آية الله السيستاني بين تغريدتين

blogs السيستاني

قرأ في نوفمبر من العام 2019 الممثل الشخصي للمرجع الأعلى الشيعي في العراق علي السيستاني، رسالة لعموم العراقيين أنه لا يحق لأي شخص أو جهة أو دولة أو قوة دولية أو إقليمية أن تفرض رأيها على العراقيين، فهم أحرار في بلدهم، الرسالة في وقتها كانت ردا على دعوة خامنئي من طهران بأن تتوقف المظاهرات التي تخدم الإمبريالية في العراق ولبنان، مما أغضب خامنئي كثيرا من صلابة موقف السيستاني في صده لمحاولات إيران التقرب منه والتعاون في خدمة مصالحهما في العراق.

  

يقول سكوت بيترسون أحد كتاب صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية في تحليل له، إن إيران تمتعت بنفوذ في العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003، من خلال الاستثمارات الكبيرة والعمل الخيري لمساعدة الأغلبية الشيعية في البلاد، وكذلك عن طريق دعم المجموعات المسلحة لمهاجمة القوات الأمريكية على الأراضي العراقية ولكن قدرة إيران على التأثير في المؤسسة الدينية القوية كانت محدودة، وهي مؤسسة الحوزة العلمية بزعامة السيد علي السيستاني في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، والآن تحاول طهران بالاشتراك مع حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الدفع برجال دين إيرانيين إلى النجف، لتثبيتهم في مرحلة ما بعد السيستاني، وجعل العراق أقرب إلى إيران، خاصة بعد انحسار الدور العربي الضئيل أساسا أمام الصراع الأمريكي الإيراني هناك، والسيستاني البالغ  89 سنة يعد كنزا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية التي تتفق معه وبقوة في مواجهة النفود الإيراني في العراق.

 

الصراع الدي يقف في طريق مسدود دوما بين إيران والسيستاني يعجب بالتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية التي تلقى ترحيبا في النجف وتتفاهم مع السيستاني الذي دعا للعمل مع السلطة المدنية في 2003 وعدم إراقة الدماء

لكن المعضلة الأساسية تتمثل في عدم وجود البديل القوي مثله في حال موته، وحتى مقتدى الصدر الدي لا تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية حسب تقارير المخابرات المركزية وتقلباته المستمرة، لا يمكن التعويل عليه كبديل للسيستاني، وبالرغم من الخطأ الفادح الدي ارتكبه السيستاني عندما أصدر فتوى جهاد الكفاية ضد داعش مما أعطى نفسا كبيرا لتضخم ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران إلا أنه يبقى الحجرة الصلبة في وجه المد الإيراني، والرجل الدي يعده العراقيون من الصف الأول من حيث المكانة العلمية وربما أكثر من خامنئي يقطع الطريق على الممارسات الارستقراطية لرجال الدين الإيرانيين وعقليتهم الإمبريالية، وهو ضد التدخل الديني في السياسة، وتقول صحيفة لوموند الفرنسية ان الحوزة في النجف مهمتها النصح والإرشاد الديني وليس السياسة.

 

يعد السيستاني الثقل الموازن لإيران ليس فقط في المجال السياسي، فهو ينتمي إلى مدرسة فكرية شيعية تعارض الحكم المباشر من رجال الدين أو ما يسمى بولاية الفقيه، وهو النظام المتبع في إيران حيث لخامنئي الكلمة الأخيرة في جميع القضايا، لهدا فالإيرانيون لا يريدون خليفة قويا يحجب المرشد الأعلى في إيران الدي يعامله السيستاني بندية صارخة، والعراقيون الدين يعرفون أهمية مركز السيستاني في وجه إيران قد شعروا بالخوف إثر جراحة السيستاني الأخيرة حسب ما تصريح أدلى به أحد الشيوخ الشيعة في النجف لوكالة أسوشيتد برس، وتابع أن إيران ستركز على استخلافه ودعم خليفته الضعيف بالطبع بالشعارات الثورية لجدب الأتباع لخامنئي، لكن هدا الطرح ليس قويا بسبب أن الحوزة العلمية في النجف عصية على الاختراق الإيراني، بسبب اعتزاز علماءها بمكانة السيستاني الدي يعتبر أعلى مقاما من خامنئي كما أوردت الفورين بوليسي، وهو ما ينسحب على خليفته المحتمل.

 

الصراع الدي يقف في طريق مسدود دوما بين إيران والسيستاني يعجب بالتأكيد الولايات المتحدة الأمريكية التي تلقى ترحيبا في النجف وتتفاهم مع السيستاني الذي دعا للعمل مع السلطة المدنية في 2003 وعدم إراقة الدماء هباء، فقد وجدت أمريكا في دهنية السيستاني أرضا خصبة للعمل الحر في العراق شريطة إعطاءه هامشا من الاحترام الدي يبحث عنه في شكل احترام الحوزة العلمية والسيادة العراقية، وقد عبر عن غضبه بعد قتل سليماني في العراق مما حدا بالأمريكان والإيرانيين معا لوقف التصعيد مؤقتا في العراق، بالرغم من أن دلك لم يكن كليا ترضية للسيستاني إلا أنه جزء من دلك بالتأكيد، فالرجل حسب ما دكرت نيويورك تايمز له 30 مليونا من الأتباع حول أنحاء العالم، وكانت له اليد العليا في إقصاء المالكي المنحاز بشدة لإيران واستقالة عادل عبد المهدي المرفوض شعبيا.

  

هذا الجدار الدي بناه السيستاني في وجه إيران ينجح إلى الآن في تقليل وتحجيم إيران في العراق، لذلك فمسألة خلافة السيستاني تقلق الأمريكيين كما تقلق الإيرانيين على حد سواء، مع الاختلاف الجوهري بالطبع في الخلفيات، فبومبيو عندما غرد داعيا الله أن يحفظ السيستاني وبثلاث لغات، يريد أن يبلغ مؤيدي الرجل أنه على وفاق تام معهم، وربما حليفهم كما تروج لدلك بعض الشخصيات السياسية العراقية، وتأتي تغريدة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف على صفحته الرسمية في تويتر للترويج أيضا بأن الرجل على وفاق مع إيران في رسالة لأتباعه لاستمالتهم في حال موته.

 

يجمع العارفون بتاريخ الرجل أنه من القوة بمكان أن يجعل الجميع يصغون حينما يريد ذلك لكن يتساءل البعض لمادا يحجم السيد عن الفتوى بحل الميليشيات الدموية للحشد الشعبي التي جعلت من فتواه بالجهاد ضد داعش عنوانا شرعيا لوجودها وهي اليوم تنفد حرفيا أوامر الإيرانيين، كما أنه لم يوضح موقفه تماما من مسألة خروج القوات الأمريكية التي دعا إلى العمل معها في 2003، وهدا ما يفسر الازدواجية في سلوكه القاضي بمماهاة العمل الديني والسياسي رغم ما يشدد به على أتباعه وخلصاءه من علماء الحوزة بعدم الخوض في السياسة إلا للضرورة القصوى، وكأنه يلعب على حبل أصله الإيراني واحتياجه للعدو الأمريكي في كبح تغول خامنئي الدي ينازعه المكانة العلمية كأعلى مرجعية شيعية في العالم.