لبنان.. هذا الإفلاس المالي من ذاك الإفلاس السيادي

blogs لبنان

بعد إعلان رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب، يوم السبت 7 آذار 2020، تعليق الجمهورية اللبنانية سداد استحقاق 9 آذار من اليوروبوند (سندات سيادية لبنانية)، "لضرورة استخدام هذه المبالغ في تأمين الحاجات الأساسية للشعب اللبناني"، أصبحت الدولة اللبنانية رسميا، ولأول مرة في تاريخها منذ تأسيس دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920، في حالة تعثّر عن الدفع، أي بكلام آخر، في حكم الدولة المفلسة.

تطلّب إعلان إفلاس الدولة ديباجة مطولة من رئيس مجلس الوزراء، مطعّمة بتعابير إنشائية حماسية، وكليشيهات نمطية مستمدّة من قاموس الشوفينية اللبنانية الأصيلة، التي يطرب لسماعها بعض غلاة الوطنية، لا سيما تعابير من النوع الذي يستعمل لبث بعض العنفوان في صفوف الشعب ورفع المعنويات. شنّ دياب خلال خطابه هجوما على المصارف، وعلى الفريق السياسي الآخر ـ دون أن يسميه ـ الذي بات حاليا خارج الحكم (ما كان يعرف ب 14 آذار)، محاولا تحميلهم حصريا كامل مسؤولية الدين العام المتراكم منذ عقود، وتعثر الدولة عن سداده.

التأزم المعيشي في لبنان هو وليد أزمة السيادة التي يسبّبها الحزب نفسه الذي يمسك فعليا ، في آن واحد، بزمام السلطة في هذا البلد، والذي يخرق سيادة الدولة، لا سيما أنّه، كما بيّنا آنفا، الأزمة الأمّ متمادية منذ عقود

وقد جاء هذا الخطاب بعد يومين مما يشبه كثيرا محاولة لوضع اليد، من قبل جهة سياسية مجهولةـ معلومة، على المصارف اللبنانية بواسطة القضاء، وذلك من خلال قرار قضائي، لا يخلو من منسوب عال من الشعبوية، بوضع إشارة "منع تصرف" على أصول عشرين مصرفاً لبنانياً، مع ما كان يمكن أن يستتبع ذلك من نتائج كارثية على وضع المصارف اللبنانية المستفحل أصلا، وعلى ما تبقى لها من سمعة في الخارج. إلا أنّه في خضم كل هذه الأحداث، قد غاب عن خطاب رئيس الحكومة ما هو أهمّ بأشواط من كل ما قد ذكره، ألا وهو دور الحاكم الفعلي للبنان -حزب اللّه- فيما وصلت إليه الأمور من أزمة معيشية واقتصادية ونقدية ومالية كارثية، وإفلاس مالي للدولة اللبنانية.

فإذا كان لا شك بأنّ كل القوى السياسية اللبنانية (أو على الأقل معظمها) تتشارك، من حيث المبدأ، في المسؤولية عن الكارثة التي وقع فيها البلد، إلا أنه لا يمكن موضوعيا المساواة في تحميل المسؤولية بين الحاكم الفعلي للبلد من جهة (حزب اللّه)، وبين القوى الأخرى الحليفة و/أو المخاصمة للحاكم الفعلي والتي تبقى، مهما علا شأنها وتوسعت سلطتها في الدولة، قوى رديفة لهذا الحاكم الفعلي وذات دور ثانوي أمام دوره الأساسي، لا سيما بعد أن انتصر حزب اللّه عمليا، منذ غزوة 7 أيار 2008، في المواجهة التي كانت وضعته، إبّان اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان في الـ2005، بوجه القوى السيادية (14 آذار) التي تمّ اغتيال قادتها واحدا تلو الآخر أثناء تلك الحقبة.

تحميل المسؤولية للحاكم الفعلي للبنان لا يعني بتاتا تبرئة الأحزاب والتيارات الأخرى من مسؤولية الكارثة الحاصلة، لا سيما أنّ كل هذه القوى، أو على الأقل معظمها، ارتضت لنفسها أن تخضع بوقت أو بآخر، بطريقة أو بأخرى، بورقة تفاهم أو بصفقة أو بتسوية أخرى، للحاكم الفعلي وإملاءاته. ولكن هذا الواقع التسووي "الصفقاتي" لا يغير في حقيقة أنّ السلطة الفعلية في لبنان هي – على الأقل منذ الـ2005، لا سيما منذ الـ2008 – في يد الفريق الذي يمتلك – تحت مسميات وتبريرات عديدة – السلاح غير الشرعي، ضاربا بعرض الحائط سيادة الدولة التي أكّدت عليها قرارات الشرعية الدولية (مجلس الأمن 1559 و1701)، لا سيما مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. وقد آلت السلطة الفعلية في لبنان إلى حزب اللّه بعد أن كانت، قبل الـ2005 (حقبة 1990- 2005)، في يد الدولة الحليفة لهذا السلاح غير الشرعي (سوريا)، والتي كان جيش نظامها يحتل لبنان مباشرة. وحزب اللّه لا يكتفي بخرق السيادة اللبنانية ومبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحسب، بل يتعدّى ذلك مسخّرا سلاحه غير الشرعي لخدمة دولة أحنبية أخرى (إيران) وحروبها بالواسطة في الإقليم.

وعليه، فإنّ الاستمرار في تجهيل الفاعل الحاكم الفعلي للبنان، أي حزب اللّه، الذي يقرّر في الشاردة والواردة، لا سيما إذا كانت الدولة تدفع – أم لا – ما يتوجب عليها في استحقاقات اليوروبند، وإذا كانت الدولة تقبل أم لا بمساعدة الصندوق الدولي، وإذا كانت الدولة تمنع أم لا هبوط الطائرات الآتية من بلدان موبوءة بالكورونا كإيران، وإذا كان لبنان يخرج أم لا عن الاجماع العربي، ويضع نفسه عمليا أم لا في موقع العداء للبلدان العربية ـ لا سيما دول الخليج العربي ـ بسبب تصرفات حزب اللّه، وإذا كانت الدولة اللبنانية تطبّع أم لا علاقاتها مع النظام السوري، مع ما يتأتى عن هذه القرارات من نتائج كارثية على البلد، كل ذلك التجهيل للحاكم الفعلي يساهم مساهمة فاعلة في تفاقم الأزمة، وخراب لبنان.

فالتأزم المعيشي في لبنان هو وليد أزمة السيادة التي يسبّبها الحزب نفسه الذي يمسك فعليا ، في آن واحد، بزمام السلطة في هذا البلد، والذي يخرق سيادة الدولة، لا سيما أنّه، كما بيّنا آنفا، الأزمة الأمّ متمادية منذ عقود. فلا يمكن فصل المطالب المعيشية عن المطالبة بسيادة الدولة، ولا فصل معركة الرغيف عن معترك السيادة، فالمطالب المعيشية لشعب دولة معينة هي مطالب سيادية بامتياز في جوهرها وفي ركائزها، والانتفاضة المعيشية لهذا الشعب إما أن تكون سيادية أيضا، أو لا تكون تلك انتفاضة أصلا.

إنّ محاولة التعمية على حقيقة الحاكم الفعلي للبنان وتجهيل هويته- خوفا، أو خبثا ورياء وتسلقا للانتفاضة- وذلك بالتعميم الشعبوي، على طريقة برنامج الأطفال école des fans، التي تنتهجها الحكومة الحالية أو حتى قسم لا يستهان به من "قيادات" الانتفاضة الشعبية التي بدأت في ١٧ تشرين الأول الماضي، تضع أصحاب هذا النهج التجهيلي بنفس موقع من أبرموا الصفقات مع الحاكم الفعلي للبنان (رئيس اللقاء الديمقراطي الزعيم وليد جنبلاط، رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع)، وبمصاف من وقّعوا ورقات التفاهم معه (التيار الوطني الحر الذي كان في الـ2006 برئاسة الجنرال ميشال عون)، وارتضوا أن يربطوا النزاع معه، والخضوع لإرادته من خلال المشاركة في الحكومات معه، وتقاسم السلطة معه، بدل أن يواجهوا تسلطه على البلاد والعباد.

لن تقوم للبنان قائمة بعد هذه الأزمة المستفحلة التي أقعدته، إلا عندما نقرر كشعب لبناني أن نتخلى عن تعنتنا في دفن الرؤوس في رمال التعميم الشعبوي -خوفا من الحاكم الفعلي وسلاحه غير الشرعي، أو رياءً وتزلفا ونفاقا أمامه -، أي عندما نبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها، وبوضع النقاط على الحروف، كخطوة أولى في المواجهة السياسية مع هذا الحاكم الفعلي الذي يأخذ البلد رهينة خدمة لدولة أجنبية ولأجنداتها الإقليمية.

يقول المثل العربي: هذا الشبل من ذاك الأسد. أما في لبنان، فهذا الإفلاس في المال من ذاك الإفلاس في السيادة. بالمختصر المفيد: كلن يعني كلن.. مسؤولون عن الكارثة الحاصلة، لأنهم عمليا ـ إلى جانب أسباب أخرى عديدة طبعا، لا مجال هنا للخوض في تفاصيلها ـ كلن يعني كلن.. خاضعون لحزب اللّه، هذا الحزب الذي يبقى المسؤول الأول والأساسي عن الإفلاس المزدوج ـ السيادي والمالي ـ الحاصل في بلاد الأرز.