كورونا واحتضار الوعي العربي

منذ أن انتشر فيروس الكورونا حول العالم انتشار النار في الهشيم إلا وتطالعنا آخر ردّات الفعل من قبل الحكومات والمجتمعات وصولا للأفراد. وقد تباينت تأويلات هذا الفيروس الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية وباء عالميا بين من يراه عقابا إلهيا وبين من يعتبره جزءا هاما من استراتيجية الحرب البيولوجية القائمة بين قطبي العالم الصين والولايات المتحدة الأمريكية. ولنا أن نسأل كعرب: أين نحن من كلّ هذا؟ لذلك سنحاول خلال هذا المقال مقاربة ردّة الفعل العربية تجاه هذا الوباء العالمي من خلال دراسة سوسيولوجية ترتكز على اهم مخرجات علم اجتماع المعرفة.

أولا ومن خلال الرواية الرسمية قرر وزراء الصحة العرب عقد اجتماع طارئ على مستوى الخبراء الشهر المقبل في القاهرة، من أجل مراجعة خطط الاستعداد والترصد لفيروس كورونا، بحسب بيان رسمي. وجاء في هذا البيان: عقد اجتماع طارئ استثنائي على مستوى الخبراء لدى وزارات الصحة العربية، لمراجعة خطط الاستعداد والترصد وتبادل الخبرات، وذلك خلال الأسبوع الثاني من شهر مارس 2020 بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. لكن سؤالا يطرح نفسه بقوّة هنا، هل أنّ الجانب الصحّي وحده القادر على التصدّي لهذا الفيروس أم أنّ هناك عوامل أخرى؟

العراق ولبنان مثلا ربطا انتشار الكورونا بالأزمة السياسية في البلاد فقد علّق نشطاء عراقيون ولبنانيون قائلين: حتى الكورونا جاتنا من إيران. أما في المغرب العربي فقد سخر المغاربة والتونسيون والجزائريون من هذا الفيروس قائلين: مقارنة بمشاكلنا الأخرى يعتبر كورونا بمثابة ألعاب ديزني لاند

يقرّ الخبراء على أنّ الوعي بهذا الوباء يمثّل الحلقة الأقوى في مجابهته اعتمادا على ارتفاع منسوب الوعي للشعوب من خلال اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية المرتبطة أساسا بجسم الإنسان نظرا لسرعة انتشار الفيروس. وهذا الوعي يتجاوز الجانب الجسدي ليرتقي إلى الفضاء المشترك الذي يجتمع فيه الناس كمحطات القطار والملاعب والمقاهي ودور العبادة الخ.. فقررت دول اتباع سياسة الحجر الصحي ومنع الاختلاط بالفضاءات العامة بينما ارتأت دول أخرى توقيف الدراسة بالمدارس والمعاهد والجامعات. أيا يكن من هذه الإجراءات تبقى المنطقة العربية تحت طائلة الشك في مدى قدرتها على مجابهة وباء عالمي بهذا الحجم. فبالنظر إلى التلقّف الشعبي لهذا الفيروس نلحظ تحوّله إلى مادة دسمة للسخرية وصنع الضحك ضمن إطار ما يعرف بالكوميديا السوداء في فيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي.

واجتهد العديد من العرب من مستخدمي الفضاء الأزرق في تعداد الأسباب التي تفسر عدم انتشار الفيروس بشكل كبير جدا مقارنة بالصين مثلا، ولماذا لن يظهر بهذه القوة في البلدان العربية. فمنهم من رأى أنّهم شعوب ميتة أصلا جراء غلاء الأسعار وعدم قدرتهم على العيش في مستوى شبيه بالشعوب الغربية. ومنهم من ذهب إلى حدّ أنّ الشعوب العربية تعاني أصلا من مصائب أكبر من وباء كورونا نفسه كالحروب والفقر والبطالة وضعف البنية التحتية وافتقار الإطار الطبي إلى كثير من الأمور اللازمة وظواهر أخرى ستجعل الفيروس زائرا عاديا تعوّدت الشعوب العربية على أمثاله من مصائب ومحن.. ولعلّ الرأي الطريف أكثر هو قول مجموعة أخرى أنّ الفيروس عندما يرى حال بعض الشعوب العربية سيشفق عليهم من تلقاء نفسه ويغادر دون رجعة قائلا: يكفيهم ما فيهم.

بعيدا عن فلتات الفايسبوك يقول الخبير النفسي الأستاذ منصور عيوني في مقابلة له مع قناة دوتش فيلا الألمانية: كيف يمكن لإنسان فقير مجهد في وطن متخلف تعصف به الديون الخارجية وترتع فيه عصابات الفساد ويتراقص فيه الإرهابيون على إيقاع التفجيرات أن يفعل في مواجهة حرب بيولوجية من نوع جديد أعلنها كورونا دون أي سابق إنذار. العراق ولبنان مثلا ربطا انتشار الكورونا بالأزمة السياسية في البلاد فقد علّق نشطاء عراقيون ولبنانيون قائلين: حتى الكورونا جاتنا من إيران. أما في المغرب العربي فقد سخر المغاربة والتونسيون والجزائريون من هذا الفيروس قائلين: مقارنة بمشاكلنا الأخرى يعتبر كورونا بمثابة ألعاب ديزني لاند. في مصر شكّل أيضا مادة دسمة لرواد مواقع التواصل الاجتماعي وتعامل هؤلاء مع الموضوع بالنكات والسخرية تحديدا من إصرار مصر على عدم الإعلان عن ظهور كورونا في البلاد وسادت حالة من التشكيك في التصريحات الرسمية بهذا الخصوص واتهم البعض السلطات بممارسة التعتيم.

في الختام، يقول الروائي الشهير ميلان كونديرا في روايته حفلة التفاهة: يجب أن نتوقف عن النظر بجدية لكل الأمور الجدية. لكن اتخاذ كل الأمور من باب السخرية وخاصة المتعلقة بالأمن القومي في بعديه الصحي والغذائي قد يعتبر حسب ابن خلدون موتا للقلب واحتضارا للوعي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة