رسالة أطفال اليمن للمتحاربين: "دمرتم الحاضر فاتركوا لنا المستقبل"

أحمد وسلمى، طفلين لم تتعدى أعمارهم العاشرة، يخرجون يومياً في الصباح الباكر لجمع القوارير البلاستيكية من الشوارع والقمائم، لبيعها وشراء ما أمكنهم من طعام ليسكتوا به جوعهم، يحملون على ظهورهم أكياس عملاقة مليئة بالقوارير البلاستيكية التي جمعوها بعد وقت طويل وعناْءً مضني، أكياس تفوق حجمهم بكثير، يخيل لك من بعيد أن هذه الأكياس تمشي على الأرض بمفردها، فلم يعد يظهر شيء من أجساد هؤلاء الطفلين، أكياس عملاقة تُمثل الحمل الثقيل الذي أُلقى على كاهل هؤلاء الأطفال وهم في سن الطفولة.

أينما وليت وجهك في اليمن ستجد عمالة الأطفال أمامك منتشرة في كل مكان، في الشوارع والجولات والورش والمحلات والمصانع، وفي أماكن لا يتصورها عقل، فلا يكاد يخلو بيتاً في اليمن من طفل يعمل في ظروف لا يحتملها حتى الكبار، يتعرضون خلال هذه الأعمال لشتى أنواع المضايقات والإهانات، فقدوا فيها ما تبقى من براءة الطفولة التي لم تستطع الحرب، بقسوتها، سلبَهم إيها، تراهم أطفال وما هم بأطفال.

تُعرف عمالة الأطفال، بأنهم الأطفال المنخرطون في عمل غير ملائم لقدراتهم كأطفال أو في أي عمل قد يعرض صحتهم وتعليمهم وتطورهم الأخلاقي للتدهور. تتعدد الأسباب التي جعلت من أطفال تحت سن الـ 18 يعيشون حياة الكبار ويتحملون مسؤوليات تفوق قدراتهم الجسمانية والنفسية كأطفال، أغلب هذه الأسباب متعلقة بالفقر والحروب والنزاعات التي لا تكاد تنتهي في اليمن، وأُخرى متعلقة بالزوج المبكر والعادات والتقاليد، وتتعدد أشكال انتهاك الطفولة، من عمالة أطفال وتجنيد إلى التهميش (أطفال الشوارع).

ذكرت الباحثة منى أحمد، أنه في ضوء نتائج الدراسة الميدانية فإن أكثر الفئات العمرية عرضة للعمل هم الأطفال الأكبر عمراً الذين تنحصر أعمارهم بين 12 – 14 سنة؛ ونوهت إلى أنه يجب الاهتمام بالأطفال الأكبر سنا

يُقدر عدد سكان اليمن بحوالي 28.25 مليون نسمة، وفقاً لأخر إحصاء تم في العام 2017، 34.3 بالمئة منهم، أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاما. 21 بالمئة من هؤلاء الأطفال منخرطين بشكل أو بأخر في سوق العمل. وتقدر نسبة المشاركة في القوى العاملة من الاطفال في اليمن بـ 40.4 بالمئة، ويبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية للأطفال 23 ساعة. والخطير في الأمر أن 50.7 بالمئة من هؤلاء الأطفال العاملين منخرطين في أعمال تصنف، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أنها خطيرة وقد تتسبب بفقدانهم حياتهم، إما بسبب طبيعة المهن الخطرة التي يعملون فيها أو بسبب ساعات العمل الطويلة التي يقضونها في العمل. بالإضافة إلى أن 32 بالمائة من الأطفال العاملين في اليمن، يتعرضون للتحرش.

وبحسب تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" عام 2012 يبلغ عدد الأطفال المجندين في الجيش اليمني نحو 40 ألف طفل. وتعتبر اليمن واحدة من 8 دول أدرجت قواتها الأمنية الوطنية من قبل الأمم المتحدة على قائمة الدول التي تجند وتستخدم الأطفال. ومؤخراً وثق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وصول عدد من تم تجنيدهم من الاطفال منذ بداية الحرب الأخيرة مطلع العام 2015، إلى أكثر من 2700 طفلاً، تراوحت أعمارهم في معظم الحالات بين 11 و17 عاماً.

تشير العديد من الدراسات الميدانية أن أصل مشكلة عمالة الأطفال وأطفال الشوارع وأيضا تجنيد الأطفال هو تسربهم من المدارس وترك التعليم، ومنها دراسة اجتماعية ميدانية عن واقع عمالة الأطفال في مدينة عدن للباحثة منى على منصور أحمد، خلصت إلى أن معظم أفراد العينة التي شملتهم هذه الدراسة (69.5 بالمائة) متسربين من المدارس، وتركزت نسبة التسرب عند الصفين الخامس والسادس ابتدائي، وما يؤكد هذه الدراسة انه في العام 2007، وضع المجلس العربي للطفولة والتنمية، اليمن في صدارة قائمة الدول العربية التي تعاني من التسرب في التعليم. وبحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية أصدرته مطلع عام 2012، يُقدر متوسط معدل متابعة التعليم والدراسة في صفوف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاما بـ 66.3 بالمائة، يرتفع إلى 73.6 بالمائة في صفوف الأطفال في سن التعليم الالزامي (بين 6 و14 عاما).

ويلاحظ تسرب كبير من النظام التعليمي بعد 9 سنوات من التعليم الإلزامي حيث ينخفض معدل متابعة الدراسة إلى 56.6 بالمائة في صفوف الاطفال في سن الـ 17. وذكرت الباحثة منى أحمد، أنه في ضوء نتائج الدراسة الميدانية فإن أكثر الفئات العمرية عرضة للعمل هم الأطفال الأكبر عمراً الذين تنحصر أعمارهم بين 12 – 14 سنة؛ ونوهت إلى أنه يجب الاهتمام بالأطفال الأكبر سنا، وربط التعليم بالواقع، من خلال إكساب الأطفال بعض المهارات التي تفييدهم في حياتهم المستقبلية. ويمكن اعتبار الحلول التي ذكرتها الدراسة حلول تقع على عاتق الدولة، وهي المسؤولة في الأول والأخير عن هذا الأمر، لكن في ظل الوضع الذي يعشه اليمن اليوم من حرب ومأسي لا تعد ولا تحصى، والأرقام الكبيرة التي ذكرناها، لا يكفي الاعتماد على الدولة، التي لم تعد اصلاً موجودة، فلا يعقل أن يجلس المجتمع المحلي والدولي ومنظماته المدنية المختلفة وحتى أفراده مكتوفي الأيدي وأطفالهم يضيعون في متاهات الحياة الصعبة ومآسيها.

كان هنالك تجربة رائعة جداً لـ نوريه ناجي، "ماما نوريه"، وهو اللقب الذي يطلقه عليه الأطفال التي قامت بمساعدتهم، حيث قامت بأسيس منظمة التعليم والإغاثة أليمنية (يرو)، وهي منظمة غير حكومية وغير ربحيه، تهدف إلى تسهيل الحصول على التعليم للأطفال من الأسر الفقيرة وأطفال الشوارع، ومساعدة هؤلاء الأطفال للانخراط في المدارس ألحكومية، ورصد ومتابعة تقدم هؤلاء الأطفال لضمان نجاحهم في المدرسة، ودعم أسرهم من خلال تقديم التدريب لأمهات الأطفال في الصناعات اليدوية، وبيع السلع التي يقومن بإنتاجها نيابة عنهم، بحيث تصبح هذه الأسر مكتفية ذاتياً، وكانت تسعى إلى دعم ومساعدة الأطفال كي يصبحوا مستقلين وإعدادهم للمستقبل.

تحدثت "ماما نوريه"، بكل فخر، عن إحدى المنتسبات للمنظمة تدعى حنان. كانت حنان مسجلة مع المنظمة قبل افتتاح المركز في عام 2003. كان عمرها 14 سنة عندما انضمت إلى المنظمة، وبقيت في المنظمة حتى أكملت تعليمها الثانوي، بعد ذلك أعربت عن عدم رغبتها في الاستمرار في التعليم، لأنها شعرت أنها مضطرة لإعالة أسرتها، كما أن والدتها التي كانت المعيل الرئيسي للأسرة لم تعد قادرة على القيام بهذا الدور. قامت المنظمة بتقديم الدعم المالي الذي مكن حنان من مواصلة تعليمها وإكمال دراستها الجامعية، وتخصصت في العلوم السياسية بإحدى الجامعات الخاصة، وتخرجت بدرجة امتياز. بعدها حصلت على عمل في احدى المنظمات الدولية، وذكرت ماما نورية انه كان لديهم ما يقرب من إحدى عشرة فتاة وفتى ساعدت المنظمة في التحاقهم بالجامعة. يذكر ان المنظمة عملت منذ تأسيسها على حل مشكلة التسرب من التعليم لما يقرب من الـ 500 طالب وطالبة. للأسف كل هذا توقف بسبب الحرب، وانحصر عمل المنظمة اليوم على العون والإغاثة.

يذكر في هذا الصدد ان وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع منظمة اليونسكو كانت تدرس في العام 2005، تنفيذ مشروع إنشاء مدارس مخصصه لأطفال الشوارع والأطفال العاملين والمجندين والمتسربين من المدارس، وكان المشروع يتضمن إنشاء 20 مدرسة في مناطق مختلفة من اليمن، وكذا تأهيل 70 إلى 100 معلم وإداري للعمل في هذه المدارس. وكان يشمل المشروع ايضاً تحسين المهارات الاقتصادية والمجتمعية لأسر الأطفال العاملين وأطفال الشوارع من الفئات المهمشة. مشروع كان سيستفيد منه أكثر من مليون طفل يمني. لكن للأسف بقي هذا المشروع حبيس الادراج، كما هيا العادة في كل المشاريع الحكومية الفعالة، ولم يطبق منه شيء. ما أحوجنا لمثل هذا المشروع في هذه المرحلة المأساوية التي يعيشها اليوم الاطفال في اليمن بسبب الحرب الاخيرة المستمرة لأكثر من أربع سنوات، التي زادت من اعداد الاطفال العاملين بنسب تجاوزت الـ 300 بالمائة، بحسب منظمة "سياج" لحماية الطفولة. نأمل من المنظمات الأممية والدولية المختصة والجهات المعنية، العمل على تطبيق هذا المشروع، الذي إن طبق بطريقة صحيحة سيكون له آثر كبير جداً على الأطفال في اليمن، علٌه يرمم ويبني بعضاً مما هدمته الحرب في الطفولة باليمن.

بأيدينا تحويل جيل بأكمله من الاطفال الذين هم مستقبل اليمن، الى جيل متعلم يخرج منه الدكتور والمهندس والعالم والأديب، بأيدينا تحوليهم إلى ارقام صعبة ترتقي بالمجتمع اليمني، بدلاً من ان يتحولوا، ان استمر الحال كما هو، الى متسولين مشردين في الشوارع، يشكلون عالة على المجتمع، ومجرمين يهددون امنه واستقراره. كل هذا لن يتم إلا بتوقف القتال وانتهاء هذه الحرب، التي فاقمت الكثير من المشاكلة التي كانت موجودة في السابق وأوصلتها الى مرحلة من الخطورة لم تشهدها اليمن من قبل، خطورة لم تعُد تهدد الحاضر فقط، بل تعدت خطورتها لتهدد المستقبل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة