كورونا والاحتراف المصري في التعامل مع الأزمات!

blogs مصر

أثبت تعامل الحكومة المصرية مع أزمة فيروس "كورونا" الجديد ريادتها في الإخفاق الحكومي، وانعدام المسؤولية تجاه المواطنين، ففي الوقت الذي أعلنت فيه دول العالم تشديد الإجراءات الوقائية وحظرت التجمعات، أصرت مصر على عدم وجود مصابين لديها، ودعت السائحين من كل الدول إلى زيارة أراضيها، غير عابئة بحياة 100 مليون إنسان، ونقل شهود عيان أن بعض الوفود كانت قادمة من الصين ولم يوقع عليه الكشف الطبي المبدئي، المتمثل في قياس المؤشرات الحيوية، ناهيك عن انعدام أي إجراءات احترازية لحماية المصريين.

 

وبعد نفي متكرر، لاقت الحكومة حملة انتقادات دولية من حكومات ومنظمات، خاصة بعد أن اكتشفت بعض الدول حالات إصابة قادمة من مصر، مثل فرنسا التي أكدت إصابتين قادمتين من القاهرة، واليونان التي سجلت حالة كانت في مصر أيضا، وبعد قرار إسرائيل بإغلاق الحدود معها، لتصبح مصر دولة موبوءة، وحكومتها تصر على عدم وجود أي حالات إصابة أو حتى اشتباه. وبعيدا عن التأخر في الإعلان عن أعداد المصابين، سارعت هالة زايد وزيرة الصحة بتوجيهات عليا، إلى السفر للصين ومقابلة مسؤولين من وزارة الصحة الصينية لأسباب لم تعلن حينها، صرخ الأتباع وهللوا مؤكدين أن مصر اكتشفت علاجا رسميا للفيروس وأن الوزيرة تبحث مع الصين آليات مد العالم بذلك اللقاح العبقري الذي سينهي الكارثة التي عجزت أمامها دول عظمى.

 

نشرت اللجان الإلكترونية أن الوزيرة في مهمة أمن قومي وأن ما يثار حول إخفاق الوزارة في التعامل مع الأزمة، ما هو إلا أكاذيب روجها المغرضون، لإجهاض مشروع العلاج المرتقب، حيث روج الآلاف من مستخدمي فيسبوك أن الأطباء المصريين أثبتوا للعالم أجمع أنهم صناع الحياة، وأن المصل ستصدره مصر إلى كل دول العالم، واستخدمت صفحات اللجان الإلكترونية صور الوزيرة مع القائم بأعمال وزير الصحة الصيني على كونها لحظة تسليم الدواء الذي أنتجته مصر، وصاحب كل عقل يعلم زيف ذلك الادعاء، فعوضا عن استغلال تلك الصفحات واسعة الانتشار في التوعية حول سب الوقاية من كورونا وتعليم المواطنين آليات التعامل مع الكارثة، سعى القائمون عليها بتوجيهات عليا إلى استغلالها سياسيا والترويج لإنجازات وهمية، على غرار العلاج بـ"الكفتة" للواء عبد العاطي، الذي ادعى توصله لعلاج الإيدز وفيروس سي وكالعادة يسير القطيع ويساق، وكل ذلك ومصر مصرة على عدم وجود أي حالات إصابة بالوباء أو حتى حالات اشتباه!

  

لم تكن دول الخليج في منأى مما يدور في مصر، وكيف ذلك وملايين المصريين يعملون على أراضيها وربما يشكلون خطرا على مواطنيها، ما دفع البعض منها إلى اتخاذ اجراءات لمنع المصريين من الوصول إليها.. الكويت على سبيل المثال أوقفت الرحلات الجوية من وإلى مصر، وكذلك السعودية بعد قرار طالبت فيه القادمين إلى أراضيها بتوفير تحليل يسمى "PCR" يثبت خلو الراغبين في العودة إلى السعودية من الفيروس، وبذلك التحليل استعدت مصر لـ"سبوبة" جديدة تجمع خلالها أموال المغتربين، فبعد اعترافها بوجود مصابين بين مواطنيها، أعلنت وزارة الصحة استقبال الراغبين في استخراج التحليل في معاملها المركزية في وسط القاهرة، بمبلغ 1000 جنيها للعادي (64 دولار)، و2600 للمستعجل (166 دولا)، ليذهب الناس إلي المعامل المركزية في وسط القاهرة جماعات وأفراد، في مشهد مهيب يجمع الآلاف من الحريصين على مغادرة مصر، وعلى الفور تطايرت تلك المشاهد عبر صور وفيديوهات إلى دول الخليج التي اكتشفت أن تعامل الحكومة غير احترافي، ولن يحقق الغاية ولن يضمن سلامة المسافرين.

   

  

وعلى الفور فرضت السلطات السعودية ودولا أخرى تعليقا مؤقتا، على سفر المواطنين والمقيمين فيها من وإلى مصر ودول أخرى، لا سيما بعد أن أثبتت التجمعات التي شهدها محيط وزارة الصحة أن المعافين هناك سيصابون لا محالة، فلا أحد يستطيع أن يمنع انتقال العدوي بين آلاف المصريين المحتشدين، لم يختلف تعامل وزارة التعليم مع الأزمة كثيرا عن تعامل وزارة الصحة، حيث رفض الدكتور طارق شوقي وزير التعليم تعليق الدراسة، رغما عن مطالبة منظمة الصحة العالمية بإيقاف المدارس وتعليق الفعاليات، لمنع انتشار الفيروس، وخرج يحذر الأهالي من أن كورونا سينتقل لأبنائهم عبر تجمعات مراكز الدروس الخصوصية وتجمعات السينمات وتجمعات مترو الانفاق وغيرها من أماكن التجمعات، مبررا عدم اتخاذ قرار تعليق الدراسة.

 

وأصر على استمرار العملية التعليمية -حتى كتابة المقال- في الوقت الذي علقت فيه الدراسة في دول أكثر احترافية في التعامل مع الأزمات وبكثافة سكاينة أقل، ولا أدري هل الوزير يعلم حجم كثافة الفصول في المدارس الحكومية أم أن ذلك الأمر لا يثير انتباهه، بعض المدارس يتخطى عدد التلاميذ في فصولها 180 تلميذا، ليست مبالغة الفصل يضم أعداد تفوق الرقم، ويجلسون على الحجارة، لعدم توفر مقاعد لهم.

 

وبعد الإعلان عن إصابة أعداد كبيرة من المصريين بفيروس "كورونا" منهم ساحين، أعلنت مصر عدم وجود أية قيود أو حظر على سفر السائحين إلى مصر وزياراتهم داخل الأماكن السياحية والأثرية.. العالم يمنع مواطنيه من السفر والمقيمين من القدوم إليه، ومصر تعلن استقبالها للسياح دون أي إجراءات حقيقية تحمي شعبها، وتزامنا مع اكتشاف 12 حالة إصابة على متن باخرة سياحية قادمة من محافظة أسوان إلى محافظة الأقصر، أكد وزير السياحة والآثار خالد العناني، أن الحركة السياحية تسير بشكل منتظم وأن معدلات الزيارة إلى المقاصد السياحية في ارتفاع، وكأن المسؤولين في مصر مهمتهم السباحة عكس التيار، العالم يلغي الحفلات والتجمعات والمناشط السياحية، والوزير يؤكد خلال إعلانه عن أزمة المصابين بالفيروس، استمرار التجمعات وفتح المعابد والمزارات.

 

ووسط كل تلك المخاوف والتخبط السائد يتدخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ليهدد رواد التواصل الاجتماعي والعاملين في المواقع الإخبارية، باتخاذه إجراءات قانونية رادعة تجاه من يروج أية أخبار متعلقة بفيروس كورونا، مؤكدا أنه يتابع كافة ما ينشر أو يبث بشأن الفيروس، ويحذر من نشر أو بث الشائعات دون التحقق من صحتها، وذلك تزامنا مع غياب تام لأية معلومات حقيقية تصدرها الجهات المعنية. يأتي ما سبق في ظل غياب تام لأي تصريحات من قبل المسؤولين في وزارة الداخلية، حول المصابين في سجون النظام، هل اكتشفوا حالات إصابة بفيروس كورونا بين المعتقلين، هل هناك خطر عليهم، كيف يتم التعامل مع تلك الأعداد الكبيرة التي تفوق القدرة الاستيعابية لـ"لزنازين"، هل يخفف النظام قبضته الدامية مع هؤلاء لا سيما الذين يواجهون منهم إهمالا طبيا، هل يتعامل النظام بإنسانية في ظل أزمة دولية طاحنة وفيروس قاتل لا يفرق بين معتقل وحاكم؟