهمِّ الجمعي المُشترك للمجتمع، ومفتاح بقائه في خضمِ جدليّة الفقدان. وهي أيضاً نتاج الكلمة التيْ يحاول من خلالها الفرد والجماعة إعادة تعريف مفاهيمهم الخاصة، والتيْ تعذَّر امتلاكها أو صياغتها في ظلِّ أسباب مرارتهم وروافعها نحو أزمةِ اللّجوء، واغتراب المجتمع عن حريته، وقضائه في كنفِ أزمةِ الهويّة. مثل مفاهيم الحريّة، والقدرة على التنظيم وتجانس الهويّة.

 

إنَّ اللغةَ واحدةٌ منَ الخيوطِ الناسجة لشكلِ الهوية، وهي أيضاً من أعتق تجلياتها، والنَّاظمة لتجانسها، وكلما استطاعت جماعةٌ ما أنْ تنتجَ من اللغةِ أشكالاً ما تصِفُ ظاهرتهم الجمعية، كلما كانت تلك اللغة السبيل نحوَ تجانس هويتهم بوحدةِ الألم والمشاعر، وتماثل الاستراتيجية والهدف أيضاً. وعلى غرارِ ذلك، فإنَّ ديفيد إيفانز قالَ ذاتِ مرةٍ أنَّ " اللغة لا تُعبِّرُ عنْ الهويات فحسب، بل هي تبنيها أيضاً". فأدبُ اللُّجوء هو حقاً معولُ بناءٍ للهوية، ومراحل تبلورها وتوثيقها في أوقات الانقطاع والعزلة.

 

وفي سياق ما سبق، ثمةَ مصالحةٌ يُعربُ عنها أدب اللجوء بينَ الفردِ والآخر، وبينهم وبينَ المَكان، فتراه يعيدُ اختزال كلَّ معاني الحريّة فيْ القدرةِ علىْ جعلِ الظاهرة الجمعية ذات أولوية فيْ الكتابة والإبداع الأدبي. وكتب الرِّوائي جورج أورويل في هذا الصَّدَدِ عن الحريّة والأدب، وقبل نصف قرنٍ من الزَّمان قال أنَّ "أسوأ ما يمكنُ للمرء أنْ يفعله هو الاستسلام للكلمات، ويجبُ أنْ تكون اللغة أداةً من أدوات التعبيرِ، وليست أداةً لمنعِ الفكر وإخفاءه". وهذا ما حاول تجسيده أورويل في روايته العريقة (1984). إذن، فالحريّة هي الغاية وهي الوسيلة، كونها احدى السِّمات الحاضرة والدافعة نحو شغفِ البحث عنها بين أكوامِ كارثةِ أزمةِ اللجوء، وفي سبيل تحقيقها يُعيدُ الكاتبُ أيضاً قولبةَ زَمان اللجوء ومكانه كما يُريد، ليجعلَ من بكاء الخيمةِ ناراً تُشعلُ نضال العودة وغريزة البقاء.

  

undefined   

إعادة تشكيل الزمان والمكان

إنَّ اللجوءَ بمحدداتهِ الأهمْ، ولا سيّما المكان والزمان الجديدين، مِنْ أهمّ جذور الأزمة التي يحاول الكاتب اللاجئ إظهارهما تارة، والتمرد عليهما أخرى، من أجلِ إعادة صياغتهما بطريقةٍ تُقلل إلىْ الحدِّ الأدنى غرابة الواقع الجديد وقسوته، وتبديد تلك الغرابة لا تعنيْ بالمُطلقِ نسيان القضية الأم، أوْ هزيمة القسوةُ لمنْ يعاني أثرها. فاللاجئ على الدوامِ يغيثُ نفسهِ من فسحة أمل العودة، ولعل الأدب واحدٌ من هوامش تلك الفسحة. لأنَّ كل المعطيات المُتمثّلة في طبيعة الرّحلة القسرية، وفقدان الأرض والوطن، ونشوء مجتمع جديد مُتباين، والتناقض بين أمل العودة وألم الخيمة، وطرود الإغاثة، وتعليم الأونروا ولغز البقاء، كلَّها تجعلُ من اللاجئ بينَ خيارين، إمَّا أنْ يكونَ مهزوماً في جغرافيا الوطن ذات المكان والزمان الجديدين، أو أن يُمسي وحياً جديداً يُلهمُ المكان والزمان بملامحها المَرجوّة له ولغيره، وعبر ذلك يصنعُ ملهاة تاريخية، وملحمة توثيقية. ولكن؛ في خضمِ التّمرد على ما سبق، ثمة تساؤل مفاده هل أدب اللجوء واحد؟

 

أدب اللجوء: أدب واحدٌ أم آداب؟

بادئ ذي بدء، هناك اختلافٌ كبير وواضح بين طبيعةِ اللجوء على مدارِ المقاطعِ الزمنية السابقة، فلجوء الشعب الفلسطيني إبان العام 1948 كان لجوءاً بفعل الاستيطان الاستعماري، وتهجيرُ الفلسطينيّ عنْ مدينته وقريتهِ إلىْ مكانِه الجديد، والذي باتَ واحداً من حواضرِ إبداع الشَّعب الفلسطيني وسُميَ آنذاك "بالمخيم". وانتقالاً إلىْ اللجوء العراقي الذي وُسِم حينذاك أنَّ مدعاته نتيجة قبول تدخلٍ أجنبي في سيادةٍ وطنية من أجل زج مقولة دمقرطة النِّظام السياسي في طريق التدخل، وعلى العكسِ من ذلك، آلَ الأمرُ إلى اندلاع حروب كثيرة سواء كانت أهلية أو وطنية، وخرج المواطن من بلده بحثاً عن الاستقرار بفعل السياسات الكولونيالية الأمريكية. وأخيراً الزمن الذي ترافق مع انطلاق ثورات الرَّبيع العربي، تلكَ الثَّورات التي كانت صرخة طبقتي المجتمع الدنيا والمتوسطة في وجه الأنظمة الحاكمة، فأمست صرخة رضيعٍ في المخيم، وأنين ثكلى على أطلال الوطن، ورعشة مُسنٍّ في بردِ البحر المُتوسط وهو يشقُّ طريقه نحو مناطق اليورو.

   

في ضوء ما سبق، نستنتجُ أنَّ أدب اللجوء يُوصف أنَّه أدبٌ واحدٌ نتيجة تشابه قوة الإكراة المادية التي أدت إلى تهجير المواطنين من بُلدانهم الأم، ويُمكن أن يكونَ لكلِّ ظاهرة أدب مُختلف عندما يُنظر إلى مُسبب تلك ظاهرة. وهنا يظهرُ اختلافُ أدب اللجوء الفلسطيني إبان النكبة عام 1948 عن أدبِ اللّجوء العربي مثلاً إبان ثورات الرّبيع العربي التي انطلقت شرارتها فيْ أفولِ العام 2010. وكيفما كان، فلا أدنى شكٍّ من أنَّ أدب اللجوء لا يقتصر على تصوير اللاجئ باعتباره ضحيةَ بُنية ذات هيمنة فحسب، بلْ أنَّه ذو فعلٍ عضوي في قلبِ القضية في ذاتِ الوقت، وقادرٌ على أن ينتقل بأمانيه من كلمةٍ مكتوبة إلى واقعٍ مُعاش، حتى لو كانت بعد جيل.