أحتاج شيخا تقليديا يعظني ويذكرني

blogs خطبة الجمعة

كم أنا بحاجة إلى (شيخ تقليدي) واعظ؛ بغض النظر عن لقبه الأكاديمي، ولا يشترط أن يحمل الحرف (د) ونقطة قبل اسمه، فيهزني بوعظه ويدخل كلامه صميم قلبي، شيخ واعظ يذكّرني بقدرة الله، وضرورة الإيمان الصادق بالقضاء والقدر، وأن الله -جل وعلا- هو المتحكم والمتصرف بالكون بكل ما فيه.. شيخ يقول لي بأن الإنسان مهما بلغ من القوة ومن التقدم في مجالات العلوم والتقنيات وفي المجال الطبي يظل ضعيفا أمام قدرة الله؛ الله الذي جعل من فايروس لا يرى إلا بمجهر إلكتروني شغل العالم الشاغل، حتى سجن هذا الفايروس مئات الملايين من الناس في بلدانهم أو مساكنهم، وهم الذين كانوا بفضل وسائل النقل المختلفة خاصة الطيران يستطيعون قطع مسافات طويلة بساعات معدودة، كان أجدادهم يقطعونها بشق الأنفس في أيام وأسابيع وشهور.

  

شيخ يقول لي: إن الإنسان الذي يستعد ويتأهب لاكتشاف الكواكب والمجرات البعيدة وأشكال الحياة فيها-إذا وجدت- يعجز أمام هذا الفايروس عجزا لا يجد دونه سوى ما كان قبل قرون طويلة…الحجر والإغلاق، شيخ يرفع صوته قائلا: إن الدول العظمى والكبرى التي استكبر حكامها في الأرض، والذين بما في حوزتهم من سلاح فتّاك يستطيعون جعل المدن العامرة  كومة رماد؛ هذه الدول ترتعد وتتقوقع على ذاتها، وتغير أولويات الإنفاق من موازناتها، وتحجر على ساكني مدنها ذات الأبراج الشاهقة، والحدائق الغناء، خوفا من تفشي وباء ينتشر في كل مكان كأنه نقطة حبر سقطت في كأس ماء صغير.

 

شيخ يذكرني كيف أن الله ما بين طرفة عين والتفاتتها يغير من حال إلى حال؛ فانظر كيف أن غزة التي كانت تصرخ وتستغيث في عالم أغلق آذانه عن سماع أنين أطفالها وفقرائها، كي يفتح لها الحدود أمام من يريد العلاج أو السفر من أجل العلم أو العمل أو الحج والعمرة أو غير ذلك، هي ذاتها غزة التي تغلق أبوابها وتعطي العالم درسا يتجرعه من كأس ذاقه الغزيّون طوال عقد ونيف، وكم أحتاج شيخا يعظني ويحضني على التضرع ورفع كفيّ إلى الله، وعن قيمة بل جمال النشيج والتوسل إلى الله القادر القاهر فوق عباده، الرحمن الرحيم الكريم الرؤوف أن يخفف عنا ويزيل ما حلّ بنا من كرب، ويرفع عنا ما أصابنا من بلاء…وأن الإنسان حين يخلص العبودية، ويتجه إلى الله بالدعاء والرجاء سيصبح سيدا في الأرض.

  

الشيخ والواعظ وخطيب الجمعة ليس محللا سياسيا، ولا صحافيا استقصائيا، ولا خبيرا استراتيجيا، ولا باحثا مختصا في الأسواق العالمية وأسعار النفط والعملات، وهو أيضا ليس خبيرا في شؤون الداء والدواء والأمصال واللقاحات، كي نحمله مسئولية ما ليس من مجاله

أريد شيخا يتلو عليّ قول الله تعالى في سورة الذاريات (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ويقول لي:  لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الله يقبل توبة العبد، ويحب الله عبده اللحوح، لقد سئمت هذا الكم الهائل من التحليلات المرئية والمرقومة حول كورونا، ومللت فيضها المتدفق على مدار الساعة، وعافت نفسي تحليلات ينقصها الدليل، ولا تنبئك اليقين حول الفايروس؛ هل هو اختراع صيني للسيطرة على بورصات العالم بعد هبوط أسعارها؛ وآخر يرد بأنه اختراع أمريكي يهدف إلى ضرب الاقتصاد الصيني، وذاك ينفي هذا وذاك ويأتيني بتحليل جديد، وما فائدة هذا كله، وماذا سينفع أمام العجز والارتباك في مواجهة الجائحة المتمددة، خاصة لأمثالي ممن ليس بيدهم حلّ ولا ربط؟!

 

أريد شيخا رصينا يذكّر بأنه حتى ولو كانت فرضية نشر الوباء صحيحة فمردها تمرّد الإنسان على أوامر ربه الذي جعله خليفة في الأرض ليعمرها لا ليفسد فيها، وأن الجشع والطمع والأنانية والانحراف عن صراط الله المستقيم، ومنهج الله القويم، أحتاج شيخا يذكرني بتحفيز بأن أمة الإسلام حين تركت الريادة والقيادة فقد تضررت وضعفت، وتضررت معها الأمم الأخرى، وساد البؤس والشقاء أرجاء هذا الكوكب، وأن نهضة المسلم واجبة كي ينقذ نفسه ومعه غيره، لأن معياره الأساس هو التقوى ومخافة الله وليس كم سيجني من ربح مادي زائل، وطغيان ونفوذ بائد.

 

هذا جزء مما صار يعرف بالوعظ التقليدي، ولقد دأب بعضنا على السخرية منه والاستهانة به والتقليل من أهميته العظيمة…ويا لشقائنا ويا لحماقتنا؛ فهذا الخطاب أو الوعظ التقليدي كان أحد أهم عوامل صبرنا وصمودنا وثباتنا وحفظ كينونتنا وكان سلاحا فعالا لاجتياز مراحل وأزمات صعبة على مدى الزمن، وهو الذي جعلنا نستشعر الحاجة إلى لطف الله، ونبتهل طالبين الرحمة والمغفرة ونطمع بكرم الله وسخيّ عطاياه.

 

أتذكر إبان أزمة احتلال صدام للكويت وحين كانت طبول الحرب تقرع؛ واعظا من إحدى القرى لا أعرف اسمه، بعد صلاة المغرب أو العشاء في يوم شتوي جاف وقف وحدّث المصلين بكلام خرج من القلب فاقتحم قلوبهم؛ فقال مما قال: نحن نعيش خوفا وقلقا كبيرا لأننا أمام ثلاثة اجتمعت مرة واحدة؛ فالخوف من الحرب المتوقعة، مع حالة الانتفاضة وجرائم الاحتلال، وتأخر وانحباس المطر كما نرى مما يهدد الموسم (كان الناس يعتمدون على الزراعة أكثر من الآن) ثم انطلق بعد هذا الكشف عما يشعر به الناس فعلا، وصب في آذان الحضور كلاما طيبا تلا فيه آيات من كتاب الله العزيز، وأتى بأحاديث مع الإشارة إلى رواتها، وقصصا ومقولات وحكما ومواقف من سير الصحابة والتابعين والصالحين…وحض الناس على الاعتصام بحبل الله المتين والصبر والدعاء والثبات؛ فو الله ما فرغ من هذا الدرس الذي استمر أقل من ثلث ساعة، حتى رأيت الناس وقد انتابهم خجل مما كان في صدورهم، وانقلب شعورهم، وتبدل حالهم، وكأنهم يرون الحرب القادمة بردا وسلاما، وأن جيش الاحتلال ليس سوى دمى بلاستيكية، وشعرنا كأن الغيث سينزل بعد تأخره من السماء ليحيي الأرض بعد موتها…هذا شعورعمّ من حضر وسمع وانتقل إلى أسرهم وأصحابهم…وهذا ما صرنا نعرفه هذه الأيام بالطاقة الإيجابية التي مصدرها رجل أحسب أنه لا يحمل مؤهلا علميا عاليا، ومن قرية بسيطة، وقد لبس دشداشا ورداء من الصوف واعتمر كوفية، وكان قد أعفى لحيته…هكذا دون تكلف ولا تفيهق غيّر شعور مجموعة غيرت شعور من اختلطت بهم…فسبحان الله العظيم.

 

الموعظة هي بمثابة (Refresh) للقلوب والنفوس والعقول المثقلة بضجيج الحياة وثقل الأحداث…وقد تكلمت بصيغة المفرد فقلت (أحتاج) والحقيقة أننا جميعا نحتاج

فالشيخ والواعظ وخطيب الجمعة ليس محللا سياسيا، ولا صحافيا استقصائيا، ولا خبيرا استراتيجيا، ولا باحثا مختصا في الأسواق العالمية وأسعار النفط والعملات، وهو أيضا ليس خبيرا في شؤون الداء والدواء والأمصال واللقاحات، كي نحمله مسئولية ما ليس من مجاله، وكل ما سبق وغيره، له أهله وطرق دراسته ومهنه وحقول أعماله، ومواعظه لا تعيق عمل هؤلاء ولا تتعارض معه، مثلما يروّج بعض من يزعمون التجديد في (الخطاب الديني) وأرى أن عقولهم هي التي تحتاج تجديدا وتحديثا! الواعظ هو إنسان مهمته تذكير الناس بتقوى الله وطاعته، والصبر على البلاء، والشكر على النعم، ويذكر الناس بقدرة الله وعظمته، ويحضهم على تجديد العهد معه، والرجوع إليه، والإكثار من الطاعات، وينهاهم عن المعاصي واجتراح السيئات، ويؤكد لهم حقيقة يعرفونها ولكنهم يتغافلون بطول الأمل عنها، وهي أن الموت قادم والقبر مفتوح لكل منا، وأنه ما بعد الموت إلا برزخ وقيامة وحساب وجنة أو نار.

 

ولكن حين سخرنا وتعالينا على (الوعظ التقليدي) واعتبرناه صار لا يصلح لعصر العلم وعفا عليه الزمن، فقدنا السكينة وخسرنا الطمأنينة والراحة النفسية التي دونها أي راحة، وصرنا نطالب الشيوخ والواعظين بما ليس من مهماتهم؛ فما الفائدة حين يتحدث الشيخ الواعظ عن مؤامرات الدول الكبرى على بعضها، وعن الألاعيب السياسية، والتحليلات التي هي ظنون تلغيها وتنسفها ظنون أخرى؟ هناك من هذا مجال اختصاصه أو عمله أو اهتمامه، فلماذا نصرّ على سحب الواعظ من بيت التذكرة المنير إلى ضبابية لا تنفعنا ولا تضيف إلينا شيئا؟! ولا يُفهم من كلامي أنني أدعو إلى أن يكون الشيخ الواعظ جاهلا أو متجاهلا لهذه الأمور والتحليلات، ولكن يجب ألا يغلب حديث التحليل السياسي والاقتصادي على حديث الموعظة، والروحانية الضرورية عند سماع الموعظة.

 

فنحن في عجلة الحياة غارقون في عالم المادة، والدقائق التي نسمع بها وعظ الشيخ مقتطعة من وقت طويل يحتاج إلى ما يشبه التنقية من الدرن، والشحن والحض على المصابرة والنظر إلى الآخرة، والحذر من البعد عن الله…ولا داعي أن نغرق في محاولة معرفة مخططات المخابرات الدولية التي هي ظن لا يغني من الحق شيئا، وعند الواعظ كتاب الله المانح ليقين لا يتزحزح…فكما يحتاج الجسد المنهك إلى قسط من الراحة، يحتاج العقل والقلب إلى راحة تمنحها موعظة قوامها كلام الله، وزينتها سيرة رسوله، وتعطي السامع شحنة من أخبار السلف الصالح، وقد يقال: لماذا تطلب شيئا موجودا فعلا؟ فهناك شيوخ مثل ما وصفت، وحديثهم كما ذكرت، ودروسهم لا ينفك عنها ما إليه اشتقت؛ قلت:  صحيح، ولا ينقطع الخير من هذه الأمة، ولكن صار هؤلاء هم الاستثناء لا القاعدة، وقلة بعدما كانوا قبل عقدين من الزمن كثرة، والأهم كنا راضين بهم وقابلين لدورهم، ولا نطلب منهم شيئا ليس من شأنهم، ولعل سخريتنا بالوعظ التقليدي…إذا سلمنا بالتسمية، هو ما جعل طائفة من الشيوخ والواعظين تزهد به، وتحاول محاكاة أهل الشؤون الأخرى، فخسر الجميع، وجاءتنا البلوى من (مشايخ مودرن) تحولوا من حض الناس على الحرص على الآخرة والسعي لها بإيمان، مثلما كان حال الوعظ، إلى تحريض الناس على الانكباب على الدنيا، دون ذرة من خجل، وصار لهم جمهور يصفق لهم لأنهم يوافقون هواه.

 

الموعظة هي بمثابة (Refresh) للقلوب والنفوس والعقول المثقلة بضجيج الحياة وثقل الأحداث…وقد تكلمت بصيغة المفرد فقلت (أحتاج) والحقيقة أننا جميعا نحتاج… أعيدوا لنا الوعظ التقليدي كما كان، ومن يسخر منه فليتق الله، ولينشغل بإصلاح قلبه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة