حزب الله يحترف الواقعية السياسية ويبتعد عن المبادئ

في مقابلة أجريتُها مع أحد قادة العمل العسكري في حزب الله في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، أخبرني الضابط أن الحزب كان يملك قبل العدوان معلومات تفصيلية عن الجيش الإسرائيلي. عدد الجنود، الأسلحة التي يحملونها، التنصت على اتصالاتهم، وأخبرني مازحاً أن الحزب يعرف "نمرة" أحذية الجنود المنتشرين على الحدود اللبنانية.

 

بعد أسابيع قليلة من أحداث 7 أيار 2008 أجريتُ مقابلة صحفية مع قيادي في حزب الله، كان الهدف منها معرفة التبريرات والأسباب التي دفعت الحزب لتوجيه سلاحه إلى صدور اللبنانيين. يومها قال لي القيادي أن جهاز الرصد لدى الحزب وفّر معلومات دقيقة وتفصيلية عن مخطط كان يسعى إليه خصومه لتوتير الأوضاع الأمنية وإشعال فتنة طائفية.

 

هي ليست المرّة الأولى التي يبتعد فيها حزب الله عن المبادئ التي يعلنها ويفضّل عليها مصالحه، لكنها الأحدث وربما الأكثر فجاجة. فقد سبق للحزب أن غطّى وهرّب أحد المدانين بتفجير مسجديْن في مدينة طرابلس

أردتُ من إيراد الحادثتين أعلاه الانطلاق من حقيقة بديهية، وهي أن قيادة حزب الله كانت تعرف حتماً ومسبقاً ودون أدنى شك عن عزم المحكمة العسكرية في لبنان تبرئة عامر الفاخوري الذي كان ضابطاً في جيش العميل أنطوان لحد، وكان مسؤولاً عن معتقل الخيام الإسرائيلي ومسؤولاً مباشراً عن قتل اثنين من المعتقلين فيه. وإن أي محاولة للادّعاء بأن الحزب تفاجأ بالحكم الصادر ولم يتفق عليه مسبقاً مع أركان السلطة الآخرين هو استهبال للبنانيين واستغباء لجمهور الحزب، خاصة أن المحكمة العسكرية محسوبة عليه، وكل القرارات الكبيرة التي تصدر عنها يتم تنسيقها مسبقاً معه.

 

قد يعتبر البعض أن حزب الله أخطأ في موافقته -أو أقلّه غضّ الطرف- عن إطلاق سراح عميل إسرائيلي عذّب وقتل عدداً من اللبنانيين، لكن نظرة أخرى من زاوية ثانية تعطي جانباً إيجابياً، وهي أن الحزب قدّم نموذجاً للعمل السياسي المحترف، الذي ينتهج الواقعية السياسية وتغليب المصلحة بعيداً عن الشعارات والخطابات الرنّانة التي تصدح بها حناجر قادته، لاسيما إذا صحت الأخبار عن أن إطلاق الفاخوري تمّ ضمن صفقة مع الولايات المتحدة، أو على الأقل لعدم استفزازها ومحاولة لدرء شرها.

 

هي ليست المرّة الأولى التي يبتعد فيها حزب الله عن المبادئ التي يعلنها ويفضّل عليها مصالحه، لكنها الأحدث وربما الأكثر فجاجة. فقد سبق للحزب أن غطّى وهرّب أحد المدانين بتفجير مسجديْن في مدينة طرابلس. سبق للحزب أن سعى لإطلاق سراح الوزير السابق ميشال سماحة رغم انكشاف ضلوعه بمخطط دموي أداره النظام السوري -الذي يقاتل الحزب إلى جانبه في سوريا- لتنفيذ تفجيرات متنقلة في لبنان هدفت لإشعال فتنة طائفية يقول الحزب إنه يرفضها ويواجهها. سبق لحزب الله أن غضّ الطرف عن إصدار حكم قضائي مخفّف على القيادي في التيار الوطني الحر فايز كرم بعد ثبوت عمالته للاحتلال الإسرائيلي، التي يردّد قياديو الحزب في كل مناسبة أنها خط أحمر، ومن غير المسموح التهاون فيها.

 

محطات كثيرة أثبت فيها حزب الله احترافيته السياسية وبراغميته وقدرته على تغليب المصلحة على أي شيء آخر، وهذا أمر يُحسب له من الناحية السياسية. لكن بالمقابل، يجدر بقيادات الحزب أن تخفّف من خطابات التزام القيم والمبادئ والأخلاق، وتوزيع شهادات الطهر والشرف على الآخرين، فإذا كان بعض مناصريهم ما زالوا يصدقون هذه الخطابات، فإن كثيرين لم يعودوا كذلك.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة