الإجابة على الأسئلة العشرة التي طرحها من أدى دور الأمير محمد بن سلمان

أبدأ هذه المدونة بداية سريعة فأشير إلى أن مراكز البحوث الأمريكية تعرف أسلوبا للمختبرات السياسية التي تصمم حواراً افتراضيا بين أطراف مختلفة أو متصارعة من أجل الوصول إلى مشروع تسوية مقترحة، وقد أشرت في كتابي «شمس الأصيل في أمريكا» منذ ربع قرن إلى أن هذا حدث قبل كامب ديفيد نفسها.

 

في هذا الإطار فإن الأمريكيين وأصحاب المصلحة في تولي ولي العهد السعودي للعرش بدأوا منذ مدة في إعداد دراسات شبيهة تستهدف إلى محاولة استيعاب التوجهات المعارضة لخلافته بعد أن ظهر بوضوح أن هذه التوجهات المعارضة تتمتع بنطاق واسع وعريض حتى وإن لم يكن في يدها سلاح تقاتل به. قام مجموعة منتقاة من الباحثين في شؤون الشرق الأوسط ببلورة الخلافات التي تفرض نفسها على أجندة ولي العهد السعودي وصاغوا بروتوكولا بحثيا موسعا على نحو تطبيقي سريع من خلال استعراض تاريخي يؤيد وجهة نظره، ثم سؤال مباشر يوجهه من يقوم بدور ولي العهد على أنه ولي العهد بنفسه إلى مفكر (يشترط فيه أن يكون من المفكرين المرموقين الملمين بالوضع كله والحاضرين للواقع على نحو ما هو قائم بالفعل) يطلب منه أن يمثل دور المعارضة ويُجيب على سؤال ولي العهد إجابة مباشرة ومختصرة لا تتجاوز نفس الوقت الذي يطرح فيه نموذج ولي العهد (أي من يؤدي دوره في حوار الورشة) مقدماته وسؤاله.

 

وعلى سبيل المثال فإن السؤال الأول ينبني على أهمية الاستقرار وتولي ولي العهد (أو الرجل الثاني في أي نظام ملكي أو جمهوري) المسؤولية بسلاسة ودون معارضات. والمعنى مفهوم لكن السؤال الذي اختار الباحثون الأمريكيون أن يضعوه على لسان ولي العهد كان هو ما الفرق بيني وبين بشار الأسد؟ ومن الواضح أن ذكاء السؤال يعتمد على فكرة أنه حتى في النُظم الجمهورية ــ القومية فقد تحقق انتقال السلطة للابن على نحو ما رسمه الأب أو الحاكم المتصرف. حتى لا نشغل القارئ بكثير من التفصيلات النظرية فسوف نلخص نموذج الحوار الذي دار بين ولي العهد السعودي وبين واحد من ألمع المفكرين العرب لا يُمكن وصفه بأنه مؤيد لولي العهد السعودي حتى وإن لم يكن معارضا صريحاً له، لكنه صاحب كتابات وآراء تحفل بكثير من التحفظ على سياسات وممارسات المعسكر المحيط بولي العهد منذ تولي منصبه.

 

كان سؤال ولي العهد ما الفرق بيني وبين رئيس كوريا الشمالية وكانت الإجابة أن كوريا الشمالية ليس لها خمسة آلاف مبعوث يدرسون في أمريكا ولا أموال مودعة ولا استثمارات تسيل اللعاب للاستيلاء عليها تحت أي شعار

كان السؤال الأول على نحو ما أسلفنا هو ما الفرق بيني وبين بشار الأسد؟ الذي تولى الرئاسة بسلاسة في 2000 أي منذ عشرين عاما! إجابة المؤرخ كانت من جملة واحدة وهي أن الفرق يتمثل في محطة جمال مبارك في 2011. السؤال الثاني كان يتعلق بما يُمكن وصفه بالانفتاح المجتمعي وهنا يسأل ولي العهد ما الفرق بيني وبين عمي جلالة الملك فيصل؟ وكانت إجابة المؤرخ أيضا في جملة واحدة وهي أن الفارق يكمن في جلالة الملكة عفت حرم الملك فيصل.

 

السؤال الثالث طويل المقدمات ومتعدد الجبهات لكن المصممين للحوار حرصوا به أن يدمجوا فيه مجموعة من الأسئلة في سؤال واحد فقط، حتى لا تتكرر مناقشاته، فتبدو نقدا للحالة الراهنة في كل إقليم عربي على حدة، وكان السؤال يتعلق بالعلاقات العربية السعودية، ودور المملكة في سوريا لبنان والعراق واليمن وليبيا وغيرها، وعلى عكس بقية الأسئلة العشرة فقد كان مطلوبا من نموذج ولي العهد أن يعلن عن تصميمه مبدئيا على الاستمرار في الوقوف مع النظام الذي تولد بالانقلاب العسكري المصري باعتباره ورث سياسة سعودية شاركت في صنع الانقلاب، حتى وإن اعتبر هذا الموقف في نظر جموع العرب والمسلمين وقوفا ضد الشعب المصري، ومع إدراكه [المستتر والمكتوم] للصعوبة القائمة في وجه من يضع نفسه ضد إرادة أغلبية أكبر شعب عربي (من حيث السكان والتأثير) في أن يقنع أحداً بأنه مع الشرعية حتى لو كان معها (بالفعل) في اليمن أو (بالبدايات) في سوريا أو (بالرغبة والنية) في لبنان ذلك أن القرار السعودي الذي ورثه ولي العهد ولم يشترك في صنعه اختار تصنيف موقفه بأنه مع الثورة المضادة!

 

ثم حانت فرص كثيرة للخروج من هذا التصنيف حتى بدون الانتقال إلى معسكر الثورة فلم يبذل نظام ولي العهد أية فرصة في التفاعل معها على أي وجه وبدا خائفا منها مترهبا لها، كما كان الحرص على التصريح بالموقف الداعم للنظام المصري يصنف القرار السعودي على أنه مجرد تيار من تيارات الثورة المضادة حتى لو كان أهم هذه التيارات. وكان سؤال ولي العهد بعد إيضاحاته (التي بدت متمسكة بالسياسات السابقة) واضحاً وطموحاً وهو ما الفرق بيني وبين عمي الملك فهد الذي لم يغير سياسات سابقة [كمقاطعة مصر] ومع هذا فإنه كسب تحالفات جديدة؟ بما في ذلك نظام الرئيس مبارك الذي لم يكن إلا استمرارا لنظام الرئيس السادات الذي وجهت له وضده المقاطعة! وكانت الإجابة التي لخصها المؤرخ كلمة واحدة ذات مفردات مترادفة هي: رابعة، بكل ما تشير إليه من مرادفات: عشرة آلاف شهيد، ومائة ألف في الزنازين، ورئيس مخطوف شهيد، وشعوب ناقمة وأدبيات عميقة التأثير ووضع كارثي لا يزال يتفاقم.

 

السؤال الرابع كان يتعلق بما يُمكن تلخيصه بأنه العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وهنا يسأل ولي العهد ما الفرق بيني وبين جدي الملك عبد العزيز آل سعود؟ وكانت إجابة المؤرخ من كلمة واحدة وهي أن الفرق يكمن في إزالة الرئيس الأمريكي ترمب للقناع، وهو فعل لا بد لا بد له من رد فعل لم يحدث حتى الآن.

 

السؤال الخامس كان يتعلق بتعجب ولي العهد من كثرة الأضواء حول قضية جمال خاشقجى وحقوق الإنسان والسجينات.. الخ وكان سؤال ولي العهد ما الفرق بيني وبين رئيس كوريا الشمالية وكانت الإجابة أن كوريا الشمالية ليس لها خمسة آلاف مبعوث يدرسون في أمريكا ولا أموال مودعة ولا استثمارات تسيل اللعاب للاستيلاء عليها تحت أي شعار.

 

السؤال السادس كان يتعلّق بالاهتمام الشعبي الزائد من وجهة نظر ولي العهد بشخصيات مثل الدكتور سليمان العودة وكان السؤال واضحاً ما الفرق بيني وبين الرئيس جمال عبد الناصر في حالة سيد قطب على سبيل المثال وكانت الإجابة بكلّ وضوح إن الفارق يكمن في تركي الشيخ (والمقصود بالطبع هو ممارسات هيئة الترفيه ومواكبتها لتبريد وتجميد هيئة الأمر بالمعروف).

 

السؤال السابع كان يدور حول قسوة مطالب الصين والهند والباكستان وإندونيسيا وماليزيا من المملكة، وكان سؤال ولي العهد السعودي واضحاً وهو ما الفارق بيني وبين عمي الملك خالد على سبيل المثال؟ وكانت الإجابة من كلمة واحدة، وهي المبادرة التي كان عهد الملك خالد يبادر بها قبل أن يطلب منه شيء.

 

السؤال الثامن كان يدور حول قضية فلسطين وكان سؤال ولي العهد صريحا بأكثر من اللزوم حيث قال ما الفرق بيني وبين عمي الملك عبد الله؟ وكانت الإجابة تتمثل في كلمة واحدة هي الصياغة، والمقصود أن ما قام به الملك عبد الله من مبادرة عربية للتعامل مع الكيان الصهيوني جاء بعد صياغات محترفة قام بها صحفيون ومُنسّقو علاقات عامة كان أشهرهم توماس فريدمان.

 

السؤال التاسع كان يدور حول الأزمة الخليجية، وكان سؤال ولي العهد السعودي متردداً لكنه طرحه على استحياء فقال ما الفرق بيني وبين أعمامي جميعا في العلاقة بقطر؟ وكانت الإجابة باختصار الفرق يكمن في سمو الأمير محمد بن زايد وزير دفاع الإمارات.

 

كان السؤال العاشر والأخير عن سبب استقبال حماسه وتطويره ببرود على الرغم من ثوريته وإنجازه وامتداد أصابعه إلى كل جيرانه وكان السؤال عن الفارق بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر الذي لم يكن يتمتع بما يتمتع به هو من جرأة وجسارة وحسم وكانت الإجابة، هي 5 يونيو 1967 التي لا يريد أحد لها أن تتكرر مهما كنت ستتحمل أعباءها وحدك!

 

وفيما يبدو فإن ولي العهد السعودي اقتنع بالإجابات العشرة حتى وإن لم يكن راغباً في الأخذ بها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة