وباء كورونا.. حرب عسكرية من زاوية أخرى!

يعيش العالم حاليا حالة من الذعر الكبير والقلق الشديد بتفشي وباء كورونا المستجد في أرجاء العالم، والذي حصد من الأرواح الكثير، فارضا وضعا أشبه بالشلل الكامل مسّ كل المجالات الحيوية ومظاهر الحياة الطبيعية لدى أغلب الدول التي انتشر فيها الوباء، فأغلقت المدارس وتوقفت حركة الملاحة وحوصر الناس في المطارات وحيل بين الإنسان وأخيه الإنسان وتغير السلوك البشري الاعتيادي، بل وبلغت حدة الإجراءات الاحترازية ضد الفيروس إلى فرض منع التجول في الشوارع ورفع راية الطوارئ في العديد من الدول المتضررة، ليعيش العالم فوضى كبيرة وغريبة ذكرتنا بما كنا نطالعه في كتب التاريخ عن فترات الطاعون والكوليرا والحمى الفرنسية وغيرها.

وإذا دققنا قليلا في كل هذه التداعيات الخطيرة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد، سنجدها أقرب إلى ما تفرضه الحرب العسكرية من تداعيات، ففي الحرب تندر المواد المعيشية ويسعى كل واحد بكل الوسائل الممكنة لمحاولة تخزين شيء منها للأيام القادمة الأكثر صعوبة، وينتشر الخوف والهلع والأخبار المرعبة المفبركة أغلبها، ويلزم الناس بيوتهم فلا يغادروها إلا للضرورة القصوى خوفا من الغارات المدمرة أو لانعدام وسائل التنقل وتعطّلها، وتنحصر العلاقات الاجتماعية بين الناس فتقلّ الزيارات واللقاءات والاحتفالات، بل ويصل الحد إلى إلغائها بشكل كامل، بالإضافة إلى تدنّى مؤشرات الأمن والاستقرار إلى أدنى مستوياتها، فيشعر الإنسان بأن الموت يهدد أفراد أسرته وعائلته بشكل مباشر مما ينغص الحياة عليه ويجعلها أقرب إلى الجحيم. هذا قليل من كثير مما يجمع بين وباء كورونا والحروب العسكرية، وكلها تؤدي إلى مصير واحد ونهاية قاسية.. الموت والهلاك.

هذا هو فيروس كورونا المستجد، أربك العالم بأسره، تمكن في ظرف قياسي من إلحاق خسائر فادحة في اقتصاديات العالم الكبرى تقدر بالمليارات، فتأهب العالم لمواجهته والقضاء عليه متّحدا كما لم يتّحد من قبل

غير أن الفارق الرئيس الذي يظل يميّز بينهما، هو أن الحرب العسكرية كُتب لها أن تشتعل في مناطق محددة على خريطة الكرة الأرضية، فتعاني فئات من البشر تداعياتها بكل آلامها وأوجاعها ومآسيها، بينما كتب القدر لفئات أخرى من نفس الجنس أن تحيا بعيدة كل البعد عن هذه الفئات المكلومة، فلا تعرف شيئا عن معانات الناس في تلك المناطق وربما لم تسمع بهم من قبل، وقد تدير ظهرها للشاشة بمجرد أن يتحدث تقرير إخباري ما عن أوضاعهم المزرية، فتعيش هذه الفئة المحظوظة بمعزل تماما عن بؤر الحرب والدمار.

في حين أن فيروس كورونا انتشر هوله في العالم أجمع، توغل غصبا إلى مركز الدول الأوروبية التي تدعي تفوقها الكاسح طبيّا، طرق باب الغني والفقير والعالم والجاهل، أصاب الرئيس والمرؤوس والوزير والرياضي والمتفائل والمتشائم على حد سواء، جعل دولا كبرى تنصاع أمام جبروته وقوته وتعترف علانية بفقدها السيطرة عليه، أرغم الشجعان والجبناء على لزوم بيوتهم، وكذلك المثقفين والأميين والمناضلين في الشوارع والمتقاعسين عن النضال، دفع رئيس أعتى دولة في العالم إلى دعوة الأمريكيين لإقامة صلاة يتضرعون فيها إلى الله لأجل أن يرفع عنهم هذا البلاء الذي انتصر على طائراتهم المقاتلة، وصواريخهم الذكية، ودباباتهم المصفحة، وعلومهم المتقدمة وجيوشهم المتأهبة، أذاق العالم مرارة الفقد وفداحة الموت، وأرغمهم على العيش في حالة من الرعب الشديد والشك المريب حتى في أقرب الناس إليهم، فرض حالة من الهدوء التام وانعدام للحركة في الشوارع والمحلات التجارية والمدارس والشركات والمطارات والإدارات وكأنها أصيبت بسكتة دماغية.

هذا هو فيروس كورونا المستجد، أربك العالم بأسره، تمكن في ظرف قياسي من إلحاق خسائر فادحة في اقتصاديات العالم الكبرى تقدر بالمليارات، فتأهب العالم لمواجهته والقضاء عليه متّحدا كما لم يتّحد من قبل، لا لشيء سوى لأن الفيروس قاتل يحصد الحياة في مناطق تكره الموت. ولكن الموت الذي يخشاه العالم يحصد أرواح الآلاف من الأبرياء في سوريا على الأقل، ولم نر استنفارا وتعبئة كالتي نراها اليوم، أهو موت آخر غير ذاك الذي يمشي على رجليه في سوريا والعراق وباقي الدول المنكوبة؟ وبغض النظر عن أسباب ودوافع هذا الوباء، إلا أنه أذاق الإنسانية جمعاء مرارة الفقد وفظاعة العيش في بؤرة من الرعب تهدد الإنسان بفقد حياته وذويه في أي لحظة، إنه شعور قاس وفادح رغم أن مسببه فيروس حقير صغير الحجم وليس طائرات حربية ترسل الموت من السماء مصحوبا بدويّ مفجع يزلزل القلوب.

التفتوا إلى الجهة الأخرى من الحرب من الألم، حيث يموت الأطفال وتُمزّق أشلاؤهم، وتُفتّت عظام أسر بكاملها وتُقبر تحت الركام، فهؤلاء يستحقون الحياة أيضا، وهم لا يطالبون بتعليق الدراسة في أرجاء العالم وإعلان حالة الطوارئ تضامنا مع معاناتهم، هم يطالبون فقط بأن تكفّ الطائرات الحربية عن إسقاط القنابل العنقودية والفسفورية والبراميل المتفجرة.. فوق منازلهم.



حول هذه القصة

أحدثت صدمة كورونا استفاقةً – قد تبقى لحظية وقد تمتدّ – من مطاردة الجماهير أحلام الفردوس الأرضيّ المتوهّم، الذي بيعت رموزُه المُسكِرة وعلاماته البازغة وسلعه الوافرة وخدماته المركّبة لجماهير الكوكب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة