الملا مصطفى البارزاني.. قدر الأمة الكردية

البارزاني هو قدر الأمة الكردية هكذا يصف المفكر مسعود محمد وجود البارزاني في تاريخ الأمة الكردية، فبعد مرور أكثر من قرن على ميلاد الزعيم الكبير وأكثر من أربعة عقود على رحيله، وما زال حاضرا بيننا بنهجه وإنجازاته والأحداث التاريخية في حركة التحرر القومي الكردي التي ارتبطت بشخصه، وهنا أذكر مقولة للبارزاني الذي قاد الحركة التحررية الكردية لعقود حيث قال إن الثورة والحرب ضد الحكومات لا يعني الحرب ضد شعوبها لأن الحكومات تذهب والشعوب باقية.

 

(نحن إخوان الأحرار جميعا ونتعاون معهم سواء كانوا عربا أو عجما أو تركا أو انكليزا أو روسا) هذا ما قاله البارزاني في إحدى خطاباته، أما عن الحكومة العراقية فقال (نحن في العراق نحتاج إلى حكومة ديمقراطية وعادلة، تجيء الى الحكم عن طريق انتخابات حرة بعيدا عن الضغط والتهديد والاضطهاد والاعتداء، وأن تكون لها قوانين عادلة يصنعها الشعب بنفسه حتى لا تقول الحكومة كل يوم قررنا ما يلي وتحكم الشعب وفق أهوائها، والشعب لا يستطيع ولا يجرؤ على محاسبتها).

 

الكرد مثل غيرهم من الشعوب لهم قادة وزعماء ومفكرون، وبرز بينهم من قاموا بأدوار غيروا مجرى حياتهم ومستقبلهم ومصيرهم، وكان الملا مصطفى بارزاني في مقدمتهم في العصر الحديث مع ما خاض من تجارب وواجه من تحديات، فقد عاش التجربة الاشتراكية عن كثب عندما كان في الاتحاد السوفييتي السابق وقبل ذلك قاد ثورات وانتفاضات منذ ربيع عمره، كما شاهد قيام وسقوط جمهورية مهاباد الكردستانية الديمقراطية وتابع صراع الشرق والغرب وانعكاساته على القضية الكردية وكل الصفقات والاتفاقيات بين الدول الكبرى حول مصير الشعوب من معاهدات واتفاقيات.

 

توجه الكُردُ إلى مدينة مهاباد في كُردستان إيران حيث قام رئيس الحزب الديمقراطي الكُردستاني القاضي محمد بإعلان جمهورية كُردستان في مهاباد في 22 يناير 1946، أصبح الملا مصطفى البارزاني رئيساً لأركان الجيش في جمهورية كُردستان

ولا شك أن كل ذلك قد مده بالدروس والعبر وخلق لديه استعدادا لفهم طبيعة الحركة الكردية، والسبيل الأفضل لانتزاع الحقوق عبر النضالين السلمي والثوري، كان البارزاني مرتبطا بتأريخ شعبه وعائلته وورث عنهم ميراثا قوميا مميزا. رجُل رسّخَ حياتَهُ في سبيلِ حقوقِ شعبه، رجلٌ ثارَ ضد الظُلمِ، رجلٌ قادَ ثورةَ شعبٍ مغلوبٍ على أمره، لكنَ هذا الشعب لا يستسلم ولا يفقد الأمل، شعبٌ جَعل من الجبلِ صديقاً وجرى مع مياهِ وديانِ تلكَ الجبال، تلكَ المياهُ التي لطالما جَرَت معها الحياةُ ولم ترفضِ الهاربينَ إليها، ذلك الرجلُ هو الجنرال ملا مصطفى البارزاني، وذلك الشعبُ المغلوبُ على أمره هو الشعبُ الكُردي.

 

مُلا مصطفى البارزاني ذلك الزعيمُ المُحارب في سبيل حقوق شعبه وُلِدَ في 14 مارس سنة 1903 ومرَّ بعدة مراحل مختلفة في حياته، فبعدما خرج من المشيخةِ يحملُ اسمه المُلا تحول إلى ثائر ومن ثم إلى عسكري يحملُ لقبَ الجنرال، أعتُقِلَ والدهُ وهو رضيع، ثم سُجن سنةً كاملةً مع والدته وهو في الثالثة من عُمره في الموصل من قِبل السلطات العثمانية آنذاك، نشأ في بيئةٍ دينيةٍ ووطنية، ثم تربى على يَدَيّ أخيه الشيخ أحمد بارزاني، شارك أخاه الأكبر الشيخ أحمد بارزاني في قيادة الحركة الثورية الكردية للمطالبة بالحقوق القومية للكُرد، ولكن تم إخماد هذه الحركة من قبل السلطة الملكية في العراق والقوات البريطانية المحتلة، وتم قصف بارزان من قِبَل الطائرات البريطانية و قُتِلَ أكثر من (1000) كُردي بين عسكري ومدني، وبعد ذلك هاجر البارزانيون وبينهم الشيخ أحمد بارزاني و ملا مصطفى بارزاني إلى تركيا ومن ثم أعادتهم تركيا إلى العراق ليتِم نفيهم من قبل الحكومة العراقية إلى جنوب العراق وبعد إلى مدينة السليمانية سنة (1935) لمدة عشر سنوات، وبعد هذه السنوات العَشر تسلّم الملا مصطفى القيادة من أخيه الشيخ أحمد ليُكمِل ما بدأ به أجداده من ثورات في سبيل القضية الكُردية، وخلال هذه الفترة نسّق البارزاني مع حزب هيوا الكُردي ليَهرُب من منفاه إلى كُردستان إيران سنة (1942) وبعدها عاد إلى قريته بارزان ليبدأ بالنضالِ من جديد.

 

بدأ النضالَ من جديد وعمل على تهيئة مرحلة جديدة في العلاقة بين الكُرد والحكومة العراقية، تجمّعَ حولهُ ما يُقاربُ (5000) مقاتل والدعم الجماهيري والشعبي أيضا كان له دورٌ بارز في هذه المرحلة، سيطر الملا مصطفى البارزاني على منطقة بارزان وأطرافها واضطرت القوات العراقية إلى الانسحاب من هذه المناطق وأرسل إليهم البارزاني شروطه، تلك الشروطُ التي كانت بدايةً جديدة بين الكُرد بقيادة الملا مصطفى بارزاني والحكومات العراقية المتعاقبة، وتحولت القضية الكُرديةُ إلى مشروع قضية فيها شروط ومطالب للشعب الكُردي. 

 

أرسلت الحكومة العراقية التي كان يترأسها نوري السعيد أحد وزرائها للتفاوض مع الكُرد بقيادة البارزاني وتم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وصادقَ نوري السعيد على الاتفاق، لكن سرعان ما استقال نوري السعيد من منصبه كرئيس للحكومة العراقية وتراجع عن الاتفاق واعتبره الجانب الكُرديُ مؤامرةً على ذلك الاتفاق المبرم بينهم وبدأت الحربُ من جديد بين الطرفين، خمسة آلاف مقاتل كان يقودهم الملا مصطفى البارزاني في وجه ثلاثين ألف جندي عراقي وعشرة آلاف من الشرطة العراقية مدعومين بسلاح الجو البريطاني بقيادة الميجور الجنرال رونتينغ.

 

توجه الكُردُ إلى مدينة مهاباد في كُردستان إيران حيث قام رئيس الحزب الديمقراطي الكُردستاني القاضي محمد بإعلان جمهورية كُردستان في مهاباد في 22 يناير 1946، أصبح الملا مصطفى البارزاني رئيساً لأركان الجيش في جمهورية كُردستان، وبعد 11 شهراً من قيام جمهورية كُردستان انهارت الدولة وذلك بسبب انسحاب قوات الاتحاد السوفييتي من شمال إيران وتم إعدام الرئيس القاضي محمد في 31 مارس 1947، بعدها توجه البارزاني مع (500) من جنوده إلى الاتحاد السوفيتي مشياً على الأقدام وبقوا هناك قرابة 12 سنة.

 

في عام 1958 ومع إعلان الجمهورية العراقية دعى الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم البارزاني للعودة إلى العراق وبدأت مناقشات حول إعطاء الكُرد بعض مطالبهم القومية، ولكن مطالب البارزاني والشعب الكُردي لم تتطابق مع ما كان في نية الرئيس عبد الكريم قاسم إعطاءه للكُرد، فأدى ذلك إلى تجدد الصراع مرة أخرى حيث قام عبد الكريم قاسم بحملة عسكرية ضد الكُرد سنة 1961، وبعد تولي الرئيس العراقي عبد السلام عارف الحكم اتفق مع عدد من القادة الكُرد (سياسيين وعسكريين) وبضمنهم البارزاني على حل شامل للقضية الكردية حيث أعلن اتفاق نيسان/أبريل عام 1964، إلا أن التيار القومي العربي تمكن من التسلل إلى السلطة ونسف كل ما أتفق عليه فاستمرت الدولة بإجراءاتها القمعية للشعب الكردي، فتجدد النزاع المسلح بين الطرفين. 

 

بعد 9 سنوات من الحرب بين الكُرد بقيادة البارزاني اضطرت الحكومة العراقية إلى الاتفاق مع البارزاني في اتفاقية الحكم الذاتي للكُرد سنة 1970 والتي لم تدم طويلاً بسبب انقلاب قيادة حزب البعث على اتفاقية الحكم الذاتي سنة 1974 وتوقيعهم لاتفاقية مع شاه إيران تنازل بموجبها العراق عن شط العرب وعن المطالبة بالأحواز مقابل توقف إيران عن تقديم الدعم العسكري واللوجستي للثوار الكُرد، اتفاقية الجزائر التي أبرمت بين إيران والعراق بمبادرة أمريكية جزائرية كان عرابها وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، كانت اتفاقية غدر وخيانة للكُرد من قبل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسينغر، غادر بعدها البارزاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث توفي هناك في 1 مارس سنة 1979، في مستشفى جورج واشنطن إثر مرض عضال.

 

هناك العديد من الشخصيات والرؤساء والصحفيين العرب والاجانب الذين كان لهم حديث عن شخصية وقوة وهيبة الملا مصطفى بارزاني ومنهم:

حسني مبارك الرئيس المصري الراحل قال:

وأنا أتابع مراسيم دفن مصطفى البارزاني، في ذلك اليوم من أيام ربيع 1979، تبين لي بوضوح أن جموع المعزين لم يقوموا بإلقاء مجرد نظرة على جثمان الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني، بل أنهم كانوا يقوموا بتوديع أهم شخصية كردية سياسية وعسكرية على مدى التاريخ، منذ صلاح الدين الأيوبي.

 

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قال:
كان رجلا مهيب الطلعة، وأعظم ما كان فيه عينان نافذتان تزيدان من قوة وتعابير الخطوط الحازمة لوجه صارم نبه.

 

المفكر والأديب المصري محمد حسنين هيكل قال:

إن فضائل البارزاني من طراز الشجاعة القديمة، حتى أن الإنسان ليعجب بسموها إلى درجة كبيرة، عاش يقود ثورة بأساليب زعيم محنك، ولكن بلا غاية، سوى الكبرياء والاستقلال.

 

الميجر ادگر بالانس المحلل العسكري البريطاني قال:

في كتابه (الثورة الكردية) الصادر 1973، إن البارزاني استطاع أن ينتزع أول اعتراف قانوني بحقوق الكرد في العراق، وهو أول اعتراف إقليمي بمطالب القومية الكردية وكانت هذه البداية لإقرار الآخرين بمشروعية وحقوق الشعب الكردي.

 

الباحث والصحفي الدكتور كوناكت قال عن البارزاني، مؤلف كتاب (أحفاد صلاح الدين):
لم يشهد تاريخ الشرق الأوسط قائدا مثله لا يتنازل عن كرامته ورصانته في كل الظروف العصيبة التي كانت تمر بها كردستان وكانت ذهنيته السياسية متطورة جدا تعينه على التعمق حتى يصل إلى قلب المسألة التي يبحث فيها دائما.

 

رينيه موريس، مدير المكتب الصحفي لرئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، فرانسوا متران قال:

من بين جميع شهداء الحركة الكردية وأبطالها فإن للبارزاني مكانة خاصة عند الكرد في كل مكان ويمكن العثور على صوره معلقة في المنازل في تركيا والاتحاد السوفييتي وأماكن تواجد الصحفيين المشهورين في واشنطن، وشبهه بالأسطورة لتلك الانجازات الهائلة التي حققها في ميادين القتال فهي تشكل مصدر اعتزاز الكرد بهويتهم الكردية على مر التأريخ.

 

لم يتنازل عن شبر من أرض كوردستان، وبوعيه الثاقب والواسع كرس مبدأه الكردي على امتداد كوردستان، نعم إنه انتقل إلى البارىء الأعلى، ولكنه باق في ضمير وعقول الشرفاء من أبناء شعب كوردستان، لروحه الرحمة والسلام، وله المجد والخلود عاشت ذكراه وعاش الكورد وكوردستان.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة