شعار قسم مدونات

كيف قَفّى العرب شعرَهم؟

blogs - writing ink

بناءًا على تعريف الشريف الجرجاني للشعر، فإنّ القافية تعتبر العنصر الثاني من عناصره بعد الوزن، وسنستعرض في هذا المقال المفهوم والطريقة العربيين للتقفية، فالقافية كما يُعرّفها الخليل هي مجموعة الأحرف التي تنتهي بآخر حرف ساكن في البيت -آخر حركة يتم إطلاقها حتى تصبح حرفًا ساكنًا- وتبدأ بأقرب حرف ساكن قبله، ومعه الحرف المتحرك الذي يسبقه، وقد تقع القافية في كلمة واحدة أو أكثر، فمثلًا في قول المهلهل:

فَلَوْ نُشِرَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ

لأُخبِرَ بالذنائبِ أيُّ زِيْرِ

 

تكون القافية "زِيْرِ"، لأنّ آخر ساكن هو "الياء المطلقة" من الكسر على "الراء"، والساكن الذي قبله مباشرةً هو "الياء" في كلمة "زير"، والحرف المتحرك الذي يسبقها هو "الزاي" المكسورة، وفي قول امرئ القيس:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا

كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ

   

فإنّ آخر ساكن هو "الياء المطلقة" من الكسر عل "اللام"، والساكن الذي يسبقه هو "النون" في كلمة "من"، والمتحرك الذي قبل "النون" الساكنة هو "الميم" المكسورة، فعليه تكون "مِنْ عَلِ" هي القافية، وحروف القافية ستة، ولا تجتمع الستة حروف معًا أبدًا، وهي "الرويّ" و"الوصل" و"الخُروج" و"الرِّدف" و"التأسيس" و"الدخيل"، وحرف الروي هو الذي تُبنى عليه القصيدة، وينسب إليها، فلاميّة العرب للشّنفرى مثلًا رويُّها "لام"، يقول الشنفرى في مطلع لاميته:

أقيموا بني أمّي صُدورَ مطيِّكمْ

فإنّي إلى قومٍ سواكمْ لَأميَلُ

  

وقد بلغ علم القافية من الدقة أن حدد بعض الحروف والأصوات التي لا تصلح أن تكون رويًّا، مثل؛ "ألف التثنية" و"واو الجماعة" و"ياء المتكلم"، وهذا لإضفاء وقع أجمل للقافية على أذن المستمع، والوصل هو الحرف الذي يأتي بعد الروي مباشرة، وأحرف الوصل هي "الألف" و"الواو" و"الياء" و"الهاء" اللاتي لا تصلح أن تكون رويًا، ومن ذلك قول عامر بن الطفيل:

طُلّقْتِ إنْ لم تَسألي أيّ فارِسٍ

حَليلُكِ إذْ لاقَى صُداءً وخَثعَمَا

  

أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا ولَبَانُهُ

إذا ما اشتكَى وَقعَ الرّماحِ تحَمحَمَا

  

فالروي في هذه الأبيات "ميم"، والألف بعدها حرف الوصل، وحرف الوصل إذا جاء بعد الرويّ فهو ملزِم -أو صوت مشابه له مثل أن تأتي "واو الإطلاق" مع "واو الجماعة"- بعد كل روي في القصيدة، وهي بذلك تختلف عن الكثير من اللغات التي تعتبر الـ"ألفَ" والـ"واو" والـ"ياء" الزائدة رويًا، مثل البشتوية والفارسية والفرنسية، ومن الأمثلة على أبيات فيها حروف وصل متشابهة صوتيًا قول لبيد بن ربيعة:

يُروي قَوامِحَ قَبلَ اللَيلِ صادِقَةً

أَشباهَ جِنٍّ عَلَيها الرَيطُ وَالأُزُرُ

 

إِن يُتلِفوا يُخلِفوا في كُلِّ مَنقَصَةٍ

ما أَتلَفوا لِاِبتِغاءِ الحَمدِ أَو عَقَروا

 

نُعطي حُقوقًا عَلى الأَحسابِ ضامِنَةً

حَتّى يُنَوِّرَ في قُريانِهِ الزَهَرُ

 

فروي هذه القصيدة "راء"، وقد جاءت الأبيات الأول والثالث بصوت "الواو المطلقة" عن الضمة بعد حرف الروي، واحتوى البيت الثاني على "واو الجماعة" كحرف وصل بعد الروي، وكلا الصوتين لا يصلح أن يكون رويًا، ولكن مجيئه كان إجباريًّا على طول القصيدة.

وحرف الخروج هو الـ"ألف" أو ال"واو" أو ال"ياء" التي تتبع "هاء الوصل"، وهو آخر حرف في البيت، ومن ذلك قول قيس بن الخطيم:

تذكّرَ ليلى حسنَها وصَفَاءها

وبانتْ فأمسى ما ينالُ لقاءَهَا

 

ومثْلِكِ قدْ أصْبَيْتُ ليْسَتْ بكَنّةٍ

ولا جارةٍ أفْضَتْ إليَّ حياءَهَا

 

فروي هذه القصيدة هو "الهمزة"، و"الهاء" بعدها هو حرف الوصل، والـ "ألف" في آخر البيت هي "ألف الخروج"، وهي ملزِمة، فتأتي على طول القصيدة، وحرف الردف هو الحرف الذي يسبق الروي مباشرةً، ويكون إما؛ الـ "ألف" أو الـ "واو" أو الـ "ياء"، ويجب أن يكون ساكنًا، ومن ذلك قول قيس بن الخطيم:

أنّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوبِ

وتُقرِّبُ الأحلامُ غيرَ قَرِيبِ

 

ما تَمْنَعِي يَقْظَى فقد تُؤْتِينَهُ

في النّوْمِ غيرَ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبِ

 

فالروي في أبيات قيس هو الـ "باء"، والـ "ياء" والـ "واو" التي سبقت الروي في البيت الأول والثاني على التوالي هي حروف الردف، ومن الممكن أن تتناوب الـ "ياء" والـ "واو" كردف للقصيدة الواحدة كما في المثال السابق، ولكن إذا كان الردف "ألِفًا"، فإنّ كلّ القصيدة يجب أن تلتزم بال"ألف" قبل الروي، ومثال ذلك قول لبيد بن ربيعة العامري:

أَقوى وَعُرِّيَ واسِطٌ فَبَرامُ

مِن أَهلِهِ فَصُوائِقٌ فَخِزامُ

 

فَالوادِيانِ فَكُلُّ مَغنًى مِنهُمُ

وَعَلى المِياهِ مَحاضِرٌ وَخِيامُ

 

عَهدي بِها الإِنسَ الجَميعَ وَفيهُمُ

قَبلَ التَّفَرُّقِ مَيسِرٌ وَنِدامُ

 

فالروي في أبيات لبيد هو "ميم"، وألِف الردف سبقت ميم الرويّ على طول القصيدة، وحرف التأسيس هو ال"ألف" التي تأتي قبل حرف الروي بحرف واحد، والحرف الذي يأتي بين ألف التأسيس والروي يسمى "حرف الدخيل"، ومن الأمثلة على ذلك قول أبو الطمحان القيني:

أَلا عَلِّلاني قَبلَ نَوحِ النَوائِحِ

وَقبلَ ارتقاءِ النَّفسِ فوقَ الجَوانِحِ

 

وَقَبلَ غَدٍ يا لَهفَ نَفسي عَلى غَدٍ

إِذا راحَ أصحابي وَلَستُ بِرائِحِ

 

فالروي في أبيات أبي الطمحان "حاء"، والـ"ألف" التي قبلها بحرف واحد هي "ألف التأسيس"، فـ"ألف التأسيس" مُلزمة أيضًا، ومجيئها في القافية يُجبر كل الأبيات عليها، ولكن حرف الدخيل متغيّر، فهو الـ"نون" في البيت الأول، والـ"همزة" في البيت الثاني.

  

لقد اعتاد العرب نظم قصائدهم بالقافية نفسها على طول القصيدة، حتى لو كانت قصيدة طويلة، مع ملاحظة أنّ العرب لم يعرفوا القصائد الطويلة جدًا، أو ما تسميها الأمم الأخرى بـ "الملاحم"، وكانت "المعلقات" هي أطول قصائدهم في الجاهلية، وكانت تقارب المائة بيت، وزاد بعضها عن ذلك كما نقص بعضها الآخر، في حين احتوت ملحمة "الإلياذة" الإغريقية مثلًا على أكثر من خمسين ألف جملة شعرية، وبعض الملاحم زادت على ذلك، ولم تعرف الأمم الأخرى كلها القافية الواحدة، وإن وردت في القليل من القصائد فهي حالات عرضية لا تلزم الصفة.