ترمب وبن سلمان.. كلاهما ناقوسُ خطرٍ على مستقبل بلاده

لعلّ القاسم المُشترك بين ترمب وبن سلمان؛ أنّ كليهما مثّلا خروجا عن المألوف في النمط المُتعارف لما تجري عليه سياسات البلدين، وطرق إدارة الحكم فيهما. قد يكون التغيير سمةً إيجابية ومطلوبة في حياة الدول، ولكنّ الذي أحدثه كلاهما قد يَشي بانحدار تتفاوت تأثيراته على البلدين، لأنه تغيير لم يُبنَ على استراتيجية وبصيرة، فوصف النّشاز ينطبق عليه.

مجرّد فوز ترمب في انتخابات الرئاسة عام 2016، يُعتبرُ جرس إنذار لمكانة أمريكا العالمية. عندما يختار نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي رئيساً اعتمد في دعايته على الخطاب الشعبوي، والذي هاجم فيه دولاً، وشعوباً، وأحلافاً بأقذع الألفاظ، فإن ذلك يُشير إلى تنامي الشعبوية، وتفشّي الجهل السياسي عند الشعب الأمريكي. الولايات المتحدة اتكأت في هيمنتها العالمية على الانفتاح، وعقد التحالفات تحت مظلّتها، وعبّرت عن نفسها كراعية للقيم الليبرالية؛ لكنّ خطاب ترمب مثّل انتكاسة لدعائم تلك الهيمنة. سياسات ترمب بعد توليه الحكم أربكت عمل المؤسّسات الأمريكية، وحيّرت مُنظرّي العلاقات الدولية. من المعروف عن نظام الحكم الأمريكي، بأنّ العمل المؤسسي هو المُسيطر على قرارات الدولة، لذا فإن سياسات الرئيس تنسجم نوعا ما مع القاعدة العميقة لمؤسسات الدولة، لكنّ ترمب كسر هذه القاعدة النّمطية في السياسة الأمريكية. انسحاب ترمب من بعض الاتفاقات الدولية، والمسّ بكثيرٍ من الحلفاء سياسيا واقتصاديا، واتخاذ قرارات بعيدة عن المؤسسات والاستراتيجيات؛ كلّ هذا أدّى لاستقالات كثيرة من داخل إدارته، وإلى صراع جليّ بين ترمب ومؤسسات الدولة، بالإضافة، إلى استقطاب شعبيٍ وإعلامي فارقٍ في تاريخ أمريكا.

لعلّ ترمب وابن سلمان يجمعهما أنهما لا يمتلكان رؤية بعيدة المدى، وأن حكمهما قد يمثّلُ خطرا على مكانة بلديهما. إذا نجح ترمب في الانتخابات القادمة فإن ذلك سيزيد زخم المؤشرات تشي بتراجع الدور العالمي الأمريكي، وزيادة الاستقطاب الداخلي

أما منظرو العلاقات الدولية، فقد احتاروا في تقييم سياسات ترمب، لأنها -حسب كثير منهم- عبارةٌ عن هجين من القرارات التي يطغى عليها بشكل كبير مغازلة الناخب الأمريكي، ولو على حساب المصلحة الأمريكية، بالإضافة، إلى أن كثيرا من قرارات ترمب لا تنبع من استراتيجيات بعيدة المدى، ولا تتماهى مع بناء واضح في النظرية السياسية، ممّا يُصعّب على المحللين توقّع قراراته. بعض المُفكرين الأمريكيين حذروا من خطورة سياسات ترمب على مكانة أمريكا العالمية. زبغنيو بريجنسكي أحد عمالقة السياسة الخارجية والاستراتيجية الأمريكية؛ توقّع في كتابه الشهير الذي نشره 1996 "رقعة الشطرنج الكبرى"، بأن أمريكا ستظلّ لفترة طويلة سيّدة العالم، ولكنّه تراجع عن بعض آرائه في مقال كتبه عام 2016، واعتبر أن أمريكا رغم تفوقها العالمي بدأت تفقد بعض سيطرتها تلك، وقدّم نصائح استراتيجية حتى تتفادى أمريكا الانحدار، ولكنّ سياسات ترمب تسير عكس تلك النصائح تماما.
فريد زكريا الإعلامي والكاتب الأمريكي الشهير؛ استبعد في كتابه "عالم ما بعد أمريكا" اقتراب انحسار الدور الأمريكي المُهيمن عالمياً، ولكنّه تراجع عن رأيه هذا، وكتب مقالاً عام 2017 تحت عنوان" مرحبا بعالم ما بعد أمريكا"، واعتبر أن سياسات ترمب تُقرّبنا من عالم لا تكون أمريكا فيه وحيدة على القمة. أما جوزيف ناي -عالم السياسة الشهير- فقد رأى أن القوة الناعمة الأمريكية؛ قد تراجعت كثيراً في حقبة ترمب.

أما ابن سلمان الذي يُعتبر الحاكم الفعلي للسعودية، فإن سياساته أصابت ركائز الحكم هناك. النظام الملكي السعودي يعتمد على موازنة داخل الأسرة الحاكمة، وأخرى مع المؤسسة الدينية، ولكنّ ابن سلمان أحدث شرخا داخل آل سعود، سواء بطريقة وصوله لولاية العهد، والأخطر من ذلك طريقة تعامله مع الأمراء، والتي طالت كبراءهم، وآخرها حملة الاعتقالات الأخيرة. أما المؤسسة الدينية فكأنها لم تعد موجودة، وأضحت رجع صدىً لهوى ابن سلمان؛ هذا الإخلال الكبير في التوازن قد يُمثّل لحظة انحدار لحكم آل سعود برمّته. الأنظمة الملكية عادة ما تعتمد على الإغداق على من يُمثّل ثقلا داخل الدولة، ولكن النظام السعودي في عهد ابن سلمان أضحى ملكياً مستبدا، ويعمل على تذويب كل السلطات في شخص ولي العهد.

سياسات ابن سلمان الخارجية والتي تبتعد عن الاستراتيجية، وتوصف بالمغامرات؛ قزّمت من دور السعودية ومكانتها. حصار قطر وآثاره على البيت الخليجي، وحرب اليمن العبثية، ومقتل الصحفي المظلوم جمال خاشقجي، وما تلاها من أزمة مع تركيا؛ كلّ ما سبق وغيره، قلّص من مكانة السعودية لدى شعوب المنطقة، وجعلها تحت مجهر الإعلام وحقوق الإنسان، وأظهرها كدولة تتصف بالمراهقة والنزق السياسي، وحَجّم من مكانتها كدولة كانت توصف "بعاصمة القرار العربي"، إلى دولة تستطيع أن تقودها وتوجهها أبو ظبي بتأثيرٍ من محمد بن زايد. لعلّ ابن سلمان يسعى لتوطيد حكمه من بوابات ثلاثة: القبضة الأمنية التي تبطش بكلّ من يُعارضه، وتوطيد خيوط العلاقة مع البيت الأبيض عبر الصفقات الخيالية التي يبرمها معهم، والتقارب الكبير مع إسرائيل. أمّا الثالثة فهي تقديم نفسه كرائد للتغيير، عبر بعض قشور "الحرية" التي قدّمها للشعب في بلاد الحرمين. وهذه دعائم لا يمكن وصفها بالقاعدة الصلبة.

لعلّ ترمب وابن سلمان يجمعهما أنهما لا يمتلكان رؤية بعيدة المدى، وأن حكمهما قد يمثّلُ خطرا على مكانة بلديهما. إذا نجح ترمب في الانتخابات القادمة فإن ذلك سيزيد زخم المؤشرات تشي بتراجع الدور العالمي الأمريكي، وزيادة الاستقطاب الداخلي، ولكنّ الآثار قد لا تكون متسارعة، لأن المؤسسات الأمريكية، وطبيعة الحكم الديمقراطي تقللّ من حجم الأضرار وتسارعها. أما في حالة السعودية، والتي يغيب فيها دور المؤسسات، وتعتمد كثيرا على حكم الأشخاص؛ فلعلّ ما قام به ابن سلمان داخليا وخارجيا؛ قد ظهرت بعض آثاره، وستظهر أخرى، وقد يكون ذلك قريبا، وهذه الارتدادات ستطال قوّة الحكم في الداخل، ومكانة السعودية في الخارج.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة