الأستاذ محمود علي مكي الذي كان أعلم أهل الأرض

كان أستاذنا الدكتور محمود علي مكي (١٩٢٩- ٢٠١٣) في جيله يبدو وكأنه أعلم أهل الأرض، كان كذلك فيما يبدو للوهلة الأولى وكان كذلك فيما يبدو بعد تحقيق وتأمل، فقد كان حافظاً ومدققاً، كما كان ذا رواية ودراية، وكان يجيد تسكين الحقيقة وموضعتها في مكانها الحقيقي من التاريخ البشري الحضاري المتصل، وكان بهذه القدرة على وضع الحقائق في سياقها الصائب يتجنب قدراً كبيراً من الاستنتاجات الخاطئة التي تجعله ينظر إلى السبب على أنه نتيجة، أو إلى النتيجة على أنها سبب، أو تجعل المتأثر قدوة، والقدوة متأثراً.. وهكذا.

 

كان أستاذنا الدكتور محمود علي مكي يُجيد التفريق بين الكلمات التي التبست على العلماء السابقين على مدى التاريخ العربي الإسلامي، كان يعرف مصدر اللبس ويجيد التنبيه عليه ويجيد التفريق بين كل شبيهين بل بين كل مثيلين. كان الدكتور محمود علي مكي قادراً أيضاً على أن يعرف الثمين من الغث، وعلى أن يعرف الحقيقة في أيّ أكذوبة طال تردادها وتواترها حتى أضحت من المسلمات التي قد يعتبرها كثير من الباحثين بديهيات من أصول العلم.

 

تنازعت أستاذنا الدكتور محمود علي مكي اللغتان العربية والإسبانية ودراسات أدبيهما وحضارتيهما، فأعطى كل منهما ما عجز الآخرون عن إعطائه في ذات الوقت، فكان الرئيس المؤسس لقسم اللغة الإسبانية في آداب القاهرة

كان الدكتور محمود علي مكي ذا قدرة فائقة على استدعاء ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح الشواهد البلاغية. أي تلك الأمثلة التقليدية التي يمكن التدليل بها على رأي من آراء النقاد ومؤرخي الأدب السابقين سواء من باب الاستشهاد أو من باب التأصيل لمعنى من معاني الأداء البلاغي المتفوق في الأدب العربي على مدى تاريخه. جمع استاذنا الدكتور محمود علي مكي مع هذا كله صفاء في النفس جعله قادراً على أن يتقبل الجميع بروح طيبة، وأن يبتسم للكاذب لأنه يعرف أنه ضعيف، وأن يتواضع للمدعي لأنه يعرف أنه فارغ، وأن يسامح العصبي لأنه يعرف أنه مضغوط لكنه مع كل هذا لم يكن على استعداد لأن ينضم إلى صاحب الباطل، ولا أن ينصر الظالم، ولا ان يشهد الزور، ولا أن يقر الخطأ، ولا أن يُمرر التدليس.

 

بل إنه مع ما عرف عنه من حرصه كل الحرص على البعد عن المعارك كان أكثر حرصا على ألا يقف في صف الباطل، ومع انه كان يكره منطق العصبة والعشيرة فإنه كان يحب أن يكون مع الحق بقدر ما تسعه الظروف. كان الدكتور محمود علي مكي شجرة معطاءة بالعلم والفضل، ظللت كل من عرفها، وأتاحت ظلها لكل من أراد أن يستضيء بظلها المعرفي الذكي المنتج للضوء والتنوير، أو يستظل به، ومع أن وقته كان مزدحما فإنه لم يكن يبخل على أي طالب علم بما يعينه على العلم والبحث والتفوق والتجويد والإضافة. لم يعرف استاذنا الدكتور محمود علي مكي الأنانية، ولو أنه عرفها بقدر معقول، لترك لنا تراثا موسوعيا نادراً يستوعب ما جمعه وما أضافه، وما صححه، وما علّق به، وما أعاد بناءه وتركيبه من سياق التاريخ الأدبي والحضاري للوجود العربي الأندلسي كله.

 

تنازعت أستاذنا الدكتور محمود علي مكي اللغتان العربية والإسبانية ودراسات أدبيهما وحضارتيهما، فأعطى كل منهما ما عجز الآخرون عن إعطائه في ذات الوقت، فكان الرئيس المؤسس لقسم اللغة الإسبانية في آداب القاهرة في الوقت الذي كان من حقه فيه أن يرأس قسم اللغة العربية، ولكنه كان يقبل لنفسه أن يكون حيث يعجز غيره عن أن يقوم بدوره، حتى وإن كان من حقه أن يكون في الموضع الذي يعجز غيره فيه أن يقوم بالدور على نحو ما يقوم به هو نفسه. كان الدكتور محمود علي مكي مترجما قديراً تمكن من الصياغة العربية المشرقة لكثير من المعاني التي لم يعرفها التاريخ الإنساني من قبل، وبخاصة في النظم الثقافية والاتصالية المستحدثة، واقتضى منه هذا أن يضع مصطلحات جديدة وأن يشتق تعبيرات جديدة، وأن يصطنع كثيرا من التركيبات اللغوية الحقيقية والمجازية على حد سواء، وقد أدى الدكتور محمود علي مكي هذا كله بسلاسة منقطعة النظير، وبفهم عميق كان من الصعب على أي أحد غيره أن يصل إليه.

 

تميّز استاذنا الدكتور محمود علي مكي بروح أبوية حانية وحازمة كانت نادرة في جيله، وكان قادراً بها على أن يحقق ما لم يحققه غيره من إنجاز ابوي، لا تزال آثاره مثمرة، وستظل مثمرة على الدوام، لأنها قامت على أساس من القدرة على التواصل بعيداً عن الإغراءات الموحية بالوصول السريع إلى ذروة النجاح او التفوق وهو مالم يكن أستاذنا بحاجة إلى إثباته لأنه كان قد حققه بالفعل.

 

لم يكن أستاذنا الدكتور محمود علي مكي حريصا على أن يؤسس لمدرسة تدين له بالولاء لسبب أهم من هذا بكثير وهو أنه رزق منذ بدايات نشاطه العلمي بالتقدير الموحى بقدرته على التحقق من خلال الإلهام الذي مارسه في بحوثه وكتاباته وأستاذيته وتعليقاته ومناقشاته ومراجعاته، ومن خلال ما تميز به من أرصدة نادرة ومكتنزة صاغت و بلورت  أصالته وجديته وذكائه وتواضعه، وهكذا كانت تصويبات الدكتور محمود علي مكي وتحقيقاته المبكرة بمثابة مدرسة تابع الباحثون استلهام آراء صاحبها في كل الميادين المتصلة بموضوعات دراساته وبحثه، وبخاصة أنه لم يكن يضع فارقاً بين الأدب والتاريخ، ولا فارقا بين النص واللغة، وهكذا تميزت معاملته للمعرفة الإنسانية برحابة الرؤية القادرة على تخليص الآراء تماما من ضيق الأفق ومحدودية الخبرة بالنصوص، والوقوف عند ظاهر النص دون استيعاب لروحه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة