تفوق "الهاي تيك" الإسرائيلي وبداية الأفول

blogs تركيا

طالما تفاخرت "إسرائيل" بتفوقها في المجال التقني، حيث أن المتابع لتصريحات قادة الكيان "الإسرائيلي" دائماً ما يجدهم يتفاخرون بالتكنولوجيا المتطورة لديهم ويشيرون إليها بالهاي تك وهي اختصار للجملة الإنجليزية High Technology ومما لا شك فيه أن الكيان متقدم جداً في التقنية الحديثة في كافة المجالات وخاصة الصناعات العسكرية، تعتبر "إسرائيل" تطورها في المجال التقني ميزة تنافسية عن غيرها من الدول، وهو مفهوم تجاري مغلف بطابع سياسي، حيث تصنف حسب رأي خبراء بأنها الأولى في منطقة الشرق الأوسط والثانية عالمياً بعد أمريكا خاصة في المجال العسكري وتحديداً الطائرات المسيرة الهجومية. كما أن الهاي تك يساهم في النسبة الأكبر من الناتج القومي في "إسرائيل".

  

سياسياً، يسوق قادة الكيان للتطبيع مع الدول العربية والإسلامية عبر إغرائهم بتزويدهم بالهاي تك باعتبارها ميزة تتفوق بها "اسرائيل" في المنطقة، وكان اخرها قبل أسابيع عندما صرح "نتنياهو" بأن السودان سوف تستفيد من خبرات "إسرائيل " في مجال الهاي تك إن هي أتمت عملية التطبيع معها. وصل إعجاب قادة الكيان بقدراتهم التقنية حد الغرور الفج، ففي أحد مؤتمرات الشرق الأوسطية وصف المقبور "بيرتس" دولته بأنها واحة متقدمة في وسط قذر في اشارة منه إلى الدول العربية.

 

"الإسرائليون" ليسو بدعاً من الشعوب، فليسوا جميعاً بالعباقرة كما تحاول دولتهم توصيفهم عبر اعلامهم القوي النافذ، ولكن حكومتهم وفرت لهم بيئة تساعد علي الإبداع والإبتكار عبر تقديم الدعم المالي والاعلامي واللوجستي اضافة الى تبني منتجاتهم وتسويقها عالمياً، كما أن "إسرائيل" تصنف بأنها في أوائل الدول التي تنفق علي البحث العلمي من إجمالي موزانتها العامة، بعكس الدول المحيطة التي تحكم أغلبها أنظمة قمعية متخلفة ليس من أولوياتها البحث العلمي.

 

لا نذيع سراً عندما نقول بأن من ضمن المساهمين في التطور التقني الحاصل في دولة لكيان أناس عرب. ففلسطينيو الداخل مندمجون إلى حد كبير في الشركات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية العاملة في مجال تطوير التقنية ويعمل عدد لا بأس به منهم في شركات عالمية داخل الكيان مثل شركة إنتل. لا بل قد يتفاجأ البعض عندما يعلم بأن هناك خبراء من الضفة وغزة ما زالوا يعملون حتى هذه اللحظة في مؤسسات وشركات إسرائيلية وبشكل علني لكن في مجالات تقنية مدنية مثل الصحة والزراعة وقطاع البرمجيات إما بشكل فردي أو عبر شركات، بل إن الكيان يعطيهم كافة التصاريح والتسهيلات للعبور للداخل حتى في أعقد الظروف الأمنية، وهذا لا يعيب الفلسطينيين لأنهم تحت سيطرة كاملة للاحتلال "الإسرائيلي". وهذا أيضاً يعزز نظرية أن اليهود أو "الإسرائيليين" قدراتهم مثل باقي الشعوب وليست خارقة.

   

 

الجانب العسكري كان المجال الأكثر إبرازاً لقدرات "إسرائيل" في مجال الهاي تك، حيث تفاخرت على مدى عقدين من الزمن بطائراتها المسيرة العسكرية الهجومية وفي دقتها اللامتناهية في اصطياد المدنيين الأبرياء الفلسطينيين وتحديداً في قطاع غزة الذي جعلت منه وما زالت حقلاً لتجريب طائراتها في ظروف مريحة لها في ظل عدم وجود مضادات أرضية أو أنظمة رادار لدى المقامة الفلسطينية. كما عمدت الى بث فيديو مصور لكل عملية اغتيال تنفذها لهدفين، الأول إرضاء الرأي العام الداخلي أما الهدف الثاني فهو التسويق والترويج لهذه الطائرات بهدف بيع أكبر عدد منها للدول الأخرى. وفعلا نجحت إلى حد كبير في السيطرة على السوق العالمي للطائرات العسكرية المسيرة، وهذا ما ورد أيضاً في تقرير لوزارة الخارجية "الإسرائيلية" صنفت نفسها على أنها المصدر الأول في العالم للطائرات بدون طيار.

 

عبر المقدمة الطويلة لهذا المقال، أراد الكاتب الإشارة إلى أن الكيان "الإسرائيلي" لم يدخر جهداً في تجنيد كافة القدرات المادية والبشرية حتى غير اليهودية في سبيل تطوير قدراته التقنية إل أن وصل إلى هذه المرحلة من التقدم في مجال الهاي تك.

 

بيرقدار جاءت بما لا تشتهي صناعة الهاي تك "الإسرائيلية"

بيرقدار هي الطائرة التركية الهجومية المسيرة التي تستخدمها الدولة التركية الآن في حملتها العسكرية "درع الربيع" لتدمير قوات النظام السوري. ولقد نجحت بصورة مذهلة لم يتخيلها أحد من المراقبين وأصبحت حديث الساعة عند كل متابعي الشأن السوري، وكان الصدى الأكبر الذي جلبته بيرقدار هو تدمير أنظمة الرادار الروسية "بانتسير" المتطورة جداً حيث سيصعب على روسيا ترويج أو بيع هذه الأنظمة لدول أخرى على الأقل في الأجل القريب.

 

بات مؤكداً بأن تركيا سوف تستقطب نسبة كبيرة من الحصة السوقية للطائرات العسكرية المسيرة على حساب "اسرائيل" ليس بسبب نجاحها الباهر فحسب بل أيضا لأن تركيا دولة ليست محتلة وتربطها علاقات دوبلوماسية علنية مع معظم دول العالم على عكس الكيان "الإسرائيلي" سيء السمعة والذي تتحرج كثير من الدول في التعامل معه خاصة في المجال العسكري لارتباط تاريخه بارتكاب المجازر منذ نشأته عام 48.

 

بالنسبة للموقف "الإسرائيلي" الرسمي فقد اتسم بالصمت، وهو ما ينم عن شعور بالصدمة من جهة لتفوق دولة أخرى عليها في مجال كانت تعتبر نفسها رائدة فيه في المنطقة، ومن جهة اخرى شعور بالحنق لكون هذه الجهة هي تركيا حيث تعتبر بالنسبة لهم شبه عدو فكيف إذا أصبحت أيضاً منافساً عسكرياً وتجاريا؟ بقدر الصدمة والذهول من نجاح الهاي تيك التركي عسكريا لدى خصوم وأصدقاء تركيا في ان واحد، إلا أن هناك سعادة غامرة لدى عامة الشعوب العربية والإسلامية وأصدقاء تركيا لما شعروا به من أمل بأن العرب والمسلمون قادرون على التفوق في كافة المجالات إن توفرت الإمكانيات لهم، وباتو على يقين بأن التفوق الإسرائيلي في كافة المجالات ليس من الثوابت ويمكن التفوق عليه.