ماذا كشف كورونا من الحقائق؟

منذ أن ضرب فيروس كورونا الأرضَ شرقاً بالصين ومتوالياتُ زحفه على العالم في اطراد، والناس في خوفٍ وهلعٍ لا يعرفون متى ينتهي، وقد أصاب الدنيا بحالة من الشلل في مرافقها كلها، وغَدَتْ مُدن العالم أشباحا، فتلك الجامعات التي كانت تعُجُّ بألوف الطلاب خلت منهم، وبقيت مقاعد الدراسة مستوحشة من فقدان جلسائها، وأروقة روضات الأطفال والمدارس خاوية من براعم الأمل.

  

تظاهرات ثقافية ودينية كبيرة وصغيرة ألغيت إلى حين. لزم الملايين من الإيطاليين بيوتهم فلا يخرجون منها إلا لماما، وأقطار أوروبية لم تسلم من ذات المصير. حالة استنفار قصوى. قادة الحكومات في شُغُلٍ يفكرون كيف يواجهون هذا الوباء الذي يغتال الحاضر والمستقبل؟ وفي صراحة صادمة تصرح المستشارة ميركل بأن ثلثي الشعب الألماني على موعد مع هذا الفيروس الفتَّاك، وقد كشف لنا فيروس كورونا حقائق كثيرة نستعرض بعضها في تلك الأحرف اليسيرة:

   

الله يتجلى لنا في أسمائه

تتجلى صفات الجلال للخالق العظيم وصفات الكمال والجمال، فالله هو القاهر فوق عباده يخلق ما يشاء، كل شيء في الكون في قبضته له مقاليد السموات والأرض، يقلب الليل والنهار، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، قائم على كل نفس بما كسبت، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، له عاقبة الأمور، لا يقع في ملكه إلا ما أراده وشاءه، إن ربنا العظيم يُعرفنا بذاته في مشاهد الكون وتقلبات الزمان لتستيقظ قلوبنا من رقدة الغفلة ونطير إليه على جناح الرغبة والرهبة "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا" الطلاق : 12

    

   

نازلةٌ تكشف حقيقة الإنسان

إنسان العصر الحديث معجب بنفسه، مختال بمواهبه، مستعل بقدراته، يظن أنه يخرق الأرض أو سيبلغ الجبال طولا، مسكين حينما ذكر نفسه ونسى ربه، حينما استغرقته الدينا وذهلتْ نفسه عن يوم الحساب، لقد أصابه الداء القاروني القديم، أتذكرون حينما قال قارون في عتو واستكبار: "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ  78 : القصص لقد أصابنا في ساعات الغفلة ما أصابنا من العجب أننا نقدر وأن لنا حولا بعيدا عن السماء، فأراد ربنا الرحيم أن يذكرنا بأصلنا وطبيعتنا وحقيقتنا، وأننا في هذا الكون صفر أو أقل منه، لعلنا نثوب إليه ونفزع عند بابه ونلوذ يجنابه ونفر إليه وحدانا وجماعات.

 

لقد فتنتنا الأسباب عن خالقها، وصرفتنا القدرات عن واهبها، وشغلتنا اللذات عن مُوجدها، وسلبت عقولنا الدنيا عن مُدَبرها، فأتى الله بما يردنا إليه وما يجعلنا نجأر بالدعاء والتضرع بين يديه، في افتقار ومذلة وانكسار وإنابة وتأميل، ما ألذَّ الفقر إليك يارب العالمين، وما أرفع قيمة الذل لك وما أعذب الشكوى إليك.

 

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) ماذا نفعل لو تركنا الله وتخلى عنا؟ ما مصير الكون كله لو تركه الله دون رعاية وتدبير؟ تدبر وتأمل معي أيها القارئ النبيل قول الله تعالى: "إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْض أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورً" فاطر : 41 ويقول جل شأنه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ" الحج 65.

  

غاية الغنى في الافتقار إليه، وغاية العز في التذلل بين يديه، وغاية الهدى في الاعتصام به جل جلاله، وغاية السكينة في ذكره، وغاية القوة في شكره، وغاية الطمأنينة في التوكل عليه، وغاية الأماني في نيل رضاه والتنعم برؤية وجهه الكريم.

 

المصير المشترك للبشرية

لم يعد بوسع أحد أن يزعم أنه يعيش بمعزل عن غيره، بل يجب أن نعيش معنى السفينة الواحدة، فما يصيب المرء في شرق الكوكب يتأثر به من يحيا على أرض بعيدة في أقصى غربها، علينا أن نعيش معنى المصير الواحد، وأن كل خير يتنزل على الأرض سينعم به إخواننا في الخلق في مكان آخر، لقد شغل كورونا الدنيا عن النزاعات العرقية والخلافات المذهبية والاختلاف العقائدي، ذلك لأن ذلك الفيروس لم ولن يميز بين مسلم وغيره أو بين إنسان وإنسان، ومن هنا علينا أن نتذكر جيدا يوم يرفع الله البلاء عنا أننا عشنا مرحلة حرجة ومخاطر جسيمة عددنا فيها الساعات والأيام لتنجلى عنا تلك الكربة العظيمة.

   

   

التضامن والتراحم الاجتماعي واجب الوقت

نحن بين يدي فرصة واختبار كبير لنظهر أصالة أخلاقنا وحقيقة إنسانيتنا في إبراز التضامن الاجتماعي بين أبناء المجتمع، وأن نعيش هموم غيرنا ونتخلى عن فكرة النجاة الفردية، علينا أن نقتدي بمحمد صلى الله عليه وسلم في مشهد يوم القيامة حينما يسجد تحت العرش ويشفع عند ربنا الجليل للفصل بين العباد ويقول ضارعا: "يا رب أمتي أمتي"  ونحن نقول يارب أمتنا الإنسانية، يا رب قومنا يا رب وطننا، يا رب أهلنا يا رب شبابنا، هكذا دون تفرقة بين أحد منهم، لا يليق في وقت الأزمات أن يستأثر أحد دون غيره، أو ينشغل بنفسه عن الآخرين، فلنقتفي آثار من أثنى الله عليهم في كتابه العزيز بقوله

 

"لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" الحشر : 8، إن الأيام الصعبة التي نعيشها تخاطب فينا مروءتنا والرابطة الأخوية التي تجمعنا بجميع الخلق أن نكون قلبا واحدا وروحا واحدة نقدم غيرنا على أنفسنا حتى يزول الكرب وينكشف البلاء.

  

حاجتنا للإيمان بالقدر والتوكل على الله مضاعفة

لإن كانت حاجتنا للأخذ بالأسباب والوقاية من الأمراض كبيرة وواجبة، فإن حاجتنا للإيمان بقدر الله تعالى والتوكل عليه والركون إليه أعظم وأشد، والمسلم أمام الشدائد يجب أن يكون قوي العزم، صلب الإرادة، رابط الجأش، ساكن النفس، مطمئن القلب، يشيع الأمل في النفوس، ويقطع طريق الخوف عن قلوب الناس،

 

يقول الشاعر العربي قطري بن الفجاءة يخاطب نفسه لتواجه مصيرها دون خوف أو جذع أو هلع:

أَقولُ لَهَا وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعاً مِنَ الأبطَالِ وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي
 فإِنَّكِ لَو سَــأَلْتِ بَقَـاءَ يَوْمٍ علىَ اَلأَجَلِ الَّذِي لَكِ لَمْ تُطَاعـي

 

ونحن نُقبل على الحياة مستحضرين قوله تعالى: "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" التوبة 51 وبين أعيننا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطاك لم يكن ليصيبك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه أحمد وأبو داود.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة