فرصة كورونا التي قد تتبدد

ينشغل العالم بمؤشِّرات الجائحة ويلمس عواقبها الجسيمة وانعكاساتها الحادّة في قطاعات شتى؛ مع ضعف المصارحة بالصدمة المكتومة في الأعماق، لأنّ أطرافاً عدّة لا مصلحة لها بأي مكاشفة أو مراجعة أو استدراك، لن تبقى كورونا كنايةً عن معضلة صحية وأعباء اقتصادية وعواقب جسيمة في مجالات شتى وحسب، فموسمها أحدث انقلاباً داهَم المدنيّة الحديثة المُعولمة وأخضعها فجأة فانصاعت لمنطقه القسري بعد تلكّؤ. سيتواصل الإذعان المُعوْلَم لمنطق الوباء زمناً قد يَقصُر بالمجتمعات أو يطول؛ دون أن تفارق البشرية خبراتٍ مؤلمة ودروساً قاسية سيجرّها الموسمُ على الناجين من مآلاته الغامضة.

  

تتوقّف الآلة العظيمة فجأة إنْ تعطّلت عجلةٌ مسنّنة صغيرة فيها، وتُصاب المدنيّة الحديثة بالشّلل إن تسلّل إليها كائنٌ مجهري لم ترغب به ابتداءً، وهكذا تكتشف البشريّة التي كانت مزهوّة بمنجزاتها ومبتكراتها؛ قابليّتها للخدش وجاهزيّتها للألم من حيث لم تحتسب. يعني ذلك أنّ تجربة "كوفيد 19" افتتحت عهداً جديداً سيتّسع فيه نطاق التوقّعات والمخاوف والهواجس تحسُّباً لما قد يليها من جوائح؛ وإنْ حوصر هذا الوباء في أمد قريب، وهي خشية مبرّرة كما اتّضح للعيان مع خبرات موسم كورونا.

  

أحدثت صدمة كورونا استفاقةً – قد تبقى لحظية وقد تمتدّ – من مطاردة الجماهير أحلام الفردوس الأرضيّ المتوهّم، الذي بيعت رموزُه المُسكِرة وعلاماته البازغة وسلعه الوافرة وخدماته المركّبة لجماهير الكوكب ثمّ اكتشفت الواقع الموبوء مجرّداً من حُلّته المُفتعلة. تزهد الأذهان بما عُدّ سابقاً من أمارات الحياة المثالية، ويستفيق الوجدان الجمعيّ من سكرة العيْش الرّغيد والخلاص الدّنيويّ كما أمْلَتها ثقافة السُّوق والتّواطؤات المنعقدة معها، فهي لحظة هبوط اضطراريّ ينبغي التجرّد فيها من أقنعة الافتعال والتخلِّي عن امتيازات الحظوة التي ينعم بها راكبو الدرجة الأولى أيضاً.

 

هَجَر البشر متاجر السِّلع الفاخرة فجأة، وانصرفوا عن مرافق التنعّم بالطعام والشراب والثرثرة والفُرجة والتّسكُّع في الأسواق؛ وما عادوا يطلبون علاماتٍ تجارية شُحِنَت بمعانٍ رمزيّة مكثّفة وصُبّت فيها وعودٌ فردوسيّة حالمة. إنه زمن الجوائح – الذي قد يتجدّد مع أجيال لاحقة من كورونا أو غيرها من الكائنات المجهريّة – وهو وباء لا يستثني محظيِّي الكوكب ولا يمنح امتيازاً لفئة "في آي بي" أو لركّاب الدرجة الأولى أو لمرتادي "ستاربكس"، وقد تكون الجائحة إليهم أقرب لاتِّصالهم الوثيق بحركة العصر وتشابك الجغرافيا في الزمن المُعولَم.

  

 

سدّدت الجائحة المُعولَمة ضربةً مُوجِعة لثقافة استهلاك جامحة عجزت دعوات الإصلاح والتّرشيد المتلاحقة عن كبح غلوائها؛ فانقلبت المجتمعات مع صدمة كورونا من نَهَم استهلاكيّ يحرص على ما لا مصلحة مجرّدة في اقتنائه وتجريبه؛ إلى أولوية الظّفر بلفائف ورقيّة وقطع صابون ومعلّبات سردين. يشهد زحام المتاجر الكبرى في الحواضر الحديثة على انقلاب معنوي سيترسّخ كلّما تعاظمت الجائحة واستَشْرَت، هل تحتمل ثقافة الاستهلاك الجامحة المدفوعة من قوى السُّوق؛ انزلاق قطعة الصابون إلى مركز الطلب الجماهيريّ مع لفافة ورقيّة وعلبة أغذية محفوظة وبعض البقوليّات؟ هل تقوى السُّوق على مسايرة الأولويّات التي انتظمت فجأة على أساس الضرورة الملحّة والحاجة المؤكدة والمنفعة المجرّدة؛ وهي أولويّات قد تعيد الاعتبار إلى ثقافة حفظ النِّعمة وتحاشي الهدر؟

 

إنها السُّوق التي تتجرّع كؤوس الخيْبة بعد أن أنشأت في مُدرَكات الجمهور وعياً زائفاً بسلع وخدمات دفعت بها تباعاً إلى مركز الطّلب الجماهيري عبر مقدِّمات محبوكة، بما أذكى سلوك الهدر المنهجيّ على كلِّ صعيد بصفته من مقتضيات الإنتاج بالجملة والحرص على ضبط الأسعار وتعظيم الأرباح. تواجه السُّوق مأزقها مع عربات التسوّق المقتصرة على لوازم الإبحار في الفُلْك المشحون خشية طوفان يعلو منسوبه يوماً بعد يوم. فهل تمنح الحقائب الفاخرة فرصةَ نجاة لمشتريها، وهل تجود السّاعات السويسرية بدقائق إضافية على مرتديها في حياة قصيرة؟

 

ستعيش البشرية هذا المقطع الزمنيّ من تاريخها؛ بمعزل عن "مكدونالدز" و"ستاربكس"، وقد تدرك أنّ الحياة ممكنة حتى بدون علامة "غوتشي" وأخواتها التي تنتسب إلى إيطاليا الموبوءة تحديداً. وقد تعيد البشرية تأويل مقولات استبدّت بها في الزمن الشبكي عن "فنّ اللامبالاة" و"زمن التفاهة"، فمن يتزاحمون لاقتناء سلع أساسية في المتاجر إنّما قُضّت مضاجعهم خشية ما يحمله إليهم اليوم التالي الذي لم يستشرفه السِّياسيّون ولم تحذِّر منه جوقةُ "المؤثِّرين" في الشّاشات والشّبكات من مستقطبي المتابعين وحاصدي الإعجابات. ومَن انتقَبْن بكمامات طبِّية مانعة للشّهيّة لن يلتَفِتْن في هذا الموسم إلى ما تقترحه أي "فاشينيستا" من فنون الاستعراض الشكليّ والتقنّع بالمساحيق والانهماك في تسليع الذّات. تشهد البشريّة مقطعاً قاسياً من تاريخها يُملي عليها سدّ المنافذ بعد انشغال مديد بإحداث الخروق والفجوات في ملابسها وكشف مساحات زائدة من الجسد للتلصُّص.

 

قد لا يُدرِك مجتمع الكمّامات والتعقيم الشامل والعزل الصحِّي أنه امْتلَك من فوْرِه فرصةَ تحرّر وتخفّف؛ منذ أن أفاق من أوهام محبوكة تكثّفت أحابيلها في خطاب السُّوق وثقافة الاستهلاك. يكتسب الجمهور في كهوف العزلة خبرةً مستجدّة تمكِّنه من إعادة تأويل الجداريات الإعلانيّة المتزاحمة في الأرجاء على أساس الانقلاب الحاصل. تخسر الغواية الاستهلاكية المصوّرة مغزاها المنشود منها منذ أن اتّضح انتماؤها واقعيّاً إلى زمن مضى؛ انقشعت وعوده الحالمة التي نُسِجت في عصر ما قبل الجائحة. فأيُّ جدوى من إعلانات الترغيب بالسّفر، مثلاً، وقد صارت دعوةً ساذجة لخوْض رحلة مشبّعة بهواجس الإصابة بالفيروس أو الدخول في العزل الصِّحيّ؟ تبدو المطارات الحديثة شاهداً على الانقلاب المفاجئ بعد أن صارت أقفاراً موحِشة يسودها الرِّيبة بمن اعتلّت صحّتهم أو انفلت منهم عُطاس أو سُعال؛ إنْ بقي في الموانئ الجويّة شيء من حياة.

   

  

تحمل كورونا فرصة جادّة لاكتشاف الذّات بمنظور واقعيّ؛ مع الإنسان الذي يُدرِك حدودَ قدرته بعد أن بالغ في توقّعاته من نفسه. تضخّم الإحساس بالتّعالي حتى تصوّر بعض البشر أنهم مركز الحياة والكوكب والكون والأشياء، لكنهم يتحدّثون اليوم عن كائن مجهريّ يطاردهم ويرغمهم على التنازل عن طرائقهم في العيْش؛ فهذا ما يشغل دونالد ترمب المتغطرس في داره البيضاء وبائعة الحليّ الفاخرة في المتجر المُغلَق وواعظ الحي الزّاهد في زاويته المهجورة، حتى أنّ إيمانويل ماكرون أعلن أنّ فرنسا الأطلسية دخلت في حالة حرب مع هذا الكائن الذي لا يُرى بالعيْن المُجرّدة.

  

يعبِّر خطاب الحرب على كورونا عن هيمنة "المدرسة القديمة" التي لا ترغب في الاتِّعاظ ممّا يجري فعادت إلى تقليدها في إعلان الحرب، وكأننا إزاء 11 سبتمبر جديد، أو هي العقلية التي يطيب لها تعريف المخاطر والتهديدات المفترضة جميعاً على أنها حرب من نوع ما، بما يستدعيه ذلك من استنفار بمنطق المواجهة والمناوأة للحفاظ على وضع قائم؛ بدل مراجعة الذّات والاستدراك والتصحيح والترشيد في ما هو آتٍ واستلهام العظات والعِبَر.

 

إنّ اندفاع مراكز المدنيّة الحديثة إلى إعلان الطوارئ بعد تلكُّؤها في الإقدام على تدابير احترازية ابتداء؛ يستبطن إقراراً بقصور ذاتيّ يُدرِك الإنسانُ معه عجزَ معاهده ومراكزه وخبرائه وسياسيِّيه وأنظمته المطوّرة عموماً عن استشراف الحالة واستباقها أو التهيُّؤ لها كما ينبغي. ويتحقّق الإنسانُ ضمناً من عجز مُنجَزه الذي لم يكن جاهزاً ليُلقي إليه بأطواق نجاة رغم كل ما تحقّق من فتوح علمية ومبتكرات مُتلاحِقة حصدت الجوائز والثناء.

 

تتنازل المجتمعات عن بعض مظاهر المدنيّة الحديثة في هذه المقطع التاريخيّ، وتنقطع اختيارياً في كهوف منزلية كي تدرأ عن ذاتها الخطر وترصد ما يتعاقب حولها من إشارات بحذر. فكلّ ما يتحرّك من حول الفرد صار خطراً محتملاً، وكل أثَر يصادفه في حركته اليوميّة قد يكون تهديداً ماحقاً لا يلحظه أساساً. تدفع "عقيدة كورونا" المجتمعات إلى تحاشي المصافحة والاحتكاك والمُجالسة والاقتراب، وتنشأ عادات جديدة مثل فتح الأبواب بالأذرع أو تحاشي الإمساك بالمقابض وأعمدة الاستناد في الأماكن العامّة مثلاً. وإنّ الفرد إذ يرى في غيْره خطراً وجودياً محتملاً فإنّه ينتصب تهديداً في عيون غيْره إن اقترب من نطاقاتهم أو هَمّ بعاصفة عُطاس مكبوتة أو نوبة سُعال مكتومة.

   

  

يمنح كورونا فرصة إصلاح قسريّة، بكبح جماح الاستهلاك وإعادة ترتيب الأولويات وترشيد المدنيّة الحديثة، وهي فرصة ستحرص قوى السُّوق وتواطؤات السياسة وحرّاس المعبد الفلسفي المُهيْمن على خنقها. ما زالت إعلانات السِّيارات الحديثة تتسيّد شاشات التلفزة الفرنسية في زمن الطوارئ المفروضة بسطوة كورونا، وفيها ترغيب مكثّف باقتناء الأجيال الجديدة الملوّنة من "رينو" و"بيجو" والتخلّي عن سيّارات صالحة للاستعمال لشراء أخرى جديدة بدعوى أنها لا تُجاري التّجديد المُتلاحِق وصيحة العصر. تسجِّل السُّوق حضورها على هذا النحو حتى في زمن العزل الذي يتفشّى فيه الوباء، وتحظى بدعم السياسة المنصرفة بطبيعتها إلى إدارة المراحل المأزومة وكبح الانهيارات الوشيكة، والرسالة هي صرف الأنظار عن المخاطر الواقعية ومنح الانطباع الزائف بأنّ الأمور ستعود إلى نَصابها قريباً ولا شيء يدعو للقلق أو للإصلاح بالأحرى.

 

كان العالم قبل صدمة كورونا بحاجة إلى إصلاحات بنيوية لم تتحقّق له رغم الاعتراف الرسمي بأولويّة بعضها، فتهاوت "الأهداف الإنمائيّة للألفيّة" التي أبرمها زعماء العالم سنة 2000 وأخفقت إخفاقاً ذريعاً في الواقع كما تأكّد رسمياً في سنة 2015. ولم تُفلِح معاهدات إنقاذ الكوكب في كبْح التدهور الإيكولوجي، فظهرت صبيّة من بلاد الشمال تسمّى غريتا، أطلقت صيحتها الغاضبة في الهزيع الأخير من رقاد حالم سبق الوباء؛ كي تقرع أسماع الغارقين في سكرتهم؛ بأنّ الطوفان صاعد وأنّ تواطؤات السياسة والسُّوق تقود إلى كارثة؛ فصفّق العالم لشجاعتها وواصل الانغماس في غفلته. تمنح كورونا فرصة إفاقة تحت الضغط والصدمة والخوف، بعد أن عجزت نداءات الحكماء وتقارير الخبراء ونُذُر الكوكب المحتبس حرارياً عن إبرام الإصلاح وإنجاز التغيير.



حول هذه القصة

هناك الكثير من الأسباب التي دفعت العديد من الأسر الاتجاه لنظام التعليم المنزلي حيث أن ذلك النظام يُمكن الطلاب من ممارسة الأنشطة الفعالة المرتبطة بالمواقف اليومية التي تعزز الخبرات الحياتية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة