كورونا.. الأنظمة الشمولية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة

حملت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مدينة ووهان بؤرة تفشي فيروس كورونا، إعلاناً ضمنياً عن نجاح الإستراتيجية الصينية في التعامل مع الأزمة. وقال شي في تصريحات صحفية إن بلاده نجحت في السيطرة عملياً على تفشي الفيروس، وتمكنت من تحقيق خطوة أولى نحو استقرار الوضع وتحسنه في عموم البلاد. أعقب هذه التصريحات قرار السلطات رفعاً جزئياً لبعض القيود المفروضة على إقليم خوبي، وقالت الحكومة المحلية إن الصناعات الرئيسية ستستأنف أنشطتها في المقاطعة، وسيتم السماح لقطاعات رئيسية مثل النقل العام والإمدادات الطبية والمؤسسات المنتجة للمواد الأساسية بالعودة إلى العمل.

تزامن ذلك من تراجع أعداد الضحايا في الصين إلى الحد الأدنى، حيث لم يتجاوز عدد الإصابات بالفيروس خلال اليومين الماضين حاجز الخمسين إصابة، مقارنة بمئات الإصابات الجديدة التي كانت تسجلها اللجان الصحية يوميا في شهر فبراير الماضي. ويرجع الفضل في تراجع أعداد الإصابات إلى الإجراءات والتدابير الصارمة التي اتخذتها السلطات الصينية على مدار الأسابيع الماضية، حيث تم فرض حجر صحي على أكثر من ستنين مليون مواطن في مقاطعة خوبي، وهو الحجر الأطول والأكبر في التاريخ، إذ لم يسبق لدولة أن أقدمت على مثل هذا الإجراء حتى أثناء انتشار الطاعون الذي قضى على نحو 25 مليون شخص في أوروبا بين أعوام 1347 و1351.

معالجات عكسية
إذا كان الساسة هم المخولون بإصدار التعليمات، فإن الشعوب فقدت الثقة في الأنظمة الحاكمة خصوصاً خلال العقد الأخير الذي شهد أزمات وصدامات متعددة بين الجانبين، فضلاً عن أن سلطة هذه الأنظمة محدودة حتى في مجال تطبيق السياسات الأساسية

حتى وقت قريب كانت الأضواء تسلط على مدينة ووهان باعتبارها بؤرة تفشي الفيروس ومصدر الخطر الذي يهدد البشرية، وقد اتخذت العديد من الدول إزاء ذلك، إجراءات احترازية صارمة، شملت حظراً على السفر من وإلى الصين، بالإضافة إلى إجلاء الرعايا، وسحب جزئي لموظفي السفارات والقنصليات الأجنبية. أما اليوم ومع تجاوز عدد الإصابات بفيروس كورونا في العالم حاجز المئة ألف، واتساع نطاق انتشاره في أكثر من مئة بلد ومنطقة، يبدو أن الصين باتت المكان الأكثر أمنا، بعد أن تحولت من دولة مصدرة للفيروس إلى دولة مستوردة.

فخلال الأيام الماضية، تم تشخيص أكثر من خمس وتسعين إصابة لمواطنين صينيين عادوا من الخارج، وبناء عليه قررت السلطات الصينية فرض حجر صحي على جميع الوافدين لمدة أسبوعين، وتدرس الآن إمكانية وقف رحلاتها الجوية مع بعض الدول التي تشهد ارتفاعاً في عدد الضحايا مثل إيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية. في السياق، عرض وزير الخارجية الصيني وانغ يي، المساعدة على نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، وقال في مكالمة هاتفية، إن الشعب الصيني لا ينسى الدعم الذي تلقاه من إيطاليا في بداية أزمة كورونا. من جهته قال الوزير الإيطالي إن حكومة بلاده تتعلم من التجربة الصينية الناجحة في مكافحة الفيروس، وتتخذ تدابير صارمة لمنع انتشاره.

صعوبات التطبيق

تسابق العديد من الأنظمة الزمن في محاولة للحد من انتشار الفيروس والسيطرة عليه. ولا تزال الجهود الدولية مستمرة من أجل التوصل إلى وسائل ناجعة لاحتواء الأزمة. ومع نجاح الصين في محاصرة الفيروس وخفض أعداد الإصابات، بدأت تثار تساؤلات حول إمكانية استنساخ التجرية الصينية وتطبيقها عملياً. ولكن، قبل الخوض في هذا الأمر، لا بد من الإجابة على السؤال التالي: من هي الجهة أو المجموعة المخولة في الدولة للتعامل مع تفشي الفيروس؟ هل هي جهات سيادية أم تكنوقراط؟ فإذا كانت الإجابة: الجهات الصحية، فإن قرار العزل الصحي على سبيل المثال يتطلب وجود قوة ملزمة، هذا إذا توفر الاستعداد النفسي لدى الشعوب للانقياد أو الانصياع لمثل هذه الأوامر.

وإذا كان الساسة هم المخولون بإصدار التعليمات، فإن الشعوب فقدت الثقة في الأنظمة الحاكمة خصوصاً خلال العقد الأخير الذي شهد أزمات وصدامات متعددة بين الجانبين، فضلاً عن أن سلطة هذه الأنظمة محدودة حتى في مجال تطبيق السياسات الأساسية. لذلك يبدو من الصعب تطبيق الاستراتجية الصينية في دول أخرى، وربما تكون هذه هي الحسنة الوحيدة أو الأبرز للنظام الشمولي في الصين، وإلا كيف يمكن إلزام أكثر من ستين مليون مواطن بالبقاء في منازلهم لأكثر من شهر، دون أن يخرج أحدهم شاهراً سيفه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة