الحياة كرقعة شطرنج.. كش ملك أعد اللعبة

أعتبر نفسي من هواة الشطرنج، حيث أستمتع بلعب اللعبة من فترة لأخرى، وأكثر الأوقات التي أتجه فيها للعب الشطرنج هي لحظات إعادة فهم الحياة، أو يمكن القول إنني أحب أن أستلهم الحياة من لعبة الشطرنج، في الشطرنج لديك صف من الجنود، الذين يدافعون عما هو أغلى منهم في الخلف، ولا يمكن لمباراة أن تنتهي دون خسارة أي قطعة أصلا! وإن حصل فهي حالات أندر من أن توجد، الجنود هؤلاء هم التضحيات الصغيرة التي لابد أن نقوم بها كي ننقذ المهام الأكبر في حياتك، وأحيانا حتى ننقذ نفسياتنا أو عقلنا أو صحتنا، والتي إن كنا سنمثل لها في الشطرنج، فكلها ستجتمع في قطعة (الملك) بلا شك!

 

وفي تلك المهام الأكبر نفسها قد تضطر للتضحية بأحدها، ففي اللعب المفتوح، إن اضطررت للاختيار بين فيل وحصان، فعليك بالتضحية بالحصان، فالفيل هو سيد الموقف في المباريات المفتوحة، بينما في المباريات المغلقة يكون للحصان أهمية كبرى، فلا يمكنك عندها سوى فعل العكس. وفي الحياة أيضًا، هناك مواقف يجب أن تختار فيها التضحية حسب سير الأحداث الزمني، وليس حسب تفضيلك للشيء في نفسه، فإن أطحت بفيلك في الوقت الذي يجب فيه أن تطيح بالحصان، فأنت تلكم نفسك لكمة جديدة، تبعدك إلى الهاوية أكثر.

 

ونعود لرقعة الشطرنج، حيث قيمة كل قطعة تختلف، فالتضحية بالرخ (القلعة) لأجل حماية ما هو أقل منه، غير مقبولة، فهو أغلى من الفيل حسب الترتيب الشطرنجي للقطع، بينما التضحية به لأجل حماية الوزير مفهومة ومقبولة جدا، لكن التضحية به لأجل الملك ضرورية وأساسية، وإذا كان هذا خيارك الوحيد، فإما أن تلعبه وإما أن تنسحب، لا ثالث لهما، وهكذا هي الأحداث والمميزات الكبرى في حياتنا، حيث يمثلها الرخ، إكمال التعليم هامٌ جدًا، لكن ربما تضطر لتركه بسبب مرض ما، فأنت تترك التعليم لإنقاذ صحتك، تترك الرخ لإنقاذ ما هو أهم منه، أو ربما تتركه لأجل إعالة أسرتك التي أنجبتك، فأنت هنا تتركه لإنقاذ الملك، وهذا ضروري لأن لعبة الحياة لا انسحاب فيها، فإما أن تتركه أو تتركه، الشيء الوحيد الذي تستطيع اختياره هو (طواعيةً أو كرهًا؟).

   

العلاقات ضرورية، لكنها إن أصبحت سرطانًا يسبب لك التراجع، فأنت مضطر لاستئصالها، مضطر لأن تتخلص من الرخ بوضعه في قلب منطقة الحجار السوداء، فقط كي تحمي ما هو أهم منه، وأخيرًا، هناك المنعطفات الأهم في حياتنا، التي تعيد تشكيل سلوكنا كاملًا، ربما هي غربةٌ، أو موت عزيزٍ، أو خيانة محبٍ أو غير ذلك، والتي تمثل الوزير، هنا؛ يفترق لاعبو الشطرنج؛ بين محترفٍ وهاوٍ، فما إن يخسر الهاوي وزيره حتى يبدأ بالتخبط وتوزيع حجاره مجانًا، ويعامل الوزير معاملة الملك، يعامله وكأنه أساس اللعبة كلها، بينما يقف المحترف حذرا ومفكرا بكل الخيارات الممكنة، وأن مجرد فقدانك لخيارٍ ما في اللعبة لا يعني انتهاءها بالنسبة لك، ففي أسوأ الأحوال؛ لا يزال لديك حل الاتجاه للتعادل.

 

الحياة ما هي إلا لعبة شطرنج، لو استطعنا استيعابها بهذه الطريقة، وفهم كل مشكلة حسب سياقها، وكل تضحية حسب ما تساويه من القطع، والمحافظة على الملك في قمة حمايته وهدوئه

بينما يقوم البعض بالانسحاب بعد موت الوزير، وهؤلاء هم المنسحبون من منعطفات الحياة الكبرى، حيث يتعاملون بنظام النعامة، فهن يهربون ظنًا بأن الحياة ستهرب منهم كما يهربون منها، لكنهم نسوا أنها لابد أن تعاش، وأنك لابد أن تكمل اللعبة طالما أنت هنا، في هذه الحياة! وتعلمك الشطرنج أيضًا حساب الخيارات. فأنت لا تنقل نقلة قبل أن تحسب كل الإيجابيات الممكنة من هذه النقلة، وكل السلبيات ونقاط الضعف التي ستتسبب بها، وأحيانًا تحسب ذلك لعدة نقلات تالية، ليس فقط نقلة واحدة. بينما يجب عليك بنفس الوقت أن تحسب حسابًا مشابهًا لنقلات الخصم كلها، ونقلات الخصم تلك هي المفاجآت الحياتية، وأي شخص يحسب نقلاته كلها بطريقة صحيحة مئة بالمئة؛ لكن دون الالتفات لنقلات منافسه، فهو خاسر بشكل مؤكد.

 

بين كل هذا وذلك، هناك دائمًا استثناءات، أحيانا تقتل أغلى قطعك لأنك ترى أنه من الممكن الفوز بحركتين أو ثلاث بعد قتل تلك القطع، لا يوجد قانون صالح دائمًا، الابداعات الحلولية والتفكيرية، ومفاجأة الخصم، والصمود النفسي أمام فقدان القطع الثقيلة؛ كل ذلك هو ما يضمن لك الفوز في الشطرنج،  بينما يقف المراقب من الخارج، إما خبيًرا باللعبة فهو يستعرض خياراتك ويحاول استنتاج خطوتك التالية، وإما غير عالمٍ باللعبة فيستغرب من حمقك للعب تلك القطعة هنا والأخرى هناك. فالأول هو القابل للاستشارة في هذه الحياة، بينما الثاني هو الذي سيدمر لك حياتك بمساعدتك، ولابد أن تبقى تطور من نفسك، ومن أدواتك وقدراتك التحليلية والتفكيرية والإبداعية والجسدية، حتى تبقى ملائمًا للشطرنج، فلا يمكنك الانقطاع لسنوات ثم العودة مع توقع نفس المستوى، وميزان الحياة كما هو ميزان الشطرنج (الحركة الدائمة دون توقف).

 

إن الحياة ما هي إلا لعبة شطرنج، لو استطعنا استيعابها بهذه الطريقة، وفهم كل مشكلة حسب سياقها، وكل تضحية حسب ما تساويه من القطع، والمحافظة على الملك في قمة حمايته وهدوئه، وفهم النقلات التالية والسابقة، والتعلم من أسلوب المنافس في اللعب لمعرفة طرق الانقضاض عليه، وغير ذلك من المهارات التي تقدمها الشطرنج؛ فإنه بإمكاننا أن نلعب مع الحياة بطريقة أفضل بكثير، أن نعلن لها أننا ندٌ يستحق أن تتعب لأجل كسره، أن نفوز مرات ونخسر مرات، فالفوز الدائم ممكن في الشطرنج لكنه غير ممكن في لعبة الحياة.

 

إن استيعاب مفهوم المماثلة بينها وبين الشطرنج، يؤكد مرة أخرى على الحقيقة القرآنية (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) أي "الدار الآخرة هي الممتلئة بالحياة، هي الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا فناء" إنها رقعة كبيرة، غير أنها تختلف بأنها مفاجئة لك في الوقت، فمرةً تملك سنة للعب الحركة التالية، ومرة تملك ثوانٍ معدودة، والعاقل من فاز بمحصلة المباريات، لا من فاز مرة باكتساح ثم انتقل من خسارة إلى أخرى دون أن يطور قدراته في اللعب أو يحاول فهم المنافس، إنها الدنيا، وإنها الشطرنج، فالعبها كما تشاء!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة