الخوف أسرع انتشارًا من الفيروس!

"ثمة عدوى تنتشر أسرع من الفيروس ألا وهي الخوف". دان براون

ماذا يجدر أن نكتب نحن الذين أعتدنا المأساة والكوارث وحضر التجوال المتكرر والظروف القاهرة بينما أصبحت جزءًا من واقعنا الطبيعي رؤية الموت يتجول بيننا كصديق حميم متى ما شاء القدر خطف أحبائنا وأصحابنا وعائلاتنا! من كان يتوقع أن تلك الحركة الواسعة وهوس الإنسان ورغبتهُ بالتنقل والسيطرة والسلطة ذلك الغرور الزائف صنيعة التكنولوجيا والعولمة، والتطور الذي تتربع على عرشهُ الرأس مالية وأقطاب القوة حول العالم بقابليتها على الاستمرار دائمًا فيما تصنع ما زال لا يمس حدودها المَحمية هي بخير، أحدًا منكم تخيل ذلك أن تتوقف الحركة فجأة دون سابق إنذار..؟! عندما ينخفض معدل التلوث بنسبة ٤٨ بالمائة دون اتفاقيات تحث الدول الصناعية الكبرى على الحد من إنتاج الغازات الملوثة للهواء في سبيل الحفاظ على البيئة.

تأكد أن ما يحدث يشكل مرحلة فارقة لا أحد إطلاقًا توقع حدوثها، وأنا بذلك لا أقول أن التكنولوجيا والعولمة والرأس مالية سيئة، نحن جزءًا منها شئنا أم أبينا، لكني أتحدث تحديدًا عن محركات العالم الأساسية وأسميها بأسمائها التي نعرفها جميعًا دون استثناء. العديد منا سبق وأن قرأ عن الأوبئة والكوارث التي تسببها، في قصص لم يشهد العالم مثلها منذ عشرات السنين. حدثًا تتوقف عندهُ بوصلة الحركة لتشير نحو فيروس لا يُرى بالعين المجردة! لا الحروب لا الثورات لا الكوارث والزلازل لا شيء إطلاقًا مهما كان هائلًا من وجهة نظرك لم يتمكن من شل حركة العالم بهذا الشكل الذي نشهدهُ اليوم.

أعلم أن هذا الفيروس عابر للقارات لكنهُ في المقابل يضع أمامك جملة من المحظورات يحذرك بالوقاية بكل ما أوتيت من علم وقوة على أن لا تصادفهُ هو أكثر شرفًا ممن يطلقون الرصاص صوب الأبرياء ويرشوهم بخراطيم المياه الحارقة

لم يركن الإعلام سياساتهُ من قبل ليوجه أعين الكاميرات نحو حدث واحد يتصدر أهم الأخبار العاجلة على مدار الساعة، إنه المرض يا سادة، المرض الذي مهما تجبر الإنسان وتكبر لا يقوى على مواجهتهُ كل ما يمتلكهُ هو لا شيء أمام المرض. وحدهُ الخوف سيد الموقف واضحًا في أعين الناس ووجوههم في ريبة وحيرة وهلع يخزنون الطعام وكل متطلبات بقائهم تحت سقف البيت لبرهة من الزمن هربًا من المرض الذي لا نستطيع تخمين ممن سوف ينتقل ويحط رحالهُ في مجرانا التنفسي ويؤدي بنا نحو الاختناق.

قادة المرحلة الحالية هم الأطباء والعلماء جنود الإنسانية الذي يعملون على حماية البشرية بالعلم ليغدو بعدها هذا المرض حالة عابرة وأنت في مأمن عنها بفعل لقاح أو أقراص من الدواء تحصل عليها بسهولة، الزمن كفيل بذلك بالتأكيد وهذا ما أثبتته البشرية على مدار عصور. في الوقت الحالي بينما نحاول أن نحافظ على مسافة أمان مع كل من حولنا، تعمل الكوادر الطبية على مساعدة المرضى في الشفاء بشكل أو بآخر بكل ماهو متاح لديهم. من جانب آخر، لاحظت تكاتف الناس بين بعضها البعض ضد المسيء أو من يمارس التنمر أتجاه المرضى والمشتبه بأصابتهم أو على فئة معينة دون آخرى خوفًا على نفسهِ من العدوى، ذلك الوعي والتكاتف يوحي بأن للزمن وتطوره تأثير إيجابي بنسبة معينة جعل الإنسانية تترسخ لدى الناس ولو بشكل محدود في أوقات كهذهِ.

ختامًا لابد لي من العودة من حيث بدأت نحن الشعوب التي لا تعرف ترف الحياة المستقرة والأمان الدائم وحرية الحياة التي تسير وفق قواعد وقوانين ثابتة، دائمًا ننتظر غير المتوقع لنعيش في ظلهُ. هل يجب أن نهرب ونختبئ مما قد يفعلهُ هذا المرض بنا؟ قد يكون هذا الفيروس سيء لا نراه يخترق أجسادنا دون تصريح دخول لكنه يحترم إنسانيتنا على الأقل ويحفظ كرامتنا، هو ليس أسوء من أولئك الذين يختطفون الشباب من بين الطرقات ويدخلون منازلهم يقتادوهم نحو معتقلات لا يعرف عنهم شيء حتى يصبحوا نسيًا منسيا. أعلم أن هذا الفيروس عابر للقارات لكنهُ في المقابل يضع أمامك جملة من المحظورات يحذرك بالوقاية بكل ما أوتيت من علم وقوة على أن لا تصادفهُ هو أكثر شرفًا ممن يطلقون الرصاص صوب الأبرياء ويرشوهم بخراطيم المياه الحارقة ويوجهون صوب رؤوسهم قناني الغاز مسيل الدموع التي اودت بحياة شباب بعمر الورد.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة