حامد عبد القادر الدرعمي العبقري الذي اختير وكيلا لكلية أصول الدين

أبدأ هذه المدونة بطرفتين تاريخيتين تقربان بعض المعاني المهمة لتاريخنا العلمي، الأولى: أن التقاليد العلمية منذ العصور الوسطي كانت تأخذ بمبدأ جميل وهو أن تنص في نهاية اسم كل عالم علي موطنه، وهكذا كان من الممكن لاسمي أن يكون مشتركا في نهايته مع اسم هذا العلامة الجليل فيصبح اسمي الجوادي الفارسكوري، وليس هذا بعجيب فقد كان اسم والدي  رحمه الله بين أقرانه كثيرا ما يتضمن هذا النص علي أنه الفارسكوري، فلما جاء عهد الأحوال المدنية  وبطاقات تحقيق الشخصية وجوازات السفر ثم الرقم القومي انتهي العمل بهذا التقليد.

الثانية: حين اصطحبنى والدي، عليه رحمة الله، لزيارة سوق الأزبكية لأول مرة في حياتي وأنا صبي، كان من حظنا أن وجدنا من الكتب المجلدة المعروضة للبيع نسخة مجلدة من الكتاب الشهير «زهر الربيع في المعاني والبيان والبديع»، للأستاذ أحمد الحملاوي  وإذا بهذه النسخة تحمل اسم مقتنيها بخط جميل، وإذا هو الأستاذ حامد عبد القادر نفسه، فاشتراها لي والدي، عليه رحمة الله، فنالني من بركتها وبركة مقتنيها ما نالني مما أحمد الله عليه، وقد حدثني والدي يومها أنه من «ميت الخولي عبد الله»، وهي في ذلك الوقت قرية من قري مركزنا، مركز فارسكور، اشتهرت بأنها موطن العلماء والنجباء، وكان بينها وبين القرية المجاورة لها مباشرة، وهي قرية الزرقا، تنافس متصل، حتي إنني شهدت في صباي نفوذ البلدين وهو يتنافس ويتوازى، فتفتح مدرسة ثانوية هنا، ومدرسة ثانوية هناك، رغم قرب المسافة.

 

بعد عودته إلى مصر اختير الأستاذ حامد عبد القادر للتدريس في كلية دار العلوم، ثم كان واحدا من الذين وقع عليهم اختيار الأزهر الشريف ليسهموا في تأصيل الأسس الأكاديمية في كلياته الحديثة، وليشرفوا على الدراسات العليا ودراسات التخصص

هكذا بدأنا بالقول بأن الأستاذ حامد عبد القادر (1895 ـ 1966) هو نفسه المعروف أيضًا في بعض المصادر المبكرة باسم حامد عبد القادر الفارسكوري. وهو من العباقرة الذين جمعوا التفوق في ثلاثة ميادين: فهو عالم لغوي من الطراز الأول، في اللغة العربية كما أنه أستاذ في اللغات الإنجليزية والشرقية (العبرية والفارسية) كما أنه أستاذ بارز في علم النفس والتربية، كما أنه قبل ذلك مجمعي بارز جدا فهو واحد من الأعلام الأربعة الذين تولوا أمر الإشراف على إصدار الطبعة الأولي من المعجم الوسيط مع الأساتذة إبراهيم مصطفي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد علي النجار، وهو جهد ضخم ومتميز ولا يزال أثره مقدرا ومتفضلا.

 

وقد وصفه الدكتور محمد مهدي علام يوم تأبينه وصفا بديعا لم يكن من حظ أحد آخر أن يناله من الدكتور محمد مهدي علام علي الرغم من كثرة من ذكرهم الدكتور مهدي علام بالفضل والخير في نصوصه، إذ أنه في وصفه لهذا الرجل جمع بحب شديد بين التفنن والتفلسف فقد وصفه بأنه «كان رجلًا يتحلي بالعلم من غير رياء، ويتجمل بالإباء من غير كبرياء، وتصونه العزة من غير غطرسة، وتقربه إلى النفوس سماحة تعلو على التبذل، ويسمو به تواضع لا يهبط إلى الخضوع». من الجدير بالذكر أن الأستاذ حامد عبد القادر سبق الدكتور مهدي علام في التخرج وفي عضوية مجمع اللغة العربية، وخلفه في منصبه الكبير كمسئول عن اللغة العربية في وزارة المعارف.

 

نشأته وتعليمه المتميز في بريطانيا

ولد المرحوم الأستاذ حامد عبد القادر ببلدة ميت الخولي عبد الله التي كانت تابعة لمركز فارسكور، في مديرية الدقهلية (وهي الآن تابعة لمركز الزرقا محافظة دمياط) في سنة 1895. حفظ الأستاذ حامد عبد القادر القرآن وتعلم تجويده بروايتي حَفْص وورش، ثم تلقي تعليما دينيا تقليديا والتحق بمعهد دمياط الديني، ثم التحق بدار العلوم سنة 1914، وشهد أحداث ثورة 1919 وهو في دار العلوم، وتخرج سنة 1920، وجاء ترتيبه الأول علي رأس الدفعة التي ضمت زميله الأستاذ عبد الفتاح الصعيدي، الذي وصل بعده إلى عضوية مجمع اللغة العربية في عام 1961. ولما كان الأستاذ حامد عبد القادر أول الناجحين في دفعته، فقد أوفد في بعثة إلي إنجلترا حيث درس في جامعة إكستر، ونال دبلومي علم النفس وعلوم التربية، والأدب الإنجليزي، وسرعان ما انتدب لتدريس اللغة العربية بمعهد اللغات الشرقية بجامعة لندن، خلفًا للمرحوم الأستاذ محمد حسنين، وفي أثناء قيامه بهذا العمل واصل دراسته للغات الشرقية (الفارسية والعبرية والآرامية)، وحصل فيها علي دبلومات عالية من جامعة لندن.

 

وكيلا لكلية أصول الدين

وبعد عودته إلى مصر اختير الأستاذ حامد عبد القادر للتدريس في كلية دار العلوم، ثم كان واحدا من الذين وقع عليهم اختيار الأزهر الشريف ليسهموا في تأصيل الأسس الأكاديمية في كلياته الحديثة، وليشرفوا على الدراسات العليا ودراسات التخصص، وقد اختير وكيلًا لكلية أصول الدين المنشأة لتوها، في تقليد يدل دلالة قاطعة على ما كانت روح الأزهر قادرة عليه من رحابة الصدر والتطوير والتطعيم الذكي لأساتذة الجامعة الأزهرية الناشئة. ثم نقل الأستاذ حامد عبد القادر إلى وزارة المعارف (التربية والتعليم) مفتشًا للغة العربية وما يتصل بها، في مراقبة تعليم البنات، ولما أنشئت مراقبة الامتحانات اختير مديرًا فنيا بها. وعندما أعيد تنظيم دار العلوم اختير حامد عبد القادر ليكون أستاذا بها. وعهد إليه بتدريس كثير من المواد التي تخصص فيها من قبل كالتربية وعلم النفس واللغة الفارسية واللغة العبرية، فلما ألحقت دار العلوم بجامعة القاهرة كان واحدا من الذين اختيروا لشغل كراسي الأستاذية، وقد عين أستاذًا لكرسي الدراسات السامِية والشرقية وفقه اللغة.

 

مديرا عاما للغة العربية بالمعارف

ظل الأستاذ حامد عبد القادر يعمل أستاذا في كلية دار العلوم حتى سنة 1952، حيث اختير مديرًا عامًّا للغة العربية بوزارة التربية والتعليم خلفا للدكتور محمد مهدي علام، الذي عين عميدا لآداب عين شمس، وظل يشغل هذه الوظيفة حتى بلغ سنَّ التقاعد سنة 1955. هذا وقد اشترك الأستاذ حامد عبد القادر في تأليف عدد كبير من الكتب المدرسية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وهو من أبرز مؤلفي الكتب المدرسية في هذا الجيل، الذي بلغت فيه الكتب على أيديهم الذروة. وكان في أثناء شغل هذه الوظيفة عضوًا بمجلس الأزهر الأعلى، ومشرفا على قسم التخصص في التدريس الملحق بكلية اللغة العربية.

 

عضويته في المجمع اللغوي

وقد اختير الأستاذ حامد عبد القادر لعضوية مجمع اللغة العربية سنة 1954 خلفًا للأستاذ عيسى إسكندر المعلوف، الذي أعفي من العضوية لطول مرضه، ومنح مع هذا الإعفاء لقب عضو فخري بالمجمع، وكان انتخاب الأستاذ حامد عبد القادر مواكبا لانتخاب الأستاذين توفيق الحكيم، ومحمد توفيق دياب، وقد مر ثلاثتهم بأكثر من انتخاب حتى فازوا. وبانتخاب الأستاذ حامد عبد القادر في هذا الكرسي أصبح هناك مقعد ثالث وثلاثون للأعضاء المصريين وقد جاء استئثار المصريين بهذا المقعد على حساب المقعد الرابع للعرب والمستعربين، وقد ألقى كلمة المجمع في استقباله الأستاذ إبراهيم مصطفي. وقد أسهم الأستاذ حامد عبد القادر في المجمع في عدة لجان، وقدم عدة بحوث، كما اشترك في لجنة ألفاظ الحضارة، ولجنة اللهجات، ولجنة الأصول، ولجنة تيسير الكتابة، ولجنة المعجم الكبير، ولجنة الجيولوجيا، ولجنة الأدب، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم. وقد عهد إليه بالاشتراك في اللجنة التي تكمل هذا المعجم، وكانت له اقتراحات خاصة بقواعد مضبوطة موجزة لرسم الهمزة في جميع حالاتها، ولرسم الألف اللينة قدمها إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

 

له في الأدب والتاريخ الفارسي والآسيوي:

– زرادشت نبي قدامي الإيرانيين.

– بوذا الأكبر.

– مقالات في بديع الزمان الهمذاني.

– مقالات في مهيار الديلمي.

– القطوف واللباب في اللغة الفارسية وآدابها.

– قصة الأدب الفارسي من نشأته إلى العصر الغزنوي.

 

وله في قواعد اللغات السامية وحضارتها:

– قواعد اللغة العبرية (مخطوط).

– موجز لقواعد اللغة الآرامية (آرامية العهد القديم) (مخطوط).

– تاريخ الأمم والحضارة السامية (مخطوط).

– السلالات اللغوية (مخطوط).

– محاضرات في فقه اللغات السامية (مخطوط).

– النحو المقارن للغات السامية (مخطوط).

– دراسة لنصوص من العهد القديم (مخطوط).

 

وله أيضًا في هذا المجال بحوث في مجمع اللغة العربية:

– بين العربية والفارسية بعد الإسلام (في قسمين).

– صيغة فَعْلون في غير اللغة العربية من اللغات السامية.

– صيغة فِعِّيل وما يشبهها في بعض اللغات السامية.

 

مؤلفاته في علم النفس

ترك الأستاذ حامد عبد القادر عددًا من الدراسات والبحوث المهمة في علم النفس:

– في علم النفس، ثلاثة أجزاء (بالاشتراك).

– دراسات في علم النفس التعليمي.

– دراسات في علم النفس الأدبي.

– العلاج النفساني قديمًا وحديثا.

 

في التربية وطرق التدريس:

– المنهج الحديث في أصول التربية وطرق التدريس (في جزأين).

 

وله في الفلسفة:

– محاضرات في الفلسفة اليونانية.

– محاضرات في الفلسفة الإسلامية.

– مقالات في الغزالي.

 

البحوث اللغوية في مجمع اللغة العربية:

– معاني الماضي في القرآن الكريم.

– معاني المضارع في القرآن الكريم.

– ثنائية الأصول اللغوية.

– دفاع عن الأبجدية واللغة العربية.

– تحرير الرسم العربي.

– تصغير ما ثانيه حرف لين.

– تصغير الاسم شريان وما يشبهه.

 

وله في الأدب:

– قصص الأنبياء.

– القصص الحيواني، وكتاب «كليلة ودمنة» في الأدبين العربي والفارسي.

 

وله في التاريخ:

– الإسلام: ظهوره وانتشاره في العالم.

 

وفاته

توفي الأستاذ حامد عبد القادر في ١٩٦٦ قبل أن يدرك العهد الذي كثر تكريم تلاميذه فيه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة