روافد الانتقال الطاقوي وخطورة الرهان على البترول!

تشهد العديد من دول العالم في الآونة الأخيرة تحولات جذرية على مستوى بنيتها الاقتصادية ومصادر ثرواتها الاستراتيجية خاصة بعد السقوط المتواتر لأسعار النفط، أين تهاوت أطروحة المراهنة على الاقتصاد الريعي في ظل الصدمات النفطية المتكررة، ومع ظهور قطاعات جديدة لاقتصادات المعرفة، وتطور الأبحاث العلمية والتكنولوجية، انتهجت العديد من الدول أسلوبا جديدا للتنمية المستدامة يرتكز على الاستثمار في الموارد النظيفة والصديقة للبيئة، التي لا تؤثر سلبا على ثروات الأجيال الحاضرة والمستقبِلة، وذلك من خلال التحول نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والقطاعات الأكثر حيوية وفعالية من الوقود الأحفوري والنفط والغاز الصخري، وغيرها من الموارد التي أضحت غير مأمونة العواقب على المستوى البيئي والإنساني وعلى مستوى مستقبل الاقتصاد الكلي للدول، بالأخص مع انحسار وتراجع قيمة البترول والتنبؤ بندرته ونضوبه مستقبلا، وبروز آثاره المعيبة على البيئة وصحة الإنسان.

فالتغيرات المناخية الأخيرة التي أفرزتها العقلية الرأسمالية المتطرفة والاستغلال الجشع لثروات الأرض من طرف الدول الصناعية، تشكل تهديدا حقيقيا للإنسان في أعظم وأقدس حقوقه وهو حق الحياة، حيث تكاثرت الأمراض بسبب كثرة الملوثات البيئية على مستوى الهواء والغذاء والماء، واضطربت الموازين البيئية عما كانت عليه من قبل، وهو ما سينعكس بالضرورة سلبا على مصير الكائنات الحية على الأرض.

الاستثمار في الطاقات المتجددة لا بد أن يأخذ حظه من الاهتمام خصوصا لدى الدول العربية، بعد أن شهد هذا المجال تطورات جديدة للأبحاث والتكنولوجيات المستعملة في استغلال هذه الطاقات مما يحقق كفاءة عالية في الاستثمار

وتعتبر الروافد الجديدة للاقتصادات الحديثة من الموارد الاستثمارية التي أثبتت نجاعتها الاقتصادية الفعالة في الدول التكنولوجية الرائدة، وهي تمثل البديل الحقيقي لما بعد الوقود الأحفوري، خصوصا مع تفاقم آثاره ومخاطره البيولوجية، مما يحتم على قادة الدول والخبراء وراسمي السياسات الاقتصادية وواضعي برامج التنمية والمضطلعين بالقضايا البيئية والاقتصادية، التفكير الجاد والواعي بضرورة الانتقال الطاقوي نحو طاقات مستدامة لا ينضب عطاؤها وتشكل مصدرا آمنا وحيويا للتنمية المستدامة دون إلحاق أي ضرر بالنظام البيئي، كما يمكن تداولها عبر الأجيال المتعاقبة حتى تتحقق الاستمرارية المطلوبة في مشاريع التنمية المستدامة والعدالة في الاستفادة من الموارد بين الأجيال.

وتمر أغلب الدول العربية المرتهنة بعوائد الريع، بأزمات اقتصادية دورية، وعجز في ميزانياتها بسبب تراجع القيمة التاريخية للموارد الريعية وانهيار أسعار النفط مما تسبب في ارتدادات غير حميدة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول، الأمر الذي سيفضي إلى أزمات سياسية واضطرابات أمنية بفعل العجز في أداء وفاعلية النظام السياسي، وهو مؤشر واضح على أن المورد النفطي هو مصدرُ قلق ومورد غير آمن ومستديم للثروة، مما يتطلب تغييرا جذريا في الرؤى والاستراتيجيات وإعادة هندسة المنظومة الاقتصادية والتنموية وفق منظور أكثر نجاعة وبراغماتية وفعالية.

ونود التركيز هنا على ضرورة تغيير الرؤية الاقتصادية الكلاسيكية المرتهنة بعوائد الأرض، والعمل الجاد على مواكبة التحولات الكبرى التي فرضها العصر المعرفي والتكنولوجي، من خلال تطوير كفاءة استخدام الطاقة المتجددة والاستثمار في رأس المال البشري والمعرفي والفكري، للتحول نحو هذا المورد الآمن والفعال. فالاستثمار في الطاقات المتجددة لا بد أن يأخذ حظه من الاهتمام خصوصا لدى الدول العربية، بعد أن شهد هذا المجال تطورات جديدة للأبحاث والتكنولوجيات المستعملة في استغلال هذه الطاقات مما يحقق كفاءة عالية في الاستثمار ويقلل من نسبة التكاليف الباهضة ويحقق استقرارا نسبيا في الموازنة العامة والنظام الاقتصادي للبلاد.

ومن أهم الروافد الجديدة لاقتصادات الدول الصاعدة البديلة عن الوقود الأحفوري والاقتصاد الريعي نذكر:
1- الاقتصاد الرقمي والمعرفي والذكاء الإصطناعي.
2- الطاقات المتجدد (الاقتصاد الأخضر):كالطاقة الشمسية، طاقة الرياح والمياه، طاقة الكتلة الحيوية، الطاقة الهيديروجينية، الطاقة الجيوحرارية.
3- الاستثمار السياحي
4- الاستثمار والتنمية الفلاحية
5- تنمية رأس المال البشري والمعرفي والفكري.

الدول التي حققت استقلالها الاقتصادي وأوجدت البدائل الفعالة للتنمية المستدامة واستثمرت في الاقتصاد البديل والروافد الجديدة فقد شقت طريقها نحو الإزدهار والتصنيع، فالاستقلال الاقتصادي هو دعامة الاستقلال السياسي

ولمعرفة مدى النجاعة والجدوى الاقتصادية للتحول نحو الروافد الجديدة للاقتصاد، سنحاول التركيز على قطاع الذكاء الصناعي والاقتصاد الرقمي والمعرفي وبيان عوائدها الربحية على الاقتصاد القومي ومساهماتها في الدخل الوطني، فقد ورد في مقال بعنوان "الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية.. حقائق وأرقام" أن: مجال الذكاء الصناعي الذي يطبق في قطاعات التنمية الدولية كافة، من الزراعة والصحة والتعليم إلى التخطيط الحضري، ثمة هناك اهتمامٌ متنامٍ لتسخير هذه التكنولوجيا للصالح العام. فقد صار المزارعون قادرين على الحد من تلف المحاصيل بفضل تطبيقات الهواتف الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي، ويمكن للسلطات الصحية التنبؤ بالتفشِّي المقبل للمرض، ويجري حاليًّا رسم خرائط للتسجيل في المدارس حول العالم؛ لتحديد الفجوات في الموارد. ومن جانب آخر، تحاول الحكومات والشركات الاستفادة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ من أجل التنبؤ بالكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات والجفاف ومراقبتها، بغية التصدي لحالات الطوارئ بفاعلية.

وفي تقرير حول قيمة الذكاء الاصطناعي، أعدته شركة المحاسبة "برايس ووترهاوس كوبرز" ووفقا للتوقعات سيرتفع إجمالي الناتج المحلي العالمي بنسبة 14 بالمئة في عام 2030؛ نتيجةً للإقبال والتطوير السريعين للذكاء الاصطناعي، مما يعزز الاقتصاد العالمي بمقدار15.7 تريليون دولار أمريكي. ومن المرجح أن تشهد الصين وأمريكا الشمالية أكبر مكاسب اقتصادية؛ إذ تحظيان بنسبة 70 بالمئة من الإجمالي العالمي. أما في مجال الاقتصاد الرقمي والمعرفي فيمكننا الإشارة إلى إحصاءاتِ كبرى الشركات العاملة في هذا المجال، لبيان القيمة الاستراتيجية الضخمة لهذا المجال الإستثماري:

– كشفت "ألفابت" الشركة الأم لـ Google أنه في الربع الثاني من 2019، بلغت أرباحها 38.94 مليار دولار.
– وأعلنت شركة فايسبوك أن أرباحها تجاوزت 6 مليار دولار في 2019.
– أما شركة مايكروسفت فبلغت أرباحها في الربع الرابع لـ2019 ما يربو عن 33.7 مليار دولار.
– وأعلنت شركة "علي بابا" عملاق التجارة الإلكترونية الصينية عن تسجيلها إيرادات بلغت نحو 16.7 مليار دولار في 2019.

هذا هو التحول الطاقوي والاقتصادي الحقيقي والاستثمار المستدام في الموارد البديلة والنظيفة والمتنامية، أما أغلب حكومات الدول العربية فلم تَتَفَتّقْ عبقريتها سوى على سياساتٍ تكرس أكثر منطق الإعتماد المفرط على الريع واستنزاف باطن الأرض واختيار الحلول السهلة والسريعة والقفز على الحقائق العلمية والسير ضد مجرى التاريخ والمستقبل؟ فأنظمة أغلب الدول العربية الريعية تتميز باللافعالية والعقم في الأفكار والسياسات وهو ما يجعل سيادتها مرتهنة بالأجنبي، أما الدول التي حققت استقلالها الاقتصادي وأوجدت البدائل الفعالة للتنمية المستدامة واستثمرت في الاقتصاد البديل والروافد الجديدة فقد شقت طريقها نحو الإزدهار والتصنيع، فالاستقلال الاقتصادي هو دعامة الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. إن التوجه نحو النظم الاقتصادية الذكية يتطلب أساسا:

1- تطوير منظومة التعليم من القاعدي إلى الجامعي.
2- تشجيع مراكز البحث والتمكين للباحثين والعلماء وإنشاء أقطاب ومدن تكنولوجية.
3- ربط الإقتصاد بالبحث العلمي.
4- رقمنة الإدارة والقطاع المصرفي والمالي (الإدارة الإلكترونية).
5- الاهتمام بالتكوين التطبيقي والاستفادة من نتائج الدراسات الميدانية.
6- تشجيع الابتكار والذكاء الجماعي في تطوير مجالات الاستثمار والتنمية المستدامة.
7- تشجيع التجارة الإلكترونية والشركات الرقمية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة