لماذا من الصعب حدوث حرب عالمية ثالثة؟

تعصفُ الصراعات النظام الدولي. لتنتشر الصراعات ما بيّن العديد من الدول النامية والمتقدمة والعظمى، لتضرب الشرق الأوسط بقوة، وتهبُ رياح الصراع الاقتصادي الصين وأمريكا. وفي الآونةِ الأخيرة، مع تصاعد حدّة الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط، والصراع الاقتصادي الأمريكي الصيني، وتدهور الوضع الاقتصادي الدولي وزيادة التدهور مع انتشار وباء كورونا، ينتشر جدل في وسائل التواصل الاجتماعي، وبعضِ الكُتاب حول وقوعِ حربٍ عالمية ثالثة. هذا المقال سيبين إلى أي مدى يمكن أنّ تؤدي هذه الأحداث والصراعات إلى وقوع حربٍ عالمية ثالثة؟

وللإجابة على هذا السؤال، سأبين السيناريو الذي يتحدث عن وقوع حرب عالمية ثالثة، ومن ثمّ سأبين وجهة نظري التي لا تؤيد وقوع حربٍ عالمية جديدة. مُجيبًا على التساؤلات التالية: هل التدهور الاقتصادي سيقود لحرب عالمية؟ هل يعقل أن أمريكا من خلقت فايروس كورونا لضرب اقتصاد الصين؟ هل عقلانية الدول ستحول دون وقع الحرب؟ هل العولمة والسوق العالمي "الاعتمادية المتبادلة" سيكون سبباً في منع حدوث حرب عالمية ثالثة؟

هناك من يعتقد أن حرباً عالمية جديدة ستحدث، وأنَّ بوادرها الصراع الاقتصادي الصيني الأمريكي، وإنَّ حلبة الصراع العسكري ستكون في الشرق الأوسط لتمتد تلقائياً إلى حرب مباشرة! ليشترك بها تحالفات من الدول العظمى والمتقدمة وحتى النامية. أمريكا تُحاول أنّ تقف صعود الصين حيث أن تقدمها يشكل خطرًا عليها وكما أن أمريكا تريد البقاء على رأس القوى العالمية، لهذا يرى البعضُ أنَّ أمريكا لعدم قدرتها على وقف صعود الصين عسكرياً، لجأت إلى ضرب الصين بيولوجيا، لتهندس فايروس كورونا!

برغم أنَّ دور الدولة كفاعل في العلاقات الدولية تآكل بسبب المنظمات الدولية وقوة الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها تبقى الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، لتكون الدول هي الفاعل العقلاني

برغم أني أتفق على أنَّ أمريكا تسعى لوقف تقدم الصين، حيث أنَّ صعود الأخيّر يشكل خطرًا على أمريكا، هذا ناتج من انعدام الثقة بسبب فوضى النظام الدولي. لكن هل قامت أمريكا بهندسة الفايروس؟ أعتقد أن هذا يخالف عقلانية ومصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنَّ النظام العالمي على أثر الليبرالية الجديدة، تحوّل إلى سوق عالمي، أي إنَّ المتضرر هو العالم كله، لتصبح الدول لديها اعتمادية متبادلة، ومصالح مشتركة اقتصادياً. الولايات المتحدة الأمريكية هي من أكبر المتضرريّن اقتصاديا من انتشار فايروس كورونا، كما ينتشر هلع كبير جداً في البورصة العالمية، ودول العالم من أزمة اقتصادية عالمية جديدة، وفي الحقيقة أتوقع أنها ستحدث خلال الأسابيع القادمة، فخسائر البورصة الأسبوعية هي الأكبر منذ الأزمة المالية عام 2008. كما أنَّ امتلاك الصين قوة الردع الجرثومية الثانية، فمن المعلوم حجم التقدم في الهندسة الفيروسية عند الصين، وهذا سيمنع أمريكا من محاولة القيام بضربة بيولوجية. إنَّ عدم تأييدي لوقوع حرب عالمية ثالثة، يرجع لسببين الاعتمادية المتبادلة الناتجة من السوق العالمي، والعقلانية الفواعل الدوليين.

أولاً: الاعتمادية المتبادلة

إننا نعيش في نظامٍ عالمي مُترابط، ناتج من السوق العالمي الواحد والعولمة التي عززتها الليبرالية الجديدة، لنجد أنَّ مُعظم دول العالم ليبرالية بتباين وتعتمد على السوق العالمي بشكل كبير، وإن الدول العظمى لنّ تستطيع الاستغناء عن السوق العالمي، وإنَّ تقدمها واقتصادها مبني على التبادل التجاري العالمي، لندخل في حلقةٍ مُفرغة لا تنتهي من المصالح الاقتصادية، لنصل اليوم إلى اعتمادية مُتبادلة ما بين الدول العالم، لتستفيد الدول من التبادل العالمي، حيث هناك يوجد سوق مفتوح، لنجد أن العالم مترابط في حلقة تجارية واستثمارات بين دول العالم، حيث إنَّ المُنتج الذي يتمّ إنتاجهُ في اليابان، يتكون منّ مواد خام ومصنعة من أكثر من 10 دول، لنجد المنتج ذات طابع عالمي، أيّ أنَّ العالم منّ أوجد هذا المنتج ليس دولة معينة، فإن الضرر على أي دولة من الدول العظمى سيلحق ضررًا لدول العالم، فكيف إنّ كانت حرباً مباشرة، لهذا أعتقد أنهُ منّ غيرِ المنطقي حدوث حرب عالمية. إنَّ الدولة وبفعلِ تزايد قوة شركات متعددة الجنسيات، فقدت من قوتها، وخاصة على صعيد اتخاذ قرار الحرب، حيث أن الشركات الخاصة داخل الدولة نفسها ستكون عنصر ضاغط على الحكومة من أجلِ وقفِ أيّ حرب، فكيف إنّ كان هناك حديث عن حرب عالمية ثالثة.

ثانياً: عقلانية الفواعل الدوليين

برغم أنَّ دور الدولة كفاعل في العلاقات الدولية تآكل بسبب المنظمات الدولية وقوة الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها تبقى الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، لتكون الدول هي الفاعل العقلاني. إنَّ انتشار التقنية النووية بفعل التقدم العلمي، زاد من انتشار الأسلحة النووية، لتمتلكه 9 دول حول العالم "روسيا، أمريكا، بريطانيا، فرنسا، الصين، الهند، باكستان، كوريا الشمالية والاحتلال الإسرائيلي" ومعظمهم يمتلكون قوة الردع النووي والقدرة على ردع الضربة الأولى، من خلال امتلاكهم القدرة على الضربة الثانية، وهذا جنّب العالم استضام القوى العظمى عسكرياً، حيث يجب التفكير جيدًا قبل المضي قدمًا حول الحرب، حيث أنَّ الحرب بيّن طرفين يمتلكان السلاح النووي يعني دمار الطرفيّن، حتى وإنّ كان الصراع ضمن الأسلحة المشروعة دولياً، سيكون من المحتمل استخدام سلاح النووي عن طريق الخطأ، لهذا تتجنب الدول العظمى الحرب المُباشرة، وهذا بدوره يمنع حدوث حرب عالمية ثالثة.

في النهاية أؤكد على أنهُ برغم الفوضوية في النظام الدولي، إلا إننا نعيش في عصرِ العولمة، والسوق الواحد، فالعالم مترابط اقتصاديًا، وهذا يقود للتعاون بين الدول، ليجنب العالم الوقوع في فخ المعضلة الأمنية، ويمنع وقوع حربٍ عالمية ثالثة، وكما يمكن القول إن العالم اليوم مُعتمدٌ على بعضه البعض ليكون هناك اعتمادية متبادلة، فلا يمكن لدولة أنّ تعيش بمعزل عن السوق العالمي، وإنَّ الضرر الذي سيلحق في أحد الدول العظمى هو ضررٌ عالمي لا يقتصر بدولةٍ واحدة، فكورونا الصين هي كورونا العالم.



حول هذه القصة

القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية مازالت تتيح لإدارة ترامب معاقبة الصين؛ لكن الضرر الذي سيلحق بالاقتصاد الأمريكي جراء هذه العقوبات لن يقل كثيرا عن الأضرار التي تلحق باقتصادات الدول الخاضعة للعقوبات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة