آفة الفراغ في مجتمعاتنا العربية

تعتبر منطقة الوطن العربي من أعلى المناطق الجغرافية في العالم بمعدلات البطالة، وهذا العلو له مسببات كثيرة لستُ بصدد حصرها، ولكنَّ الفراغ الذي يسببه علو نسبة البطالة في صفوف شباب المجتمعات العربية له نتائج وخيمة وعواقب تودي به إلى الفناء والهلاك، فإنِّ العمل يُحي القلوب، ويُنتِج علمًا يستنير به المرء ويعرف مواضع أقدامه في دروب الحياة، فالعمل والانشغال بتطبيق المعلومات النظرية التي تملكها يعمل على نقلها من دائرة الذهن إلى واقع الحياة فما فائدة الطعام إن لم يتم تحويله عن طريق الهضم إلى حركة وحرارة وطاقة؟!

  

أما في أحضان الفراغ تولد آلاف الرذائل، وتتخمر بكتيريا الفناء وتتشكل زحلوقة الانزلاق نحو القاع، وإذا كانت دنيانا هذه غِراسٌ لحياة خالدة تعقبها، فإنَّ الفارغين أوْلى الناس أن يحشروا مفلسين لا حصاد لهم، فإنَّ الفراغ في مجتمعاتنا يُدَّمر آلاف المواهب والكفاءات ويخفيها وراء جبال من الاستهانة والاستكانة والخمول كما تختفي معادن الذهب في المناجم المجهولة، وهذا يعتبر إهدار شنيع لقيمة العمل والطاقات والوقت، وهذا الإهدار ينتج عنه مصائب اجتماعية وسياسية ونفسية جسيمة.

 

وقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغفلة عن أعظم نعمتين وُهِبتا للإنسان في الحديث الشريف: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". فإنَّ النفس لا تهدأ إن لم تدُر في حلقة مستمرة من الأفعال الخيرة والعمل والإنتاج، وإن لم يملأ الإنسان دواخله النفسية بالانشغال بالحق فسوف تنشغل بالباطل وتمتلئ بفراغ مشوب بالشرور، ومن أفضل ما قاله الشافعي في أسس التربية: "إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل".

 

العقل لا يستطيع حمل أكثر من فكرة في آنٍ واحد فلتكن فكرة إٍيجابية، والفكرة الإيجابية لا تنبع إلا من وسط الانشغال بما هو مفيد ومن وسط الارتقاء الذاتي العملي

ويقول ديل كارنيجي: "إننا لا نحس أثرًا للقلق عندما نعكف على أعمالنا، ولكن ساعات الفراغ التي تلي العمل هي أخطر الساعات طرّا". وهذا صحيح.. فعندما يتاح لنا الفراغ ما تلبث شياطين القلق والهواجس الرجراجة تغزونا، فكما يملأ الهواء مُسيَّرًا بقانون الطبيعة ما هو مُفرَّغ منه عند إتاحة الفرصة له، كذلك فإنَّ قانون الطبيعة يملأ النفس الفارغة بالعواطف والأحاسيس البدائية التي تندفع بقوة متوارثة من عهد الغاب وهذه العواطف تتمثل في الغيرة، القلق، الخوف، الحقد والحسد وغيرها من الأحاسيس الغير سوية، فيجب هنا على المرء شحن الأوقات بالأعمال والواجبات والانتقال من عمل إلى آخر حتى لو كان من عملٍ مضنٍ إلى عمل مرفَّه، وعليه ألا يستكين لقلة العمل ويترك نفسه لفراغٍ كُتب عليه بسبب ارتفاع البطالة في بلاده، بل من الواجب عليه أن ينصرف إلى نفسه ويتعهدها بالتطوير والنبوغ بها، فهذا أحرى بإبعاد القلق والآفات النفسية والاجتماعية عنه.

 

فإنَّ العقل لا يستطيع حمل أكثر من فكرة في آنٍ واحد فلتكن فكرة إٍيجابية، والفكرة الإيجابية لا تنبع إلا من وسط الانشغال بما هو مفيد ومن وسط الارتقاء الذاتي العملي، فكما يقول مارثا واشنطن: "الجزء الأعظم من سعادتنا وشقائنا يعتمد على التوجه الذهني وليس على الظروف". وهنا يتمثل دور المرء في توجيه ذهنه وعقله نحو الانشغال بما هو مفيد وعدم ترك نفسه للانسحاب بواسطة دوَّامة الفراغ القاتل، وأنْ لا يلوذ بالسكون والقعود والتعويل على الظروف، وعلى المربين دور عظيم في التحذير من آفات الفراغ وتجنبها وتحصين النفس من شرور الفراغ والبطالة، وتوليد جهد يستنفذ كل طاقة مُوجِهًا لها بما ينفع المجتمعات في معاشها، فالمعروف أن بطالة الغنِي ذريعة للفسوق وبطالة الفقير تضييع لقدرة بشرية هائلة وبعثرة مخزية لما أودعه الله من قدرات في أجساد وعقول لو استغلت لغيرت وجه العالم، وعلى الأنظمة وأصحاب الحكم والقرار خلق فرص عمل تشغل الفراغ وتستغل الطاقات البشرية في مجتمعاتها، فإنَّ أحق الأنظمة بالقبول هي تلك التي راعت هذه الحقيقة وبنت عليها أجندتها وتعاليمها، ولكن هيهات أن تجد أنظمة وحكومات تحظى بأحقية القبول!

  

إنَّ الشعوب المتقاعسة المتكاسلة الفارغة تسقط من عين الله قبل سقوطها من أعين أهل الجد والإنتاج، فيستحيل أن تحرز هذه الأجيال الغفيرة في الوطن العربي سهمًا من النجاح إلا إذا غيَّرت أسلوبها في الحياة ونفضت عنها القعود والتقاعس واقتلعت من ربوعها آثام وآفات البطالة والفراغ، فكما يقول الله تعالى في سورة الرعد: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" وهنا يستحضرني أيضًا قول ماري روبرتسون: "الحياة هي ما نصنعه بأنفسنا، كانت كذلك دائمًا، وستظل كذلك أبدًا".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة